ما هي الحرب... ولماذا لا تريد أن تنتهي في بلادنا؟

ما هي الحرب... ولماذا لا تريد أن تنتهي في بلادنا؟

رأي نحن والحقوق الأساسية

السبت 14 مارس 20268 دقائق للقراءة


في الماضي البعيد، أي حين كانت الوحدات الأساسية للتنظيم البشري هي القبائل والممالك الصغيرة، كانت الحروب تشتعل بسبب نبع صغير، أو امرأة جميلة، أو سهل شاسع يصلح للرعي. هذه الحروب كانت تمتاز بأنها حاسمة وقاسية وقصيرة، بمعنى أن القبيلة الغازية تجنّد كل أفرادها وتبادر بالهجوم الذي ينتهي بمقتلهم وخسارة المعركة، أو بقتلهم لرجال القبيلة التي هاجموها، واختطاف المرأة التي أعجبتهم، ثم إعلان انتصارهم بين القبائل.
كان النصر واضحاً والهزيمة واضحة، ولا أحد من الطرفين المتحاربين أو من غيرهما يمكنه إنكار النصر على من فاز بالنبع أو بالمرأة.
قرون إلى الأمام وصارت الإمبراطورية هي الشكل الملائم لتنظيم الناس، وانتقلت الحرب لتصبح أوسع وأطول، وصارت أهدافها جمع الضرائب وتوسيع الحدود وبناء المجد، أي أنها صارت مشروعاً منظّماً للإمبراطورية، من خلاله تُخضع الآخرين، وبه تنشر الدين الذي تتبناه، والذي يساعدها بدوره في تحشيد رعاياها للقتال.
كلما توسعت حدود الإمبراطورية، أو ازداد عدد أتباع دينها، أو تضخّم المال في خزائنها، استطاعت أن تتغنى بالنصر أكثر، أما الخاسر في الحرب، إن كُتبت له النجاة طبعاً، فلا طريق أمامه إلا العبودية أو العفو.

البحث عن انتصار، والركض خلفه بين قوتين نوويتين لا يمكن إلا أن يجرّ الطرف الذي يوشك على الخسارة إلى استعمال مخزونه من هذا السلاح الفتاك، مما سيدفع الطرف الآخر إلى القيام بنفس الشيء. ولأن العالم ما زال فيه بعض العقلاء، فقد تم التواطؤ المتبادل على عدم الذهاب إلى هذا الخيار... كيف؟

عقود لاحقة وانتقل العالم إلى الدولة القومية (أو الوطنية) كمؤسسة للحكم وكشكل علماني لتنظيم الأفراد والجماعات. وهنا صار للدولة جيش منظم كمؤسسة وطنية، يشن الحروب للحفاظ على السيادة الوطنية، وعلى المصالح الوطنية التي يتمركز جزء منها وراء حدود الدولة، أو هكذا ادعت الرأسمالية حين أعجبها التحوّل إلى إمبريالية.
تغيرت الحرب هنا وامتلكت أدوات جديدة قادرة على الإخضاع الجماعي، لأنها اعتمدت أساساً على التعبئة الجماعية والشاملة للمجتمع والاقتصاد. هذه التعبئة المكرّسة لخدمة المجهود الحربي للدولة، هي التي أُنيط بها تحديد شكل الحرب، ضخامتها، أهدافها، الاستمرار فيها حتى النصر أو الانسحاب والاستسلام أمام تعبئة العدو إن كانت أقوى وأدواتها أفضل.
إن خير مثال على حروب الدولة القومية هي الحرب العالمية الأولى، وربما الجزء الأول من الحرب العالمية الثانية، حيث كان المهزوم يتفكك ويندثر أو يرفع الراية البيضاء، بينما المنتصر يقوم باحتلال أراضيه أو على الأقل فرض شروط قاسية عليه.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكّل النظام الدولي الحديث، أي نظام ما بعد هذه الحرب كما يُطلق عليه، ولسبب أساسي وهو ظهور الأسلحة النووية التي ساهم استخدامها في حسم المعركة، على الأقل في الجبهة اليابانية، تغيّر مفهوم الحرب تماماً، وانتقل إلى مربع ضيّق يوحي بأن عصر الحروب الكبرى انتهى، وحل محلّها ما يُطلق عليه "الصراعات" أو "النزاعات" أو "المناطق الساخنة".

