يحبّ كثير من الخبراء والمحللين السياسيين العرب اليوم أن يفسّروا علاقة إيران بالقضية الفلسطينية بوصفها مجرد حساب جيوسياسي بارد: نفوذ إقليمي، أوراق ضغط، ومحاولة دائمة لتوسيع المجال الحيوي في الشرق الأوسط. غير أن هذا التفسير، على الرغم من انتشاره في الأدبيات السياسية المعاصرة، يبقى تفسيراً مبتوراً، لأنه يقرأ التاريخ من نهايته لا من بدايته، ويختزل مساراً طويلاً من التجارب الثورية في معادلة استراتيجية واحدة. فقبل قيام الجمهورية الإسلامية بسنوات طويلة ثمة طبقة أخرى من التاريخ، طبقة أقل وضوحاً في السرديات الرسمية، لكنها أكثر عمقاً في فهم العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية.
في سبعينيات القرن العشرين كانت بيروت مدينة تعيش حالة نادرة من التوتر الخلاق، فهي مدينة البحر والمرافئ، لكنها أيضاً مدينة المنفى السياسي. في شارع الحمرا، وفي المقاهي الصغيرة التي تزدحم بالصحافيين والمنفيين والطلاب القادمين من عواصم الشرق الأوسط وأوروبا، كانت السياسة تناقش كصراع الى جانب الأدب أو الفلسفة. هناك، حيث تختلط اللغة العربية بالفارسية والفرنسية والإنجليزية، تشكلت شبكات من العلاقات بين حركات ثورية جاءت من أماكن مختلفة لكنها تحمل السؤال نفسه: كيف نصنع الثورة؟
في تلك المدينة التي وصفها الصحافي البريطاني روبرت فيسك (Robert Fisk) في كتابه Pity the Nation: Lebanon at War 1990 بأنها ملتقى المنفيين والثوار القادمين من أنحاء الشرق الأوسط، وجد المعارضون الإيرانيون فضاءً لم يكن متاحاً لهم في طهران أو قم. فقد كان نظام الشاه في تلك السنوات يفرض رقابة أمنية صارمة على النشاط السياسي، وكانت السجون الإيرانية تمتلئ بالطلاب والناشطين الذين يشتبه في ارتباطهم بالحركات المعارضة. ولهذا أصبح المنفى، بالنسبة إلى كثير من هؤلاء، شرطاً ضرورياً للاستمرار في العمل السياسي.
بيروت السبعينيات
لم تكن بيروت مدينة يمر بها المنفيون في طريقهم إلى أوروبا أو الولايات المتحدة إنما مدرسة سياسية كاملة. فقد احتضنت المدينة في تلك السنوات شبكات واسعة من حركات التحرر في العالم الثالث. وإن قضايا أسياسية مثل القضية الجزائرية والكوبية والفيتنامية ليست أسماء تذكر في النقاشات اليومية، بل تعاش كشبكات ثورية متصلة مع القضية الفلسطينية التي شكلت ذلك الوقت قلب هذا العالم الثوري الجديد.
ارتبط عدد من الإيرانيين الذين شاركوا في الثورة الإيرانية بعلاقات وثيقة مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية، وتلقى بعضهم تدريباً عسكرياً في قواعدها في بيروت السبعينيات، وفي تلك المدينة تعلم بعضهم للمرة الأولى كيف يمكن لحركة سياسية أن تتحول إلى تنظيم مسلح
في تلك البيئة التقى بعض المعارضين الإيرانيين بتجربة مختلفة تماماً عن تجربتهم في إيران. فالفلسطينيون لم يكونوا حركة سياسية معارضة لنظام قائم فقط بل حركة تحرر تخوض حرباً مفتوحة ضد إسرائيل، وتبني في الوقت نفسه بنية تنظيمية وعسكرية معقدة تمتد عبر دول عدة.
ولهذا، كما يذكر المؤرخ يرفاند أبراهاميان في كتابه Radical Islam: The Iranian Mojahedin، أقام عدد من الإسلاميين الإيرانيين خلال السبعينيات علاقات وثيقة مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، واستفادوا من خبرتها التنظيمية والعسكرية. لم يكن هذا التعاون مجرد تعاطف سياسي عابر بين حركات ثورية متجاورة في الجغرافيا، بل كان جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات التي ربطت بين حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
كانت المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان والبقاع أشبه بمدن ثورية صغيرة. في تلك المخيمات يجري التدريب العسكري إلى جانب النقاشات الفكرية الطويلة التي تمتد أحياناً حتى الفجر. وكان المنفيون الذين يصلون إلى تلك المخيمات يكتشفون بسرعة أن الثورة ليست مجرد فكرة أخلاقية أو خطاب سياسي، بل هي أيضاً علم دقيق في التنظيم والعمل السري.
وفي هذا السياق، يذكر الباحث تريتا بارسي في كتابه Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States أن عدداً من الإسلاميين الإيرانيين الذين شاركوا لاحقاً في الثورة الإيرانية ارتبطوا بعلاقات وثيقة مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية، وأن بعضهم تلقى تدريباً عسكرياً في قواعدها في لبنان خلال السبعينيات.
بهذا المعنى لم تكن بيروت مجرد محطة عبور لهؤلاء المنفيين الإيرانيين، بل كانت مختبراً سياسياً حقيقياً. ففي تلك المدينة تعلم بعضهم للمرة الأولى كيف يمكن لحركة سياسية أن تتحول إلى تنظيم مسلح، وكيف يمكن لشبكة من العلاقات العابرة للحدود أن تتحول إلى قوة تاريخية.
ولهذا حين انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979 لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى عدد من قادتها مجرد شعار سياسي مستحدث، بل كانت جزءاً من ذاكرة سياسية تشكلت في سنوات المنفى، في المقاهي الصغيرة في الحمرا، وفي المخيمات التي كانت في تلك السنوات عاصمة رسمية للثورات في العالم الثالث. لكن هذه القصة لا تبدأ في بيروت فقط، ولا تنتهي فيها أيضاً.
فداخل هذه الشبكة من العلاقات ظهرت شخصيات ستصبح لاحقاً جزءاً من بنية الجمهورية الإسلامية نفسها، شخصيات لم تتشكل تجربتها في الحوزات الدينية ولا في الجامعات الإيرانية، بل في الاحتكاك المباشر مع تجربة الكفاح الفلسطيني. وهنا تبدأ قصة الأسماء.
الرجال الذين عبروا بيروت قبل أن يعبروا الثورة
لم تكن بيروت مجرد فضاء جغرافي عبره المنفيون الإيرانيون، بل كانت أيضاً المكان الذي بدأت فيه بعض الشخصيات التي ستصعد لاحقاً إلى قلب الثورة الإسلامية في إيران تتشكل سياسياً وفكرياً. فالثورات لا تصنع فقط بالأفكار الكبرى، بل أيضاً بالرجال الذين يحملون هذه الأفكار ويحوّلونها إلى تنظيمات وشبكات وعلاقات.
في تلك السنوات ظهرت أسماء ستصبح لاحقاً جزءاً من البنية الأولى للجمهورية الإسلامية.
كان جلال الدين الفارسي واحداً من أبرز هذه الأسماء. لم يكن الفارسي مجرد ناشط سياسي عادي في صفوف المعارضة الإيرانية، بل كان مفكراً إسلامياً حاول أن يربط بين الفكر السياسي الثوري وبين التراث الديني الشيعي. بدأ نشاطه السياسي مبكراً، منذ أزمة عام 1953 التي انتهت بإسقاط حكومة محمد مصدّق بعد الانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا. تلك اللحظة، كما يعترف الفارسي نفسه في كتاباته اللاحقة، كانت لحظة تكوّن سياسي بالنسبة إلى جيل كامل من الإيرانيين الذين أدركوا أن السلطة في إيران لا تتحدد فقط داخل حدود البلاد، بل أيضاً في شبكة العلاقات الدولية التي تحيط بها.
من بيروت خرجت أهم الأسماء الإيرانية، مثل جلال الدين الفارسي، مصطفى جمران، قطب زاده، ومحتشمي بور الذي سيصبح السفير الإيراني في دمشق ويلعب الدور الأكبر في تأسيس "حزب الله" في الثمانينيات.
