"الضيف الثقيل"... شذرات عن اللجوء السوري في لبنان

الجمعة 19 مارس 202110:55 ص

كل اللاجئين خرجوا من سوريا لأنّ الحياة فيها لم تعد محتملة، لكن إلى أي حد يمكننا القول عن حياتهم في لبنان على وجه الخصوص إنها قابلة للاحتمال أو حتى إنها تقف على مشارف انفراجٍ ما؟

ما وصلت إليه حياة اللاجئين من انسداد وصعوبة وقسوة جعلت من كورونا مجرد مشكلة هامشية صغيرة، وفي نفس الوقت لا مجال ولا إمكانية لمقاومته بشكلٍ فعال، إلا أنّ ذلك لا ينطبق على حياة اللاجئين فقط، إذ أن كورونا عند غالبية الناس العظمى من شعوب منطقتنا يعتبر مشكلة صغيرة قياساً بالمشاكل الأخرى... الفقر لوحده كفيل بإسكات كورونا أو جعله مشكلة هامشية.

اللاجئ والضيافة

كيف يستطيع اللاجئ أن يفتح نفسه على أعلى إمكاناتها، وهو يرزح تحت ثقل سلطات لن تعتبره، في أحسن الأحوال، إلا ضيفاً ثقيلاً على القلب؟ في واقع الأمر، حتى إذا عومل كـ"ضيف مرحّب به" يبقى عند فئة محددة ذلك "الغريب" الذي "يأخذ فرص العمل من اللبنانيين" ويزيد الضغط على دولة "العهد القوي" التي تريد إعادته إلى جحيم النظام السوري اليوم قبل الغد.

مفهوم الضيافة يتواشج مع مفهوم الكرم، ولعلنا لا نستطيع أن نتكلم عن أحدهما دون الحديث عن الآخر. عند الكثيرين من اللبنانيين، اللاجئ "ضيف مرحّب به" لأسباب عديدة، أحدها كرم الضيافة الشعبي، لكنه عند الدولة اللبنانية ليس كذلك على الإطلاق.

ما يعيشه اللاجئ يجعل منه ضيفاً ثقيلاً على نفسه أيضاً، والدولة المضيفة لا قدرة ولا رغبة لديها إلا باعتباره طفيليّاً لا بد من التخلص منه بأسرع وقتٍ ممكن.

حتى في حياة الأفراد اليومية، مهما كان الضيف عزيزاً على النفس، فإن رحيله قد يسبب انتعاشةً للمضيف، إذ تُعاد كامل المساحة التي كانت متوفرة وتقلّصت بحضور الضيف. عند حلول الضيف، غالباً ستكون مُلزَماً بتدبير شؤون الضيافة والالتفات إلى آراء الضيف ونظرته ولو بالحدود الدنيا، فـ"نظرة الآخر تُشكّلنا" وتحدّ من إمكاناتنا بطريقةٍ ما بالرغم من أنها تفتحنا على إمكانات جديدة.

لكنّ اللجوء ليس ضيافةً فردية عند أحدٍ ما. هو مشكلة جماعية ذات أبعاد كثيرة، ولن يكون وضعاً مريحاً حتى إذا عومل اللاجئ كضيف عزيز على النفس... حدثية اللجوء حدثية مريرة على الدوام.

"الآخر ذو بنية فيروسية"

بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أشار الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، في كتابه "روح الإرهاب"، إلى أن "الآخر ذو بنية فيروسية". في زمن الجائحة نعيش هذه الجملة بالمعنى الحرفي. حتى إذا صَدَقت الوعود ووصل اللقاح إلى الجميع ووُزّع بشكلٍ عادل، سيظل اللاجئون في لبنان ذوي بنية فيروسية بأسوأ معاني الكلمة بالنسبة للعنصريين ودولتهم.

اللاجئون أعداء في اعتبار هؤلاء إلى أجلٍ لا مسمى، كما أن العنصريين أعداء صامتون في كثيرٍ من الأحيان. ربما لا يشاركون في سياسات القمع والعزل بشكلٍ مباشر لكنهم يتواطأون معها، فاللاجئ في منظورهم عدوّ نهائي وشمّاعة لتعليق الأخطاء، ولكن علينا أن نقول إنه عدوّ لا سلاح له، ويبدو أنه لا فكاك له من هذه العدائية إلى الآن.

الهجرة و"الداخل/ الخارج"

قبل الثورة السورية، هجّر النظام الكثير من العقول الحرة واضطُرّت أعداد كبيرة للسفر بحثاً عن عمل، لكن أثناء الثورة هجّر الملايين فنشأ ما سُمّي بـ"الخارج السوري" و"سوريي الخارج" وإلى آخره من التقسيمات التي تعتمد على ثنائية "داخل/ خارج".

"اللاجئون أعداء في اعتبار العنصريين إلى أجلٍ لا مسمى، كما أن العنصريين أعداء صامتون في كثيرٍ من الأحيان. ربما لا يشاركون في سياسات القمع والعزل بشكلٍ مباشر لكنهم يتواطأون معها، فاللاجئ في منظورهم عدوّ نهائي وشمّاعة لتعليق الأخطاء"

وظهرت قراءات سياسية متضادة للحدث السوري قائمة على هذا التقسيم الثنائي الصارم، كتلك التي نشاهدها في نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية التسطيحية.

لكن الأزواج المفهومية أو الثنائيات الضدية "خارج/ داخل؛ خير/ شر" لا تمتلك قدرة تفسيرية عالية ولا تقدّم منظوراً رحباً للتأويل، فالحدود بين أطرافها مائعة دائماً ولا يمكن ضبطها أو رسمها بدقة. الثنائيات الضدية بالعموم فقدت حق المواطنة المفهومية إذا صحّ التعبير، فهي مجرد بوابة ضيّقة للنظر لا يُعوّل عليها أو ليست صالحة للاستعمال الحر، بل يمكن اعتبار القراءة القائمة عليها بحد ذاتها مشكلة سياسية.

مَن يُهجّر أو يخرج من بلده يحمل معه شاء أم أبى "شيئاً ما" منها.

على سبيل المثال، كل مَن خرج أو هُجّر من سوريا، لم يخرج بكلّه أو كلّيته منها. مَن يُهجّر أو يخرج من بلده يحمل معه شاء أم أبى "شيئاً ما" منها، لكن الأمر الخطير أنك أينما لجأت لن تكون بمنأى تام عن أخطار النظام، فما بالك إذا كنت في لبنان تحديداً؟

السلطة مشكلة حيوية تمتد وراء الحدود الجغرافية، وليس لها خارج وداخل. لذلك، الكتابة عن "خارج وداخل" لسلطة النظام كتابة هشة، ومن المفيد تسليط الضوء على أثرها.

كذلك، مَن بقي في سوريا أو مَن لم يستطع الخروج منها أو مَن هُجّر أو خرج منها، ليس مقيماً "في الداخل" أو "في الخارج" فقط وبكل معاني الكلمة، إذ تستطيع أن تهاجر لغوياً، وثقافياً، وفلسفياً "إلى الإنسانية" وليس إلى أوروبا وأنت "في بيتك، وعند نفسك، وفي ثقافتك، وفي لغتك"، حسب تعبير المفكّر التونسي فتحي المسكيني، إلا أنّ ذلك لا يعني أن العيش "داخل سوريا" هو نفسه العيش خارجها، لكنه يشير إلى هشاشة الثنائيات الضدية.

انتظار غودو

جزء من المشاكل التي يواجهها اللاجئون وتزيد وضعهم المعيشي صعوبة أنهم خاضعون لمنطق الراهن الإعلامي الذي يقتضي أن يحدث شيء ما في المخيّم حتى يتلقوا بعض الاهتمام (كاحتراق جزء منه أو موت الناس من البرد أو من سوء التغذية، إلخ).

"ليس مهماً إلا في حدود معيّنة أن ثمة بشر يعانون أقسى الظروف المعيشية في بقعة ما. هو أمر لن يعاني منه إلا اللاجئين بالدرجة الأولى. وكل مَن يواصل التعويل على جهود المنظمات الإغاثية لإنقاذ اللاجئين من بؤسهم اليومي لا ينتظر إلا غودو"

والحال أنه حتى الأحداث تلك لم تجلب اهتماماً أكبر أو معاملة أفضل. ليس مهماً إلا في حدود معيّنة، بالنسبة للمجتمع الدولي مثلاً، أن ثمة بشر يعانون أقسى الظروف المعيشية في بقعة ما من الأرض. هو أمر لن يعاني منه إلا اللاجئين بالدرجة الأولى، وكل مَن يواصل التعويل على جهود المنظمات الإغاثية لإنقاذهم من بؤسهم اليومي لا ينتظر إلا غودو.

أما الحلول، فتأتي بدايةً من السياسة، لكنها معدومة أو تكاد، والأمل بإيجادها أو تطبيقها صار موضوعاً يثير السخرية.

كلمة أخيرة عن الضيف

في نصّ بعنوان "من فوق الجبال الشواهق - نشيد الختام"، مرفق بكتاب "ما وراء الخير والشر"، يصف نيتشه زرادشت(ـه) بـ"ضيف الضيوف"، ذلك الصديق المنتظر الذي يستطيع أن يكسر عزلة النفس وجليدها، مَن تأتي معه البهجة، وتختفي غيوم الضيق.

نحن ضيوف عند أنفسنا، وزرادشت(نا) يمكث في "ما هو فوق الإنسان"، همّه أن يُخرج أجمل ما فينا، ويفتحنا على أفق جذري للصداقة مع أنفسنا ومع الآخرين... ليس ذلك الضيف إلا "نحن"، أي ليس إلا الآخرين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard