قد لا نفكر في هذه الأيام، والمسيّرات والطائرات الحربية تحوم فوق رؤوسنا، في القراءة؛ قراءة الكتب لا الأخبار العاجلة فحسب. لكن، في مثل هذه الساعات، حين يضيق العالم ويضطرب إيقاع الحياة، لنجرّب أن نلوذ إلى كتب من التراث العربي والإسلامي، بحثاً عن بعض السكينة، وكأننا نعود إلى بيوت مألوفة. هذه الكتب لا تتحدث عن الحرب، بل إنها تنتمي إلى زمن أوسع من الحروب كلها، ولذلك هي ملاذ. في صفحاتها نجد لغة هادئة، وإيقاعاً بطيئاً للمعنى، وحكمة تراكمت عبر قرون من التجارب البشرية؛ وكأن الأصوات التي كتبَتها كانت تعرف أننا سنحتاجها يوماً في لحظة خوف أو فقد أو تيه.
هنا عشرة كتب من بين عشرات الكتب والكنوز التي نتباهى بوجودها في تراثنا، علّ قراءة صفحات أو فقرات لأيّ منها تهبنا لحظات من الصفاء والطمأنينة، فإن حدث ذلك، فإنها قد تجلت علينا ثانية كآلهة للأمل والصمود، كما فعلت لأجيال كثيرة قبلنا؛ بهكذا اعتقاد وإيمان أتجه إليها كل مرة، فلنوَلّ أذهاننا نحوها.
"الفرج بعد الشدّة"
هذا الكتاب عبارة عن أخبار وقصص عن أناس تعرّضوا لمشكلات وشدائد ومحن، ثمّ في اللحظات الأخيرة تهيّأ لهم فرج بعد شدّة، كما يشير عنوان الكتاب. فإلى جانب قصصه الجذابة وأسلوبه المستساغ، يحتوي الكتاب على أخبار وصور من الظواهر الاجتماعية والسياسية عبر العصور.
"الإمتاع والمؤانسة" يضمّ بين دفّتيه حكايات وتأملات عن الإنسان والعالم، وتمنح قراءته شعور الصحبة الفكرية في زمن العزلة، فتنقل قارئه إلى مجلس هادئ بعيد عن ضجيج العالم
الكتاب الذي ألّفه القاضي أبو علي التنوخي، في القرن الرابع الهجري، وصاغه بأسلوب سردي بديع، يضمّ بين دفتيه قصصاً من عصور مختلفة بدءاً من زمن ما قبل الإسلام وصولاً إلى زمن المؤلف. هي قصص عن النجاة من البؤس والفقر والظلم والشدائد الأخرى، تبهج النفس بلغتها البسيطة والأمل الكامن فيها ولو لوهلة قصيرة.
"بهجة المجالس وأنس المجالس"
هذا الكتاب الأندلسي الجميل يشبه مكتبةً صغيرةً من الحكايات والحكم والأشعار. ألّفه الفقيه والمحدّث الأندلسي ابن عبد البر، في القرن الخامس الهجري، وجمع فيه أخبار الحكماء والملوك والزهّاد والشعراء.
ما يميّز هذا الكتاب أننا نجد فيه قصصاً عن الصبر، والزهد، وقوة النفس، والقدرة على تجاوز المحن، وما فيها من حكمة. لغته سهلة وسردُه ممتع، ما يجعله من أفضل الكتب التراثية التي يمكن قراءتها بشكل متقطع.
في زمن القلق والكرب، يمنحنا هذا الكتاب شعوراً بأننا جالسون في مجلس أدبي قديم نسمع فيه قصص الحكماء، فيخلق لدينا نوعاً من الطمأنينة الذهنية.
"الإمتاع والمؤانسة"
هذا الكتاب الأعجوبة ألّفه "فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة" أبو حيان التوحيدي، في شكل مجالس فكرية وأدبية دارت بين التوحيدي وأحد الوزراء.
فيه حكايات وفلسفة وتأملات عن الإنسان والعالم. قراءته تمنح شعور الصحبة الفكرية في زمن العزلة، وكأننا نجلس في مجلس هادئ بعيد عن ضجيج العالم. آنسني هذا الكتاب منذ سنوات طويلة بلغته البليغة واقتباساته المكثفة الفاتحة للصدر والنفس. كلما أُنذرنا هذه الأيام بإخلاء البيت، التقطته من فوق الطاولة ورافقني في طرق الأمل بانتهاء هذه الأيام وغوغائها.
"المستطرف في كلّ فن مستظرف"
هذا الكتاب من أكثر كتب التراث تسليةً. ألّفه الأبشيهي، في القرن التاسع الهجري، وجمع فيه حكايات وأخباراً وأشعاراً وأمثالاً من الأدب العربي.
الكتاب مليء بالقصص الطريفة والنوادر، لكنه يحتوي أيضاً على حكم وتأملات، لذلك يُعدّ من الكتب التي تُقرأ للتسلية والتثقيف في الوقت نفسه.
في أيّ ظرف متعِب نفسياً، يساعد هذا الكتاب على الخروج قليلاً من ثقل الواقع والدخول في عالم الحكايات والطرائف.
"حي بن يقظان"
هذا الكتاب عبارة عن قصة فلسفية قصيرة، لكنها بسيطة في الوقت نفسه، وتُقرأ بسهولة كحكاية؛ تحكي سيرة طفل ينشأ وحيداً في جزيرة ويكتشف العالم والطبيعة بنفسه عبر التأمل والتجربة، بشكل تدريجي. كتبه الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل (نحو 494-581 هـ) في القرن السادس الهجري.
من لم يقرأ بخلاء الجاحظ بعد، فهذا وقت قراءته؛ يضمّ قصصاً وحكايات طريفةً عن أشخاص عُرفوا بالبخل، وتكمن جاذبيته في لغته السهلة وروحه الفكاهية، ويجعلنا نبتسم بينما نتأمل في سلوك الناس
القصة ليست طويلةً، لكنها من أجمل القصص الرمزية في التراث العربي. ترتبط قصة حيّ بن يقظان عند ابن طفيل بفكرة فلسفية أقدم تعود إلى ابن سينا. فقد استخدم ابن سينا اسم "حيّ بن يقظان" في إحدى رسائله الرمزية ليعرض رؤية فلسفية عن يقظة العقل الإنساني وقدرته على معرفة الحقيقة. أما ابن طفيل فقد أخذ هذه الفكرة الرمزية وطوّرها إلى قصة فلسفية متكاملة.
قراءة هذا الكتاب تمنحني شخصياً في كل مرة ذلك الشعور بالمتعة من العزلة، وبأنّ الإنسان يستطيع أن يجد المعنى حتى في العزلة، وكم هي لذيذة الطبيعة.
جلال الدين الرومي
كتبت اسمه وليس مؤلفاته: "المثنوي" أو "غزليات شمس" أو "فيه ما فيه"، فكل ما كتبه هذا الرجل قبل سبعمئة عام نقرأه اليوم وكأنه كتبَه لأرواحنا العطشى إلى الحب، والصفاء، والتكامل، والالتذاذ بالمحبة والأخلاق السامية. وكم تمنيت كلما قرأته -وهو روتين يومي لي- لو يستطيع كل البشر أن يقرأوه، ولو كان الجميع يستطيع قراءته بالفارسية. لكن مولانا جلال الدين الرومي تحديداً اقرأوه بأي لغة وجدتموه فيها، وهذا رجاء من الصميم.
"مكارم الأخلاق"
يجمع هذا الكتاب أخباراً وقصصاً وأقوالاً مأثورةً عن الصبر، والرفق، والصدق، والتواضع، وسائر الخصال التي عدّها العلماء من أساس حسن الخلق. ألّفه العالم الزاهد ابن أبي الدنيا (208-281 هـ)، وكان مهتماً بجمع الروايات والقصص التي تهذّب النفس وتدعو إلى السلوك الحسن في الحياة اليومية. يعتمد الكتاب على حكايات قصيرة وأحاديث وأقوال للصحابة والتابعين والحكماء، ولذلك تبدو صفحاته كأنها مجموعة من التأملات الأخلاقية التي يمكننا أن نتوقف عند كل واحدة منها ونتأمل معناها.
تكمن قيمة هذا الكتاب في بساطته وهدوئه؛ فالنصوص فيه قصيرة ومباشرة، ويمكن قراءتها ببطء مثل مقاطع للتأمل اليومي، لذلك يبقى مناسباً دائماً ولا سيّما في الأوقات الصعبة؛ نقرأه فيمنحنا لحظات من الصفاء الداخلي بعيداً عن ضجيج العالم. قراءة بضعة أسطر من "مكارم الأخلاق" كلّ يوم تشبه الجلوس قليلاً مع حكمة قديمة تساعد الإنسان على إعادة ترتيب مشاعره والنظر إلى الحياة بهدوء أكبر.
"البخلاء"
يُعدّ "البخلاء" من أشهر كتب الأدب العربي. ألّفه واحد من أكبر أدباء العرب، الجاحظ (159-255 هـ)، في العصر العباسي. يضمّ قصصاً وحكايات طريفةً عن أشخاص عُرفوا بالبخل، ويروي الجاحظ فيه مواقفهم بأسلوب ساخر وحيوي يكشف طبائع البشر وعاداتهم في المجتمع آنذاك. من خلال هذه القصص يرسم الجاحظ صورةً دقيقةً للحياة اليومية، ويُظهر كيف يمكن لصفة واحدة مثل البخل أن تتحول إلى مصدر لمواقف مضحكة وغريبة.
يُعدّ "كليلة ودمنة" من أشهر كتب التراث العربي؛ يتكوّن من مجموعة قصص تُروى على ألسنة الحيوانات، لكنها ليست مجرّد قصص مسلّية، بل تحمل حكماً وأفكاراً عن السياسة والأخلاق وطبيعة البشر
ظلّ هذا الكتاب محبوباً على مرّ القرون، لأنّ قصصه قصيرة وسلسة لكنها تحمل معاني كبيرة. كما انتشر الكتاب في ثقافات كثيرة وتُرجم إلى لغات عديدة، وبقي عبر العصور واحداً من أجمل الكتب التي تجمع بين القصص الممتعة والحكمة الإنسانية.
تكمن جاذبية الكتاب في لغته السهلة وروحه الفكاهية، مما يجعله قريباً منّا حتى في هذا العصر. وبرغم طرافته، فإنّ "البخلاء" يحمل نظرةً عميقةً إلى النفس البشرية، ويجعلنا نبتسم في حين أننا نتأمل في سلوك الناس. وقد يكون هذا من أهم الأسباب التي جعلت "البخلاء" من أكثر كتب التراث قراءةً ومتعةً، فهو يجمع بين الحكمة والضحك في آن واحد.
"الاعتبار"
هذا الكتاب أشبه بمذكراتٍ شخصية لفارسٍ عاش زمن الحروب الصليبية. ألّفه أسامة بن منقذ، في القرن السادس الهجري، ويروي فيه قصصاً من حياته، من المعارك إلى المواقف الإنسانية والطريفة. يُظهر "الاعتبار" كيف عاش الناس حياتهم حتى في زمن الحروب، فيشعرنا بل يذكّرنا أنّ التاريخ ليس بعيداً عنّا، بل هو تجربة إنسانية قريبة.
"كليلة ودمنة"
في الختام، هذا الكتاب الشهير السهل الممتنع الذي يُعدّ من أشهر كتب الحكمة في التراث العربي. ترجمه عبد الله بن المقفع (ت 142 هـ) إلى العربية في القرن الثاني الهجري عن البهلوية (الفارسية الوسطى)، وأضاف إليه، بينما أصله كان بالسنسكريتية. يتكوّن الكتاب من مجموعة قصص تُروى على ألسنة الحيوانات، مثل الأسد والثعلب والحمامة والسلحفاة، لكن هذه الحكايات ليست مجرد قصص مسلّية، بل تحمل حكماً وأفكاراً عن السياسة والأخلاق وطبيعة البشر. قصصه الكثيرة تتضمّن حوارات بين شخصيتَي كليلة ودمنة، وهما ابنا آوى، يناقشان ما يحدث في مملكة الحيوانات ويستخلصان العبر منه.
ظلّ هذا الكتاب محبوباً لدى القرّاء على مرّ القرون، لأنّ قصصه قصيرة وسلسة لكنها تحمل معاني كبيرة. كما انتشر الكتاب في ثقافات كثيرة وتُرجم إلى لغات عديدة، وبقي عبر العصور واحداً من أجمل الكتب التي تجمع بين القصص الممتعة والحكمة الإنسانية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