بعد سنوات من الملاحقة الأمنية غادر الفارسي إيران في أوائل السبعينيات واستقر في لبنان. هناك وجد بيئة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها في طهران. ففي بيروت لم تكن السياسة مجرد معارضة سرية لنظام قائم، بل كانت تجربة مفتوحة للنقاش والتنظيم والعمل المسلح.
في تلك المدينة نسج الفارسي شبكة علاقات واسعة مع حركات التحرر في العالم الثالث. ومع مرور الوقت أصبح الممثل غير الرسمي للإمام الخميني لدى بعض الفصائل الفلسطينية، وخصوصاً حركة فتح. لم يكن هذا الدور مجرد موقع رمزي، بل كان يعكس مستوى الثقة الذي بدأ يتشكل بين القيادة الفلسطينية والمعارضة الإيرانية في المنفى.
ثم بدأت تتشكل حول الفارسي مجموعة من الناشطين الإيرانيين الذين كانوا يتحركون بين بيروت وطهران وأوروبا. ومن بين هؤلاء عباس زماني المعروف باسم أبو شريف، ومحمد صالح الحسيني، وإبراهيم رفيق دوست، ومصطفى جمران، وإبراهيم يزدي، وصادق قطب زادة، ومحمد شريعتي، ومحتشمي بور.
داخل هذه المجموعة كان مصطفى جمران شخصية استثنائية. فقد جمع بين خلفية علمية متقدمة وخبرة عسكرية ميدانية. درس الفيزياء في جامعة طهران ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء البلازمية من جامعة بيركلي. لكن حياته لم تسر في المسار الأكاديمي الذي كان يمكن أن ينتظره في الجامعات الأميركية. فقد انجذب إلى العمل السياسي الإسلامي، وترك الولايات المتحدة لينتقل إلى لبنان حيث انخرط في النشاط العسكري إلى جانب بعض الفصائل الفلسطينية.
هناك، في جنوب لبنان، اكتسب جمران خبرة عسكرية مباشرة ستجعله لاحقاً واحداً من الشخصيات العسكرية البارزة بعد انتصار الثورة الإيرانية. وعندما عاد إلى إيران بعد سقوط الشاه تولى مسؤوليات عسكرية مهمة قبل أن يصبح وزيراً للدفاع في حكومة أبي الحسن بني صدر. وقد قتل لاحقاً عام 1981 خلال الحرب العراقية الإيرانية، ليصبح واحداً من رموز الثورة الذين قدمت حياتهم بوصفها تضحية في سبيل الدولة الجديدة.
إلى جانب هذه الشخصيات برز أيضاً اسم إبراهيم رفيق دوست، الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز القادة في الحرس الثوري الإيراني. كان رفيق دوست في تلك المرحلة ناشطاً إسلامياً شاباً يتحرك بين بيروت وإيران، مستفيداً من الخبرة التنظيمية التي اكتسبها في الاحتكاك مع الفصائل الفلسطينية. ومع مرور الوقت سيصبح أحد المسؤولين عن بناء الشبكات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري داخل الجمهورية الإسلامية. لكن الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تلك الشبكة ربما كانت صادق قطب زاده.
كان قطب زاده مختلفاً عن كثير من رفاقه. لم يكن رجل تنظيم عسكري، بل كان سياسياً يجيد الحركة في العوالم الدبلوماسية والإعلامية. بدأ نشاطه السياسي في إطار الحركة الطالبية المعارضة للشاه، واضطر إلى مغادرة إيران بعدما لاحقته أجهزة الأمن.
انتقل إلى الولايات المتحدة حيث درس في جامعة جورج تاون، لكنه طرد منها بسبب نشاطه السياسي. بعد ذلك عاش فترة في كندا قبل أن يستقر في فرنسا، حيث أصبح جزءاً من الدائرة المحيطة بالإمام الخميني خلال منفاه في ضاحية "نوفل لو شاتو" قرب باريس.
وعندما عاد الخميني إلى إيران في شباط/ فبراير 1979 كان قطب زاده على الطائرة نفسها التي أقلته إلى طهران، مع إبراهيم يزدي الذي أصبح وزيراً للخارجية في حكومة بزركان. وتولى قطب زاده بعد الثورة إدارة الإذاعة والتلفزيون الإيراني ثم أصبح وزيراً للخارجية. لكن مساره السياسي سينتهي لاحقاً نهاية مأسوية حين أعدم عام 1982 بعد اتهامه بالمشاركة في مؤامرة لاغتيال الخميني.
إلى جانب هذه الأسماء برزت شخصية أقل شهرة لكنها اضطلعت بدور بالغ الأهمية في تلك الشبكة، هي شخصية محمد صالح الحسيني. كان الحسيني عراقياً من أصل إيراني. شارك في نشاط إسلامي معارض في العراق أدى إلى سجنه، لكنه تمكن لاحقاً من الفرار والوصول إلى لبنان. هناك انخرط في صفوف الثورة الفلسطينية، لكنه احتفظ في الوقت نفسه بهويته الإسلامية وبعلاقاته مع المعارضة الإيرانية.
عمل الحسيني داخل حركة فتح، لكنه في الوقت نفسه أقام علاقات واسعة مع المجموعات الإسلامية في جنوب لبنان والبقاع. هذه العلاقات ستؤدي لاحقاً دوراً مهماً في تشكل الشبكات الإسلامية الشيعية التي ستصبح، بعد سنوات قليلة، العمود الفقري لتنظيم "حزب الله".
وفي السياق نفسه، برز محمد منتظري، ابن المرجع آية الله حسين علي منتظري، الذي أسس مع علي أكبر محتشمي بور تنظيماً مسلحاً شارك في القتال إلى جانب الفصائل الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية في لبنان. وقد قتل محمد منتظري في تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي في طهران عام 1981، بينما سيصبح محتشمي بور لاحقاً أحد مهندسي العلاقة بين إيران ولبنان حين تولى منصب السفير الإيراني في دمشق ثم لعب دوراً أساسياً في دعم تأسيس "حزب الله" في الثمانينيات، كما يذكر الباحث هشام أحمد في دراسته From Religious Salvation to Political Transformation: The Rise of Hezbollah.
ولم تكن هذه الأسماء سوى جزء من شبكة أوسع من الناشطين الإيرانيين الذين وجدوا في بيروت فضاءً مفتوحاً للعمل والتدريب والتجربة. ففي تلك المدينة التي كانت، كما وصفها الصحافي البريطاني باتريك سيل في كتابهThe Struggle for Syria ، ملتقىً للمنفيين والثوار القادمين من أنحاء الشرق الأوسط، تشكلت واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيداً في تاريخ الحركات الثورية في المنطقة، حيث تداخلت فيها القضية الفلسطينية مع المسار الذي سيقود بعد سنوات قليلة إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.
ظل الجيش الإيراني قائماً بعد الثورة، لكن أحداً لم يعرف إلى أي مدى يمكن الوثوق بضباطه الذين خدموا الشاه. ومن هنا عادت النقاشات التي كانت تدور بين المعارضين الإيرانيين في بيروت إلى الحياة، حول إنشاء قوة عسكرية جديدة لا تتبع للجيش... هكذا ولد "الحرس الثوري"
يشير الباحث أوغست ريتشارد نورتن في كتابه Hezbollah: A Short History إلى أن ناشطين إيرانيين عملوا في لبنان خلال تلك المرحلة اضطلعوا بدور مهم في بناء الجسور الأولى بين الثورة الإيرانية والحركات الإسلامية في لبنان.
بهذا المعنى لم تكن بيروت مجرد مدينة عاش فيها هؤلاء الرجال مرحلة من المنفى. لقد كانت المكان الذي تشكلت فيه شبكة العلاقات التي سترافق الثورة الإيرانية لاحقاً عندما تتحول من حركة احتجاجية إلى دولة.
لكن هذه القصة لم تكتمل في بيروت. فحين سقط نظام الشاه عام 1979 انتقلت تلك الشبكة من المنافي إلى مركز السلطة. وهنا بدأت مرحلة أخرى من التاريخ. مرحلة تحولت فيها الأفكار التي نوقشت في مقاهي بيروت إلى مؤسسات في طهران. وأهم هذه المؤسسات كانت الحرس الثوري الإيراني.
