"يضربونهنّ بقسوة رغماً عن القانون"... كيف توقف جزائريات عنف الرجال المتوحش؟

الخميس 5 نوفمبر 202004:28 م

لم تمر قضية الفتاة الجزائرية شيماء سعدو ذات الـ 19 ربيعاً، التي قُتلت بطريقة بشعة، مُرور الكرام، بل كانت القطرة التي أفاضت الكأس، إذ نقلت نساء جزائريات معركتهنّ إلى العالم الافتراضي، وفُتحت المجال للأصوات التي ظلَّت مخنوقة رغم العنف المُمارس بحقهنّ.

وفي مُبادرة هي الأولى من نوعها، أطلقت مجموعة ممثلات جزائريات حملة توعية على مواقع التواصل الاجتماعي لمُناهضة العنف ضد المرأة تحت عنوان "مُتحدات ضد قتل النساء".

وفي صُورة توشَّحت بـ"السواد"، ظهرت أكثر من عشرين ممثلة من مختلف الأجيال، منهن سيدات ينتمين إلى زمن "الفن الجميل" كبهية راشدي التي تعتبر واحدة من أبرز الوجوه السينمائية الجزائرية، والفنانة سهيلة معلم، وانتشرت على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت موجات جدل، ظهرن فيها وهن يرتدين ملابس سوداء متشابكات الأيدي حُزناً على 41 امرأة وقعن ضحية جرائم قتل منذ بداية العام الجاري.

وتسعى صاحبات المبادرة مُستقبلاً لنقل صرخاتهن من العالم الافتراضي إلى الواقع لفك الحصار المفروض على الأصوات المخنوقة، بحسب ما كشفته الفنانة آمال منغاد، التي صرحت لصحيفة محلية بأن المُبادرة اتخذت شكلاً افتراضياً بعدما تعذر اللقاء، بسبب إجراءات الإغلاق التي فرضتها كورونا وحالت دون التنقّل بين المُحافظات.

أسبوع الجرائم

في أسبوع واحد من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، استيقظ الجزائريون كل يوم تقريبًا على جرائم قتل مُروّعة، راح ضحيتها ثلاث فتيات في عمر الزهور، وبرزت قصة شيماء، التي واجهت أبشع طرق التنكيل بجسدها مُحافظة بومرداس (شرق العاصمة الجزائرية).

"رفضت ملاحقة زوجها قضائياً، خشية من والدها الذي يرفض عودتها إلى المنزل رفقة أطفالها، غير أنها تحلّت بالشجاعة بسبب إهانتها وتحقيرها المستمرين على مرأى من أطفالهما"

لاحقاً اهتز الرأي العام حيال قتل طفلة أخرى من مُحافظة تمنراست (أقصى جنوب البلاد)، بعد اغتصابها وحرقها، إضافة إلى جريمة ثالثة راحت ضحيتها شابة تعرضت للقتل والحرق بطريقة وحشية، وقبلها الشابة كنزة التي حرقت بعد اغتصابها، وتم رميها في واد، وكان الشهر العاشر من هذه السنة الأبشع والأكثر دموية إذ شهد خمس جرائم مروعة في سبعة أيام.

اليوم، بفضل شيماء والفتيات اللواتي لم يُحالفهن الحظ في النجاة، نطقت الأصوات المخنوقة، فمن يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر يصطدم بقضايا مساوية تُدمي القلوب. أغلب الضحايا نساء تعرضن لعنف أسري وجرائم بشعة، لكن فضّلن التزام الصمت وعدم التبليغ درءًا للفضيحة.

البارح في المساء، في شراڨة، رجل طعن زوجتوا بالموس و حاول يذبحها قدام زوج ولادها و أصاب إبنة خالتها عندما حاولت...

Posted by Féminicides Algérie on Friday, 11 September 2020

ومن القصص التي نشرتها أبرز صفحة على فيسبوك مُخصصة بحصر جرائم قتل النساء في الجزائر، "فيمنيسيدز ألجيري"، قصة إحدى الناجيات من القتل، وهي سيدة من "الشراقة" (مدينة تابعة للعاصمة الجزائرية) حاول زوجها طعنها، وذبحها لأنها طلبت الطلاق، وغادرت البيت بسبب الضرب والإهانة والعنف المستمر الذي تتعرض له مُنذ سنوات.

ومن القصص أيضاً، جريمة قتل بشعة ذهبت ضحيتها امرأة في الـ68 من عمرها، وأم لأربعة أطفال، قضت عُمرها في خدمة زوجها، الذي كان يُعنفها ويضربها طوال سنوات عدة، وبعد نفاذ صبرها قررت مُغادرة عش الزوجية، وهو الأمر الذي لم يتقبله الزوج، فقتلها على مرأى من شقيقها في مسكنه في مُحافظة شرق الجزائر ببندقية صيد، وبعدما نفذ جريمته البشعة حرق نفسه.

كذلك نشرت الصفحة، المهتمة بقضايا نسوية في الجزائر، قصة الفتاة أميرة، البالغة من العمر 16 سنة، والتي تعرضت للخطف على يد جارها في العقد الرابع من عمره، وأب لطفلان، تم العثور على جثتها في منزله بعد أن كبل يديها ورجليها، وحبس أنفاسها بكيس بلاستيكي.

وذكرت المجموعة أنه منذ بداية عام 2020 تم تسجيل 39 جريمة قتل بحق النساء وسجلت حوالى 60 جريمة عام 2019، لكن هذا الرقم لا يعبر عن الواقع بحسب المجموعة.

