لا تُهزَم المشروعات الكبرى دائماً في ميادين المواجهة العسكرية، بل غالباً ما يُداهمها العجز حين تعجز عن تحويل فائض القوة إلى إرادة سياسية موحّدة. أقول لا تُهزَم المشروعات الكبرى بالسلاح وحده، بل حين تتآكل وحدة الهدف بين حلفائها.
المفارقة الكامنة في المشهد الراهن هي أنّ التحالف الأمريكي الإسرائيلي، برغم استثنائيته وقوته التدميرية الغاشمة، يعاني من انفصام إستراتيجي في تعريف نقطة النهاية؛ فالعلّة لا تكمن في نقص الوسائل، بل في تنافر الغايات.
بنيامين نتنياهو يقود اليوم حرباً ضد إيران يُؤطِّرها الإجماع الداخلي الإسرائيلي بدافع ما يمكن تسميته "الوجودية الإسرائيلية"؛ تلك الحالة التي ترى في هذه المواجهة فرصةً تاريخيةً لا تقبل التأجيل لإنهاء الفكرة قبل المنظومة، واجتثاث مشروع الجمهورية الإسلامية من جذوره.
في المقابل، يتحرّك دونالد ترامب مدفوعاً "بالاستعراضية الترامبية"، التي تبتغي صورة النصر أكثر مما تنشد تغيير البنى التحتية للنظام. وهي استعراضية تنشد تارةً مشهد الاستسلام الكامل، وتارةً أخرى رغبة في تحديد هوية من يقود إيران على غرار "المقامرة الفنزويلية"، دون اكتراث لبنية المؤسسات الإيرانية.
تقاطع قسري وفراغ إستراتيجي
في هذا السياق، التقاطع القسري بين هذين المسارين، أي الوجودي والاستعراضي، قد يُنتج فراغاً إستراتيجياً عميقاً وتداعيات خطيرةً؛ فلا "الوجودية" التي تسعى للهدم تملك تصوّراً للبناء أو السلام، وإنما للهيمنة سعياً لتحقيق هدف إسرائيل الكبـرى، ولا "الاستعراضية" التي تنشد الصورة تملك خطةً لإدارة اليوم التالي أو بالأحرى القول بنهاية هذه الحرب.
كشف قبول طهران الضمني بغزو العراق عام 2003، أنّ تظلّمها التاريخي لم يكن يوماً ضد بنية النظام الدولي كفكرة، بل كان احتجاجاً على الترتيبات التي تُقصيها عن طاولة الكبار
هذا التباعد الجوهري في تعريف الغايات لا يقف عند حدود التنظير السياسي، بل ينعكس كأزمة "ارتباكٍ بنيوي" حول المدى الزمني للصراع داخل مفاصل الدولة الأمريكية نفسها؛ ففي الوقت الذي تتعامل فيه البيروقراطية العسكرية في "البنتاغون" مع الصراع ببرود مؤسسي يرى أنّ الحرب لا تزال في طور استهلالها الميداني، يندفع دونالد ترامب للترويج بأنها تُشرف على نهايتها.
في مقابل هذا الانفصام الزمني في واشنطن، يبرز خطاب "الحرس الثوري الإيراني" ليعيد صياغة قواعد الاشتباك من منظور "السيادة الميدانية"، مؤكداً بندّية موازية أنه هو لا غيره من يمتلك تفويض تحديد موعد النهاية.
وبطبيعة الحال، لم يكن لهذا الغموض في التقدير الزمني إلا أن يُترجَم عملياً إلى تقسيم مشوّه للأدوار؛ فبينما تتفرغ إسرائيل للقصف الصامت وتحييد الأهداف بعيداً عن الأضواء، غرقت واشنطن في إدارة "المشهد الإعلامي"، إذ منحت الجهات المعنية الأمريكية، من البيت الأبيض إلى البنتاغون، هذه الحرب صخباً إعلامياً يفوق بمراحل ما أبدته نظيراتها الإسرائيلية.
ارتجال موسيقي؟
ولعلّ هذا التباين في الأدوار هو ما رصده الباحث المتخصص في الشأن الإيراني كريم سجادبور، حين وصف الإستراتيجية الأمريكية بعبارة مُوجِزة بليغة: "تغيير النظام بالارتجال الموسيقي" (Regime change by jazz improvisation). وهذا الارتجال يضعنا أمام المعضلة التي فكّكها شون ماكفيت، في كتابه "السياسة المسلحة… محاضرات في الحرب والفكر الإستراتيجي"، حين حذّر من أنّ "الانتصارات التكتيكية وحدها لا يمكنها أن تؤدّي إلى انتصار عسكري أو سياسي ما لم تُترجَم إستراتيجياً".
هذا الغموض المتعمّد في تحديد نقطة النهاية هو ما التقطه بدقة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحٍ لافتٍ لخّص فيه المشهد بقوله: "ليس لديهم غاية واقعية لهذه الحرب علينا".
وعليه، فهذا الالتقاء بين ارتجال المهاجمين ويقين المدافع يدفعنا إلى التساؤل: هل نحن أمام حرب تبتغي حسم الصراع عسكرياً، أو أمام نظام يقتات إستراتيجياً على تناقض غايات خصومه وعجزهم عن رسم مخرج سياسي لهذه الحرب؟
جذور الصراع البنيوية
للإجابة عن هذا السؤال، يقتضي التحليل العودة إلى الجذور البنيوية لهذا الصراع، إذ يُخطئ من يختزله في قشرته الأيديولوجية. فالتاريخ القريب يُذكّرنا بأنّ العلاقات بين طهران وتل أبيب خضعت دوماً لمنطق "المصالح الإستراتيجية" لا "العقائد العابِرة"؛ فإيران ما قبل الثورة كانت حليفاً وثيقاً لواشنطن، وحتى في ذروة عداء الثمانينيات، لم يجد الطرفان غضاضةً في التعاون العسكري ضد طموحات صدام حسين.
لذا، فالتحوّل إلى المواجهة الوجودية لم يكن نتاج تصادم العقائد، بل نتيجة اختفاء التهديدات المشتركة؛ فبسقوط بغداد أضحى كل طرف يرى في الآخر العائق الأوحد أمام هيمنته الإقليمية.
يغرق الارتجال الأمريكي في مطاردة نصر استعراضي قوامه صورة الاستسلام الكامل، بينما يغرق الطموح الإسرائيلي في البحث عن نصر وجودي يستهدف اجتثاث الفكرة والمنظومة معاً.
لقد كشف قبول طهران الضمني بغزو العراق عام 2003، أنّ تظلّمها التاريخي لم يكن يوماً ضد بنية النظام الدولي كفكرة، بل كان احتجاجاً على الترتيبات التي تُقصيها عن طاولة الكبار. وحين لم تجد مكاناً على تلك الطاولة، شرعت في بناء مشروعها الخاص للهيمنة عبر أذرع ممتدة من بيروت إلى صنعاء، وهو المشروع الذي كرّس ما تم تسميته بالحقبة الإيرانية في المشرق العربي، حيث سعت طهران لفرض واقع جيوسياسي جديد يتماشى مع طموحها كقطب إقليمي.
استثمار في الفراغ
بيد أنّ هذه الحقبة بدأت تتآكل بنيوياً فعلياً قبل حرب 28 شباط/ فبراير 2026، فحروب الاستنزاف الممتدة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 استنزفت شبكة الوكلاء، وجاء سقوط نظام بشار الأسد ليقطع الشريان البري الحيوي الذي يربط أوصال هذا النفوذ.
من هنا، فإنّ ما استهدفته الحرب الأخيرة لم يكن نفوذاً في طور الصعود، بل كان مشروعاً يواجه لحظة أفول قسرية، بعد أن عانى من تمدد تجاوز قدراته المؤسسية على الضبط، وانكشاف إستراتيجي داهمه في اللحظة التي احتاج فيها إلى التماسك أكثر من أي وقت مضى.
وبينما يغرق الارتجال الأمريكي في ضجيجه، لا يبدو أنّ متخذ القرار في طهران يرتجل بالقدر ذاته؛ بل هو يقرأ هذه التناقضات بعناية ويستثمر في الفراغ الإستراتيجي الذي يخلّفه غياب خطة واضحة لليوم التالي. وبينما يتجلى تباين الهدف بين واشنطن وتل أبيب، تعمل إيران بلا كلل على تحويل هذا المأزق إلى استراتيجية بقاء، وهو ما تفسره خطوتان: الأولى عسكرية تمثّلت في التصعيد الأفقي الممتد عبر الإقليم، والثانية مؤسسية تجسدت في الترتيب السريع لبيت السلطة الداخلي بتنصيب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى في التاسع من آذار/ مارس 2026.
ولفهم آلية هذه القراءة الإيرانية للتناقضات وتحويلها إلى إستراتيجية عمل، لا بد من استحضار مفهوم يُحلّله أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، روبرت بيب، إذ يرى أنّ الرد الإيراني لم يكن مجرد انتقام عاطفي، بل كان تطبيقاً مدروساً لما يُعرف بالتصعيد الأفقي (Horizontal Escalation). وهي إستراتيجية الطرف الأضعف الذي يعجز عن مجاراة خصمه في المواجهة المباشرة، فيختار توسيع رقعة الصراع جغرافياً، وإطالة أمده زمنياً، وكذا تسييس تداعياته اقتصادياً؛ بهدف تغيير حسابات الخصم الأقوى دون الحاجة إلى هزيمته عسكرياً.
ومن خلال إغلاق المطارات، واستهداف ناقلات النفط قرب مضيق هرمز الذي أُغلق فعلياً، وإشعال النيران في مرافق حيوية في إمارة دبي، نجحت طهران في نقل المعركة من "مدن الصواريخ" المحصنة إلى بورصات الطاقة وغرف التجارة العالمية. هي رسالة سياسية واضحة لشركاء واشنطن الإقليميين: "إنّ كلفة استضافة القوة الأمريكية باتت تتجاوز عوائد الأمن".
"بنية البقاء"
إلا أنّ هذه الفاعلية الإيرانية في إدارة هذا الواقع المضطرب لا تكتمل دلالتها دون النفاذ إلى "بنية البقاء" داخل طهران نفسها؛ فالمراهنة الأمريكية على أنّ "اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي" سيؤدي حتماً إلى تآكل الجسد، تصطدم بواقع مؤسسي توضحه سوزان مالوني، إذ ترى أنّ الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كدولة هشّة تنهار بموت الفرد، بل كمنظومة عسكرية بيروقراطية صُمِّمت خصيصاً لمواجهة لحظات الاستئصال.
أثبت صعود مجتبى خامنئي السريع أنّ النظام كان يمتلك "فائضاً مؤسسياً" وخطط طوارئ مُعـدّة سلفاً لمثل هذا اليوم؛ فبينما كانت الطائرات الأمريكية تدمّر منصات الصواريخ، كانت "الأجهزة العميقة" في طهران تُفعّل بروتوكولات القيادة البديلة.
من خلال إغلاق المطارات، واستهداف ناقلات النفط قرب مضيق هرمز، وإشعال النيران في مرافق حيوية في دبي، نجحت طهران في نقل المعركة من "مدن الصواريخ" المحصنة إلى بورصات الطاقة وغرف التجارة العالمية
وتلفت مالوني النظر إلى حقيقة دموية تُفسّر فشل مراهنة ترامب على الثورة الشعبية؛ فالنظام الذي سحق احتجاجات كانون الثاني/ يناير 2026، لا يزال يحتفظ ببندقية الداخل وإن فَقَد صاروخ الخارج. كما أنّ القوة النيرانية الأمريكية قد تنجح في تحييد الأهداف الإستراتيجية، لكنها -كما تُحذّر مالوني- تعجز عن خلق "بديل سياسي" في بيئة جُرّدت فيها المعارضة من أدوات الفعل، مما يجعل بقاء بقايا النظام الخيار الوحيد القائم على الأرض حتى الآن.
هنا، تتقاطع "إستراتيجية بيب" في التوسع الأفقي مع "تشريح مالوني" لصلابة المؤسسة، ليدفعا بالمشهد الراهن نحو حقيقة صاغها هنري كيسنجر في ذروة حرب فيتنام عام 1969، حين وضّح قاعدته الشهيرة حول ماهية النصر في الحروب غير المتكافئة: "الجيش النظامي ينهزم إذا لم يحقق النصر، بينما تنتصر التنظيمات المسلحة إذا لم تنهزم".
تُشكِّل هذه المقولة اليوم الكابوس الحقيقي لهذا التحالف المتباين في غاياته والمتنافر في منطلقاته؛ فبينما يغرق الارتجال الأمريكي في مطاردة نصر استعراضي قوامه صورة الاستسلام الكامل، ويغرق الطموح الإسرائيلي في البحث عن نصر وجودي يستهدف اجتثاث الفكرة والمنظومة معاً، تكتفي طهران بصياغة تعريف موحد وبسيط للنصر، وهو عدم الهزيمة.
إنّ هذا الفارق الجوهري في تعريف نقطة النهاية هو ما يمنح طهران أفضليتها الإستراتيجية؛ فبقاء الهيكل السياسي للنظام، واستمرار قدرته على إطلاق هجماته، والتمسك بسيادة التخصيب لليورانيوم بنسبة 60% كعقيدة غير قابلة للتفاوض، يعني بمنطق كيسنجر أنّ إيران قد أنجزت انتصارها بالفعل بمجرد استمرارها في الوجود.
لقد نجحت طهران في تحويل ضجيج الأهداف المتضاربة بين واشنطن وتل أبيب إلى مأزق إستراتيجي ممتد، فإذا كان قرار بدء الحرب قد صِيغَ في غرف العمليات المشتركة، فإنّ قرار إنهائها الآن بات رهينة عناد البقاء الإيراني الذي يقتات ببراعة على عجز الخصوم عن الاتفاق على تعريف واحد لما يعنيه النصر.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