ولادة الحرس الثوري
حين سقط نظام الشاه في 1979 لم يكن الإيرانيون يدخلون فقط لحظة انتصار سياسي، بل كانوا يدخلون أيضاً منطقة مجهولة من التاريخ. فالثورة، حين تنجح، تكتشف فجأة أن السؤال لم يعد كيف تسقط السلطة، بل كيف تحكمها. وفي تلك اللحظة بالذات بدأ كثير من رجال الثورة يشعرون بقلق عميق: ماذا لو تكرر ما حدث قبل ربع قرن؟
كان شبح عام 1953 يحوم فوق طهران. في ذلك العام أسقط انقلاب عسكري حكومة محمد مصدّق بعدما أمّم النفط الإيراني وفتح مواجهة مع بريطانيا. لم يكن الانقلاب مجرد حدث داخلي، فقد شاركت فيه أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية، وأعاد الشاه إلى الحكم بعد أن كان قد فرّ من البلاد. ولهذا أصبح ذلك الحدث جزءاً من الذاكرة السياسية الإيرانية، بل جرحاً مفتوحاً داخل وعي الجيل الذي قاد الثورة لاحقاً.
لهذا السبب بدأ السؤال يتردد داخل دوائر الثورة الجديدة: كيف يمكن حماية النظام الوليد من انقلاب عسكري؟
كان الجيش الإيراني لا يزال قائماً، ضباطه الذين خدموا تحت حكم الشاه ما زالوا يحتفظون بهياكلهم ونفوذهم، ولم يكن أحد يعرف على وجه اليقين إلى أي مدى يمكن الوثوق بهذه المؤسسة. ولهذا بدأت فكرة إنشاء قوة عسكرية جديدة تتشكل في أذهان بعض رجال الثورة.
هذه الفكرة لم تولد فجأة في طهران. بعض جذورها كان قد ظهر قبل ذلك في النقاشات التي دارت بين المعارضين الإيرانيين في بيروت. فهناك، في تلك المدينة التي اختلطت فيها الثورة الفلسطينية بتجارب حركات التحرر الأخرى، تعلم بعض الإيرانيين نموذجاً مختلفاً من التنظيم العسكري: نموذج التنظيم الثوري الخفيف، الذي لا يشبه الجيش التقليدي بل يشبه شبكة من المقاتلين المؤمنين بقضية سياسية.
تذكر بعض الروايات أن جلال الدين الفارسي كان من بين الذين ناقشوا هذه الفكرة بجدية في الأيام التي سبقت عودته إلى إيران مع أنيس النقاش، الثوري اللبناني الذي عمل مع وديع حداد وكارلوس. كان يرى أن الثورة التي لا تمتلك قوة عسكرية خاصة بها ستبقى عرضة للانقلاب. ولهذا طرح فكرة إنشاء تنظيم مسلح ثوري يعمل إلى جانب الجيش لكنه لا يخضع لبنيته التقليدية. كانت الفكرة في ظاهرها بسيطة لكنها في جوهرها كانت تحولاً عميقاً في تصور الدولة الجديدة لنفسها. لم يكن الهدف إنشاء جيش موازٍ فحسب، بل إنشاء قوة عقائدية تحرس الثورة من الداخل.
وهكذا، في الأيام الأولى بعد سقوط النظام الملكي، بدأت مجموعة صغيرة من الناشطين الإيرانيين تتحرك لتنفيذ هذه الفكرة. كان بينهم محمد منتظري، ومحمد صالح الحسيني، إلى جانب ناشطين آخرين كانوا قد عادوا من بيروت. سيطر هؤلاء على إحدى الثكنات العسكرية في طهران. لم يكن لديهم في البداية سوى عدد محدود من العناصر، لكنهم أعلنوا أن هذه الثكنة أصبحت مقراً لقوة جديدة تحمل اسم حرس الثورة الإسلامية.
في اليوم التالي فتح باب التطوع. بدأ الشباب الإيرانيون يتدفقون إلى تلك الثكنة. كان كثير منهم طلاباً شاركوا في الاحتجاجات ضد الشاه، وبعضهم جاء من الأحياء الشعبية في طهران ومدن أخرى، وبعضهم كان يحمل تجربة عسكرية محدودة اكتسبها في الصراعات الداخلية التي رافقت سقوط النظام الملكي. ومع مرور الأيام بدأ هذا التنظيم الصغير يتحول إلى مؤسسة حقيقية. ناقش مجلس الثورة الفكرة، ووافق عليها الإمام روح الله الخميني، ثم تحولت لاحقاً إلى مؤسسة رسمية داخل الدولة الجديدة. هكذا ولد الحرس الثوري الإيراني.
بعد انتصار الثورة الإسلامية، لم يواجه بقايا النظام الجديد بقايا الملكية فقط، بل شبكة من القوى الدولية والإقليمية التي رأت في الثورة تهديداً لتوازنات الشرق الأوسط.
يشير عدد من الباحثين إلى أن شكل هذا التنظيم في سنواته الأولى كان مختلفاً تماماً عن الجيش التقليدي. فقد كان أقرب إلى نموذج التنظيمات الثورية التي عرفها بعض الإيرانيين في تجربتهم مع الفصائل الفلسطينية في لبنان. لم يكن يعتمد على التسلسل العسكري الكلاسيكي بقدر ما كان يعتمد على الولاء العقائدي والتنظيم المرن.
ولهذا يلاحظ نورتن في كتابه أن بعض الخبرات التنظيمية التي اكتسبها ناشطون إيرانيون في لبنان خلال السبعينيات تركت أثراً في الطريقة التي تصور بها بعض قادة الثورة طبيعة المؤسسات العسكرية الجديدة. لكن الثورة، كما يحدث دائماً، لم تكن كتلة واحدة متماسكة.
فبمجرد أن بدأت الدولة الجديدة تتشكل ظهرت داخلها خطوط تصدع سياسية حادة. فقد كان النظام الذي ولد من الثورة يضم تيارات متعددة: رجال دين، ومثقفين إسلاميين، وقوميين، ويساريين، وشخصيات سياسية جاءت من المنفى.
ومع مرور الوقت بدأت هذه التيارات تدخل في صراع حول سؤال السلطة. وكان أبو الحسن بني صدر أحد أبرز وجوه هذا الصراع. كان بني صدر قد عاش سنوات طويلة في باريس وكان على صلة قوية بالخلايا الإيرانية في لبنان. وبعد انتصار الثورة انتخب أول رئيس للجمهورية الإسلامية. بدا في البداية أن موقعه داخل النظام قوي، لكنه سرعان ما دخل في مواجهة سياسية مع التيار الديني المحافظ الذي بدأ يرسخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
وصل هذا الصراع إلى ذروته عام 1981 حين قرر البرلمان الإيراني عزله من منصبه. بعد ذلك بوقت قصير فرّ بني صدر من إيران على متن طائرة عسكرية متجهة إلى باريس، ليبدأ فصلاً جديداً من حياته في المنفى السياسي.
مع سقوط بني صدر تغيرت موازين القوى داخل مؤسسات الثورة. كان عباس زماني (أبو شريف)، الذي تولى قيادة الحرس الثوري في مرحلته المبكرة، من بين الشخصيات التي تضررت من هذه التحولات. فقد أبعد لاحقاً عن موقعه وانتقل إلى العمل الدبلوماسي خارج إيران، قبل أن يعود لاحقاً إلى أدوار سياسية أقل مركزية.
أما إبراهيم رفيق دوست فقد بقي داخل بنية النظام، ولعب دوراً مهماً في بناء المؤسسات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري.
أما جلال الدين الفارسي نفسه فقد واجه مفارقة سياسية قاسية. فعندما قرر الترشح لرئاسة الجمهورية بعد الثورة رفض مجلس صيانة الدستور ترشيحه بحجة أن القانون يشترط أن يكون المرشح من أصول إيرانية خالصة. كان الفارسي مولوداً في إيران لكنه ينحدر من عائلة أفغانية. والمفارقة أن هذا البند القانوني كان من بين النصوص التي شارك هو نفسه في صياغتها.
أما محمد شريعتي فقد اغتيل وزوجته في طهران، واغتالت الاستخبارات العراقية محمد صالح الحسيني في بيروت، وهُمّش إبراهيم يزدي أحد أهم المقاتلين مع الفلسطينيين وكان أستاذاً جامعياً في أميركا انتقل الى لبنان أيضاً في السبعينيات.
هكذا بدأت الثورة الإيرانية تتحول تدريجياً من حركة احتجاجية متعددة الأصوات إلى دولة لها مؤسساتها الصلبة وتوازناتها الداخلية.
لكن الصراعات التي أحاطت بها لم تبق داخل حدود إيران. ففي الخارج كان خصوم الثورة يحاولون إعادة ترتيب صفوفهم. وكان أحد أبرز هؤلاء الخصوم شهبور بختيار. وهنا تبدأ قصة أخرى أكثر ظلمة. قصة محاولة اغتيال بدأت من بيروت ستكشف عن طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الثورة في سنواتها الأولى.
محاولة اغتيال بختيار وتشكل محور جديد
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 لم تدخل إيران مرحلة الاستقرار التي حلم بها كثير من الإيرانيين، بل دخلت مرحلة أخرى أكثر توتراً وتعقيداً. فالثورات، حين تتحول إلى دول، تجد نفسها فجأة في مواجهة عالم كامل من الخصوم. لم يكن النظام الجديد يواجه فقط بقايا النظام الملكي في الداخل، بل كان يواجه أيضاً شبكة من القوى الدولية والإقليمية التي رأت في الثورة الإيرانية حدثاً مقلقاً يهدد توازنات الشرق الأوسط.
في قلب هذا الصراع ظهرت قضية شهبور بختيار. الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. عيّن في هذا المنصب في الأيام الأخيرة للنظام الملكي في محاولة أخيرة لإنقاذه عبر تقديم صورة إصلاحية للنظام. لكن تلك المحاولة جاءت متأخرة. فبعد عودة روح الله الخميني إلى طهران انهار النظام الملكي بسرعة مذهلة. فاضطر بختيار إلى الاختفاء ثم تمكن من مغادرة إيران ليستقر في فرنسا، حيث أسس تنظيماً معارضاً حمل اسم الحركة الوطنية للمقاومة الإيرانية.
إذا نظرنا إلى القصة من نهايتها، تبدو العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية وكأنها جزء من معادلة نفوذ إقليمي. لهذا ربما يصح القول إن بعض الطريق إلى إيران لم يمر فقط عبر قم أو طهران. بل مرّ أيضاً، في لحظة من التاريخ عبر فلسطين في بيروت
بالنسبة إلى قادة الثورة الجديدة كان بختيار يمثل أكثر من مجرد سياسي معارض في المنفى. كان رمزاً لاحتمال عودة النظام القديم. كانت ذاكرة انقلاب 1953 لا تزال حاضرة في أذهان رجال الثورة، ولهذا انتشرت داخل بعض الدوائر الثورية قناعة بأن خصوم الثورة قد يحاولون إعادة إنتاج السيناريو نفسه عبر انقلاب عسكري مدعوم من الخارج.
في هذا المناخ المشحون ظهرت من أوكار بيروت فكرة استهداف بختيار. كانت الفكرة تقوم على تنفيذ عملية اغتيال في أوروبا بواسطة مجموعة من الناشطين المرتبطين بشبكات الثورة الإيرانية. في البداية كان الاعتقاد أن بختيار يقيم في بريطانيا، لكن سرعان ما تبين أنه يعيش في ضاحية نويي-سور-سين قرب باريس. هذا الاكتشاف فرض تغييراً سريعاً في الخطة، لأن تنفيذ عملية في فرنسا كان يتطلب أشخاصاً قادرين على التحرك داخل البيئة الأوروبية.
تكوّن فريق التنفيذ من خمسة أشخاص هم أنيس النقاش – لبناني، وكان قائد المجموعة ومخطط العملية. صلاح الدين القَرّي – لبناني. مهدي التبريزي – إيراني. محمد جناب – إيراني. فوزي الستاري – فلسطيني.
نُفذت العملية في 18 تموز/ يوليو 1980. دخل ثلاثة من أفراد المجموعة إلى المبنى الذي يقيم فيه بختيار، بينما بقي اثنان خارجه لتأمين الانسحاب. لكن العملية لم تسر كما خطط لها. فقد كانت الإجراءات الأمنية حول المنزل مشددة، خصوصاً بعد تصريحات أدلى بها القاضي الثوري صادق خلخالي أعلن فيها أنه أرسل مجموعات إلى الخارج لتصفية خصوم الثورة. هذه التصريحات أدت إلى زيادة الحراسة حول بختيار.
عندما بدأ المنفذون تنفيذ الخطة وقع اشتباك مع الشرطة الفرنسية التي كانت تحرس المبنى. كانت اللحظة قصيرة لكنها دامية. أسفر الاشتباك عن مقتل شرطي فرنسي وامرأة كانت تقيم في المبنى ولم تكن مستهدفة بالعملية، كما جرح شرطيان آخران. انتهت العملية بالفشل وألقي القبض على أنيس النقاش وبعض المشاركين في العملية. حكمت المحكمة الفرنسية عليه بالسجن المؤبد.
لكن القضية لم تبق مجرد ملف جنائي. مع مرور السنوات تحولت إلى عقدة سياسية في العلاقات بين فرنسا وإيران. فقد بقي النقاش ورفاقه في السجون الفرنسية سنوات طويلة، وأصبحت قضيتهم جزءاً من مفاوضات غير معلنة بين البلدين. وفي تلك الفترة دخلت عناصر أخرى على خط الأزمة، من بينها قضية الرهائن الفرنسيين في لبنان خلال الثمانينيات، وهي قضية فتحت قنوات تفاوض غير مباشرة بين باريس وطهران.
بعد سنوات من التعقيد السياسي وافقت فرنسا في النهاية على إطلاق سراح أنيس النقاش في إطار تسوية دبلوماسية، فعاد إلى الشرق الأوسط حيث عاش لاحقاً بين بيروت ودمشق حتى وفاته عام 2021. أما شهبور بختيار فقد نجا من محاولة 1980. لكن التاريخ لم يمنحه نهاية هادئة. ففي عام 1991 اغتيل في منزله في باريس في عملية أخرى أكثر دقة نفذها عملاء مرتبطون بإيران، لتنتهي بذلك واحدة من أطول القصص المرتبطة بالصراع بين الثورة الإيرانية وخصومها في المنفى.
غير أن هذه الأحداث لم تكن مجرد سلسلة من العمليات السرية أو الصراعات الاستخباراتية. فقد كشفت عن شيء أعمق: عن الطريقة التي كانت الثورة الإيرانية تعيد بها رسم موقعها داخل الشرق الأوسط. فخلال الثمانينيات بدأت تتشكل شبكة جديدة من العلاقات السياسية والعسكرية تمتد من إيران إلى لبنان، ومن لبنان إلى أفغانستان. داخل هذه الشبكة ظهرت شخصيات متعددة لعبت أدواراً مختلفة في بناء ما سيصبح لاحقاً محوراً سياسياً جديداً في المنطقة.
وفي لبنان ظهرت أيضاً شخصيات مثل حسين الموسوي، الذي ولد في بلدة النبي شيت في البقاع عام 1943. كان في البداية عضواً في حركة أمل قبل أن ينشق عنها عام 1982 ويؤسس تنظيماً حمل اسم أمل الإسلامية، ثم ينضم لاحقاً إلى "حزب الله".
وهكذا، إذا نظرنا إلى القصة من نهايتها، تبدو العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية وكأنها جزء من معادلة نفوذ إقليمي. لكن إذا عدنا إلى بدايتها سنكتشف شيئاً مختلفاً. سنكتشف أن هذه العلاقة بدأت في مدينة كانت تشبه مختبراً سياسياً مفتوحاً: بيروت. هناك، بين المقاهي والمخيمات والمنفيين، تشكلت شبكة من الرجال والأفكار والتجارب التي ستعبر لاحقاً إلى طهران، ثم تنتشر في أنحاء الشرق الأوسط. ولهذا ربما يصح القول إن بعض الطريق إلى إيران لم يمر فقط عبر قم أو طهران. بل مرّ أيضاً، في لحظة من التاريخ عبر فلسطين في بيروت.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