من المطالب التي رفعتها المجموعة، تغيير القوانين، وتطبيقها بدلاً من المُطالبة بتطبيق الإعدام، وتغليظ العقوبات على القتلة والمغتصبين.

"تخاف من والدها"

ولكن هل تستطيع الضحايا الناجيات من العنف التبليغ عن تلك الجرائم، قبل أن يتطور الأمر إلى القتل؟ يحكي المُحامي والحُقوقي، بوجمعة غشير، عن إحدى القضايا التي يرافع فيها، وهي متعلقة بسيدة في العقد الرابع من عمرها، وأم لثلاثة أطفال كانت تتعرض لـ "الضرب المبرح بقسوة" على يد زوجها.

يقول غشير لرصيف22 إن السيدة رفضت ملاحقة زوجها قضائياً، خشية من والدها الذي يرفض عودتها إلى المنزل رفقة أطفالها، غير أنها تحلّت بالشجاعة بسبب إهانتها وتحقيرها المستمرين على مرأى من أطفالهما.

"أشكال العُنف المُمارس ضد المرأة في المجتمع الجزائري مُتعددة".

ويؤكد غشير أنّ أشكال العُنف المُمارس ضد المرأة في المجتمع الجزائري مُتعددة، مثل: التحرش الجنسي، والإذلال، والإهانة، والضرب، والاغتصاب إضافة إلى العنف اللفظي.

وبسؤاله عن أسباب تفشي جرائم العنف من الجزائريين الذكور؟ يرد: "شهدنا جرائم مروعة ضد نساء، لعدة أسباب، أبرزها الثقافة الاجتماعية، التي لا تحترم المرأة، وترسخ هيمنة الرجل، وهو ما يدفع بقطاع عريض من النساء الجزائريات إلى التزام الصمت، لسببين رئيسيين، يتعلق الأول بمحاولة درء الفضيحة، والثاني وقوف المجتمع إلى جانب الرجل، فالمرأة في غالب الأحيان هي الضحية والمتهمة في الوقت نفسه".

إضافة إلى هذه الأسباب يذكر غشير عوامل اجتماعية أخرى، على غرار المشاكل الاقتصادية كتدني المستوى المعيشي لشريحة واسعة من الجزائريين، والفقر، وتفشي البطالة.

العقوبة والتغيير

في خطوة جديدة نحو وضع حد لمثل هذه الجرائم المرتكبة في حق النساء والأطفال، أقرت مؤخراً وزارة العدل بأمر من الرئيس عبد المجيد تبون مشروع قانون خاص، يتضمن تشديد العقوبات على مختطفي الأطفال.

وينص القانون الجديد بحسب تصريحات وزير العدل على عقوبة المؤبد للذين يختطفون أطفالاً، ويعثر عليهم سالمين، فيما تصل العقوبة إلى الإعدام في حال قتل الأطفال، والتنكيل بجثثهم.

وقلما يصدرُ القضاء الجزائري أحكامًا بالإعدام في قضايا ثقيلة الحجم، لكنها لا تنفذ، بعد تعليقها عام 1993، بسبب الاتفاقيات الدولية التي وقعتها الدولة الجزائرية، حتى داخليًا يرفض قطاع عريض من النشطاء والحقوقيين تنفيذ هذه الأحكام، ويلحون على ضرورة تحديد الأسباب التي تقف وراء تفشي هذه الظاهرة.

تقول النائبة البرلمانية عن حركة مجتمع السلم (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، فطيمة سعيدي، لرصيف22 إن "الاتفاقيات والقوانين والإجراءات التي سنّت من أجل وضع حد لهذه الظاهرة لم تعالجها بل ازدادت أشكالها".

"الثقافة الاجتماعية لا تحترم المرأة، وترسخ هيمنة الرجل، وهو ما يدفع بقطاع عريض من النساء الجزائريات إلى التزام الصمت، والشعور بالتقصير بينما هنّ الضحايا"

وتطالب سعيدي بإعادة النطر في قانون العقوبات الذي أدرجت عليه تعديلات سنة 2015، وهي تخص العنف ضد المرأة، وتوضح أن "تعريض المرأة للاعتداء والتعنيف لا بد أن يعرض صاحبه للعقوبة، سواء كانت المرأة أماً أو زوجة أو بنتاً أو أختاً أو ذات رحم أو تربطها حقوق الجيرة والمواطنة، ولكن لكل وضع علاجاً خاصاً به أو عقوبة خاصة به، وإن العقوبة بمقدار الردع ومعالجة المشكلة وليس الذهاب إلى مشاكل متعددة تقع آثارها السلبية على الجميع، كفك رابطة زوجية، وسجن الزوج، وتشتت الأبناء، مع التأكيد على معالجة العنف".

وترى سعيدي أن الحد من هذه الظاهرة لا يمكن أن يكون بالقانون فقط بل لا بد أن تتعدد طرق المعالجة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحماية الأسرة وأفرادها من أجل التقليل من الذهاب إلى الطلاق والخلع المتزايد في المجتمع، وكذا حالات جنوح الأطفال والهروب من البيت، والتسرب المدرسي، والاختطاف، والانتحار، وحالات الإهمال التي تطال المسنين والوالدين، واللجوء الى مراكز الشيخوخة ومراكز استقبال النساء.

أما الناشطة النسوية دليلة حسين، فترى أنه من أجل التصدي للعنف ضد المرأةـ وإيقافه بشكل تام، يجب إعادة النظر في بعض النصوص القانونية المتعلقة بحماية المرأة أو إعادة سنّ نصوص جديدة.

وتضيف: "النصوص الحالية مُجحفة في حق المرأة، المرأة في المُجتمع الجزائري لا تزال تعاني التعنيف بمختلف أشكاله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard