خيانة الـ14 سنةً... هكذا يُهندَس النسيان في سوريا

خيانة الـ14 سنةً... هكذا يُهندَس النسيان في سوريا

رأي نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 16 مارس 20269 دقائق للقراءة

المشهد الأوّل: نهاري من داخل غرفة نوم ص

"يستيقظ ص على صوت ضجيج من الشارع. يمشي بتثاقل إلى الشرفة وينظر من الشباك، تتابعه الكاميرا لتُظهر ركام الأبنية المهدمة نتيجة قصف البراميل. بضعة مراهقين يتجادلون واقفين. يقول الأوّل: أصلاً الحق كله على هداك اللي قال الشعب السوري ما بينذل!

يجيبه الثاني: شو فهّمك إنت؟ أصلاً كلها القصة صارت بـ11 يوماً وتحررت سوريا.

يقاطعهما الثالث محتدّاً: أصلاً طول عمرهم أهلنا بيكذبوا علينا باللي صار بالسويدا والساحل، فليش بدنا نصدّقهم إنو كانوا بالشارع عم يهتفو؟".

هل تجدون هذا المشهد المتخيّل غريباً أو غير ممكن؟ حسناً ماذا لو استيقظنا في صباح يوم غائم من عام 2050، وسط ركام الأبنية في الغوطة الشرقية لدمشق، أو منطقة بابا عمرو في حمص، أو أيّ منطقة أخرى طالتها براميل بشار الأسد والمعارك الدامية والتهجير والاعتقال، ووجدنا بضعة سوريين يتناقشون ويلعنون اللحظة التي قرر فيها أسلافهم الصراخ بالشعار الأوّل في شتاء 2011: "الشعب السوري ما بينذلّ"؟ أو ينسفون تماماً كل ما قدّمه السوريون لسنوات طويلة في سبيل الخلاص من نظام جثم فوق صدورهم لأكثر من خمسين عاماً؟

أو لنتخيل معاً، أنّ هؤلاء الأشخاص قالوا إنّ أحمد الشرع، أو س أو ص من الأشخاص، قاموا بانقلاب عسكري مفاجئ ونجحوا في التخلص من الأسد نهائياً ودون قطرة دم واحدة، وإنّ كل ما تبعه من نزيف دم وتفسخ مجتمعي خلال عام ونيّف، لم يكن سوى "مجسّمات قطرية صهيوإمبريالية".

إصرار عجيب

هذه اللقطات، أو المشاهد المتخيّلة الآن، قد تتحول إلى حقيقة مع مرور الزمن، طالت أو قصرت، مع الإصرار العجيب لدى السلطة السورية المؤقتة وشريحة من السوريين على استبدال ذاكرة طويلة الأمد تمتدّ على الأقل لـ14 عاماً، ببضعة أيام فقط، ضمن رؤية وأحداث محدّدة ولأسباب دقيقة للغاية، تتجاوز فكرة الخوف من انقلاب يطيح بمكسب الخلاص من بشار الأسد ويتجاوزه لتثبيت أركان السلطة الحالية، بالتزامن مع تحاشي الحديث عن أي آلية ديمقراطية أو تعددية تتيح للسوريين إعادة بناء بلادهم، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية الحالية داخلياً وخارجياً.

هل نسي أهل حماة مجزرة الثمانينيات؟ هل نسي الفلسطينيون مجازر إسرائيل بحقهم؟ لماذا يراد لنا نسيان مجازر الأسد بالسوريين وبراميله ومعتقلاته؟ ولماذا يراد لنا أن ننسى الضحايا في الساحل والسويداء والجزيرة السورية ممن سقطوا على أيدي جميع الأطراف؟

انتشرت منذ هروب الأسد سرديات متعدّدة حول تفاصيل نهاية النظام، ربما أكثرها أهميةً وتأثيراً وخطورةً تلك التي تقول: "حُرّرت سوريا في أحد عشر يوماً فقط"، لتختصر معاناةً لا يمكن اختزالها أصلاً لا بكتاب ولا بفيلم، ولها تأثيراتها على علوم السياسة والعسكرة والاجتماع والاقتصاد، وخرجت بسببها مئات الدراسات في مختلف المجالات، وأُلّفت كتب وأُنتجت أفلام وأعمال درامية حولها، وشُرّد الملايين وتحوّل اللجوء إلى أزمة عالمية، عدا طبعاً عن آلاف المعتقلين والشهداء، والتفسخ المجتمعي.

ذاكرة جمعية مختلفة

يلاحَظ أنّ هناك محاولات حثيثةً لبناء ذاكرة جمعية مختلفة في سوريا ومن قبل طرفَين؛ الأوّل يتمثّل في السلطة الانتقالية الحالية، والثاني عبر شريحة لا يمكن تجاهلها من السوريين، ويتم هذا الأمر أيضاً عبر مستويين؛ مستوى رسمي يشمل القرارات والتصريحات الحكومية المتكررة والمتتالية حول ما حصل في سوريا منذ انطلاق معركة "ردع العدوان" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أو تغيير أسماء المدارس والحدائق والشوارع حتى لو لشخصيات لا علاقة لها بحكم الأسد الأب نفسه، وبعضها ماتت قبل وصولها إلى الحكم أصلاً.

في عام 2000، نشر المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، مقالاً مطوّلاً في مجلة "Critical Inquiry"، تحت عنوان "الاختلاق، الذاكرة، والمكان"، تحدّث خلاله عن أهمية الذاكرة الجمعية بوصفها مشروعاً اجتماعياً وسياسياً وتاريخياً.

يرى سعيد أنّ "اختلاق الإرث هو ممارسة كثيراً ما استغلتها السلطات بوصفها أداة حكم في المجتمعات ذات التجمعات البشرية"، و"اختلاق الإرث هو منهج لاستخدام الذاكرة الجمعية بشكل انتقائي".

كيف يمكن إسقاط كلام سعيد على الحالة السورية؟ يمكن ذلك ببساطة من خلال قصص أو أحداث متتالية عدة: "سقط النظام في 11 يوماً"، "سوريا لنا إلى يوم القيامة"، و"محاولة انقلاب في الساحل" وغيرها من الشعارات والتبريرات التي ظهرت خلال عام وبضعة أشهر. هذا مستوى أوّل.

المستوى الثاني يرتبط بكيفية استقبال شريحة من السوريين لهذه الشعارات والتبريرات.

قبل أيام، مرّت الذكرى السنوية الأولى لمجازر الساحل التي راح ضحيتها مئات المدنيين ضمن أعمال عنف انتقامية بعد تعرّض قوات الأمن العام لكمين أدّى إلى مقتل عدد منهم، خلال أربعة أيام فقط وفق "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، قبل أن يرتفع الرقم لاحقاً، مع استمرار عمليات القتل حتى يومنا هذا ضمن حوادث تصنَّف بشكل فوري على أنها "أعمال فردية".

بعدها بأربعة أشهر تكرّر الأمر مع اختلاف التفاصيل في مدينة السويداء، واشتبكت قوات حكومية وكذلك قوات من العشائر العربية مع فصائل محلية، وكانت النتيجة مئات الضحايا المدنيين وأسرى حرب ومخطوفين.

بجانب خطورة إراقة الدماء، هناك خطورة تتعلق بماذا تريد للذاكرة أن ترى؟ هناك مئات من السوريين الرافضين حتى لتذكّر الضحايا بوصفهم مدنيين، وهناك سوريون يتمنّون الفناء لكل من لا يشبههم.

هذا كله يشكّل الذاكرة التي سوف تعتمد بدورها على صياغة موحّدة وواحدة، ما يعني تالياً أنّ سوريا كلها دون استثناء ستخضع لها، ما يضيّع كل التضحيات التي قدّمها السوريون على مدى سنوات، وكذلك حقوق الضحايا وذويهم، ويخلق فجوةً بين المجتمع والدولة لن يدفع ثمنها سوى السوريين أنفسهم.

لماذا يراد للسوريين أن ينسوا؟

هناك علم اجتماع كامل يسمّى "علم اجتماع الذاكرة"، ومن أبرز مؤسسيه العالم موريس هالفباكس، الذي يرى في كتابه "الذاكرة الجمعية" (تُرجم في عام 2016 عن دار بيت المواطن)، أنّ الذاكرة هي "إرث مجتمعي وليست مجرد إرث بيولوجي"، وكذلك يربط الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية، والأولى بحاجة إلى الثانية للاستمرار، والنسيان ليس أمراً فيزيائياً فحسب، بل هو عملية قطيعة كاملة بمن كان يحيط بنا في الفترة المراد نسيانها.

تخيّل معي أنك تطالب بمعرفة مكان رفات والدك أو ابنك أو شقيقك الذي قضى في معتقلات الأسد، ليأتي شخص ما ويتّهمك بمعاداة "الثورة"، أو أن تطالب بحقّك بالكهرباء، أو تبدي حقّك الطبيعي في الاعتراض، ليأتي من يسألك بصفاقة: "وين كنت من 14 سنة؟"

وعليه، ينطرح سؤال هنا: من يريد للسوريين أن ينسوا ويحصرهم بروايات محدّدة ودقيقة وسرديات مختارة حول ما حصل طوال عام ونصف؟ ومن قال إنّ النسيان سيحصل؟ والسؤال الأهم: ما هي النتيجة للإجبار على النسيان؟

هل نسي أهل حماة مجزرة الثمانينيات؟ هل نسي الفلسطينيون مجازر إسرائيل بحقهم؟ لماذا يراد لنا نسيان مجازر الأسد بالسوريين وبراميله ومعتقلاته؟ ولماذا يراد لنا أن ننسى الضحايا في الساحل والسويداء والجزيرة السورية ممن سقطوا على أيدي جميع الأطراف؟ ولماذا يسعى "شبيحة العهد الجديد" إلى إنكار جرائم اعترفت بها السلطة نفسها؟

هل نعلم أنّ غياب العدالة الانتقالية والمماطلة بملف المعتقلين يخدم بشكل فوري هذه السردية التي ذكرتها أعلاه؟ هل نعلم أنّ رفض الدم والقتل على الهوية يؤديان إلى استمرار الدم بالمقابل، وهذا لن يأتي بحجر واحد لبناء البلاد؟

إنَّ خطورة النسيان القسري في الساحل والسويداء وفي أيّ مكان في سوريا، قبل سقوط النظام وبعده، لا تكمن فقط في ضياع الحقوق، بل في تحويل الألم إلى "طاقة حقد" مخزنة من الجميع وتجاه الجميع، فحين تُمنع الضحية من البكاء العلني ومن تدوين سرديتها والمطالبة بحقها، فإنها لا تنسى، بل تكتفي بالصمت في انتظار اللحظة التي تنفجر فيها هذه الذاكرة كفعل انتقامي جديد. والنسيان هنا ليس تعافياً، بل هو تأجيل لعنف قادم لا محالة.

"وين كنت من 14 سنة؟"

من المفهوم أنّ التاريخ يرويه المنتصر، ولا توجد حقيقة مطلقة واحدة وثابتة حول أي أمر. يحضر الاختلاف في الرأي والرواية حول أكثر الأحداث المتبناة عبر التاريخ. لا بأس، هذا أمر مطلوب وضروري وصحي لعدم تحكّم صاحب سردية واحدة في التاريخ. لكن عملية التزييف والتغيير لإثبات واقع جديد وماضٍ كاذب أمر فيه من الخطورة على مستقبل السوريين خطورة عودة الأسد لحكمهم.

كمثال بسيط وأخير، ولا أقصد المقارنة، هناك عشرات الباحثين والعلماء ينكرون حصول "الهولوكوست" بالطريقة والأرقام التي وصلتنا. نعلم جميعاً، وبعيداً عن البعد الإنساني للأمر، كيف تمّت الاستفادة إلى الحد الأقصى من هذه السردية وما أسبابها. تحوّلت "الهولوكوست" من "مأساة إنسانية" إلى صراع سياسي بحت بهدف الحصول على تعويضات مالية استمرت لسنوات، ونتجت عنه قوانين وضعت علماء ومؤرخين وباحثين في السجون.

وبينما تعرّض منكرو الهولوكوست في أوروبا لتهمة "تزوير التاريخ"، قد نقع في فخ "تزوير الذاكرة" عبر الصمت والإسكات، وهذا يجعل "المجرم" ينجو لا من العقاب فحسب، بل من التاريخ نفسه، ونتحوّل نحن السوريين من أصحاب قضية محقّة دفعنا ثمنها غالياً وضحايا، إلى مجرمين.

تخيّل معي أنك تطالب بمعرفة مكان رفات والدك أو ابنك أو شقيقك الذي قضى في معتقلات الأسد، ليأتي شخص ما ويتهمك بمعاداة "الثورة"، أو أن تطالب بحقك بالكهرباء، أو على الأقل أن تبدي حقّك الطبيعي بالاعتراض، الاعتراض على أي شيء، ليأتي من يسألك بصفاقة: "وين كنت من 14 سنة؟".

هل هناك تزييف وخيانة للذاكرة وللضحايا ولسوريا أكثر من ذلك؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard
Popup Image