مفهوم الردع النووي يعني ببساطة منع العدو من محاربتك لأنه يعرف أن ثمن الحرب معك سيكون عالياً جداً، كما هو الثمن الذي ستدفعه أنت لو افتعلت معه حرباً.

لماذا حصل ذلك؟ لأن امتلاك القنبلة الذرية أنتج لدينا ما يسمى بالردع النووي، هذا الردع الذي كان سمة أساسية لنصف قرن كامل من الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والاتحاد السوفييتي، واستمر إلى ما بعد ذلك بكثير. إن مفهوم الردع النووي يعني ببساطة منع العدو من محاربتك لأنه يعرف أن ثمن الحرب معك سيكون عالياً جداً، كما هو الثمن الذي ستدفعه أنت لو افتعلت معه حرباً.
فالبحث عن انتصار، والركض خلفه بين قوتين نوويتين لا يمكن إلا أن يجرّ الطرف الذي يوشك على الخسارة إلى استعمال مخزونه من هذا السلاح الفتاك، مما سيدفع الطرف الآخر إلى القيام بنفس الشيء. ولأن العالم ما زال فيه بعض العقلاء، فقد تم التواطؤ المتبادل على عدم الذهاب إلى هذا الخيار، وذلك بعدم تهيئة أسبابه.
العقلاء هؤلاء، والمجانين كذلك، لهم مصالح يمكن الحفاظ عليها بالوسائل الدبلوماسية لو أرادوا، لكن المشكلة التي تبرز هي أن لهم أطماعاً أيضاً لا ينفع إزاءها إلا اللجوء إلى العنف والقوة، أي إلى الحرب. ولأن الحرب بالأدوات التي يملكونها قد تكلفهم أكثر بكثير من العائد الناتج عن تحصيل أطماعهم، فقد ابتدعوا طريقة أخرى أقل كلفة، هي الحروب بالوكالة.

الحروب بالوكالة هي نزاعات وصراعات بين القوى العظمى أو الدول الكبيرة، ولكن دون الانخراط المباشر في المواجهة، بل ترك المهمة لأطراف محلية وتشكيلات مسلّحة داخل بقعة الصراع أو قريبة منها، بحيث تعمل هذه الأطراف والتشكيلات لحساب الدول صاحبة المصلحة، ولتنفيذ سياساتها. هنا بالضبط انتقلت فكرة الاحتلال المباشر الذي كان يقوم به المنتصر سابقاً، إلى فكرة جديدة أقل ثمناً وبخسائر شبه صفرية، وهي فكرة مناطق النفوذ.
إذن أصبح التحكم بالحرب من قِبل الدول المتحاربة يجري عن بُعد، أما الخسائر في الأرواح والممتلكات فهي من نصيب المتقاتلين على المسرح المهيأ بعناية، عن بُعد هو أيضاً. هذا التحكم يتم بالتمويل والتسليح والمساندة السياسية والإعلامية، وإلى جانب كل ذلك بمحاولة تعريفه بما يحقق أكبر المكاسب؛ فتارة هو حرب أهلية، وتارة صراع طائفي أو حرب دينية، وتارة حقد طبقي.. الخ.
لقد غرقت منطقة الشرق الأوسط في مستنقع هذه الحروب غير المباشرة، حتى صارت إحدى أكثر مناطق العالم كثافة في النزاعات.

أما الأسباب فهي، أولاً: إسرائيل كقوة احتلال وكمسبب لقضية استعصى حلّها، وفوق ذلك كوكيل لمصالح القوى المؤثرة في الغرب. ثانياً: النفط كحاجة دولية وكقيمة محلية، وثالثاً: الدين كأداة سهلة للاستنفار وكمُنتِج لأناس يسهل خداعهم وتجييشهم. هناك أسباب كثيرة أخرى تخص الموقع والإثنيات المتنوعة لكن هذه الأسباب لعبت دوراً في حروب ما قبل النظام الدولي الحديث، وربما ستلعب دوراً أساسياً في حروب المستقبل، لكنها ليست ذات تأثير حاسم في حروب الوكالة.
إن الميزة الأساسية لهذه الحروب هي أنها طويلة جداً ومتعددة الأطراف والحلفاء، أو بمعنى أدق هي متعددة الوكلاء. فالدول المتحاربة عن بُعد إن لم يعجبها وكيل معين، أو لم يقم بما تريده على أكمل وجه، أو شعرت بأنه غير قادر على الحسم (أو الإطالة بالمناسبة إن كانت ترغب بذلك)، فهي تقوم باستبداله أو بإسناده بوكيل جديد.

أصبح التحكم بالحرب من قِبل الدول المتحاربة يجري عن بُعد، أما الخسائر في الأرواح والممتلكات فهي من نصيب المتقاتلين على المسرح المهيأ بعناية، عن بُعد هو أيضاً... وبمحاولة تعريفه بما يحقق أكبر المكاسب؛ فتارة هو حرب أهلية، وتارة صراع طائفي أو حرب دينية، وتارة حقد طبقي

لقد غرقت منطقة الشرق الأوسط في مستنقع هذه الحروب غير المباشرة، حتى صارت إحدى أكثر مناطق العالم كثافة في النزاعات.

لهذا السبب فقد نشأ عند المراقب العادي نوع من الحيرة وعدم الفهم لما يجري على الساحات المتعددة، وطبيعة الحلفاء والخصوم في كل ساحة؛ حيث أن الأسئلة المسيطرة في العقد الأخير لم تعد من نوعية من هو العدو؟ بل صارت: لماذا من يتحالفون في السودان يتحاربون في سوريا، لماذا تدعم هذه الدولة الإخوان في ليبيا وتحاربهم في اليمن، كيف يقوم هذا الطرف بمعاداة حماس لكنه يقف مع الشرع.. وهكذا.
الميزة الثانية لهذه الحروب، والتي تنشأ كنتيجة للميزة الأولى المتعلقة بطول مدتها، هي أن لا انتصاراً واضحاً فيها، إذ لا يمكن للمراقب أن يعرف بسهولة أي الأطراف حسمت المعركة، وإن كان يرى أي الأطراف تسببت بالدمار الأكثر والنزيف الأطول. وهذا يعود في كثير من الحالات إلى عدم رغبة القوى الكبرى، المتحاربة على هذا المسرح، في الحسم الواضح والسريع، بقدر رغبتها في إدارة توازن لا يسمح للاعبين المحليين بالانفلات من قبضة المُشغّل، وبالتالي انفتاحهم على أفق قد يقودهم إلى تقرير مصيرهم بأنفسهم.
الميزة الثالثة لهذه الحروب هي أنها لا تُخاض من أجل الأوطان ولا من أجل من يقطنونها من البشر، بل ما أجل الممولين أصحاب المصالح الكبرى، ولا فرق كبير هنا إن كان ذلك يتم عن جهل أو عن عمالة مفضوحة، كما لا فرق إن أطلق عليه أصحابه مسميات دينية أو وطنية، فالنتيجة واحدة وهي تدمير الأوطان وتشريد الشعوب، في حالة لم يعهد لها العالم مثيلاً من قبل.

على أية حال، فقد شكّل السابع من أكتوبر، وبغض النظر عن أسبابه ومآلاته، نقطة انطلاق لحرب من نوع جديد، بوسائل وأهداف جديدة. قد نستطيع تسميتها بالحرب الهجينة إن ظل للوكلاء فيها دور ما، وقد نبحث لها عن اسم آخر إن قرر أصحابها أن عصر الوكلاء انتهى إلى غير رجعة، الأيام ستحكم.






رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

من 12 سنة لهلّق، ما سايرنا ولا سلطة، ولا سوق، ولا تراند.

نحنا منحازين… للناس، للحقيقة، وللتغيير.

وبظلّ كل الحاصل من حولنا، ما فينا نكمّل بلا شراكة واعية.


Website by WhiteBeard
Popup Image