قصص طوابير الوقود في لبنان...”يا ريتني متت بالانفجار”

الثلاثاء 15 يونيو 202105:20 م

يقولون إن المشهد يتكرّر وإن الطوابير التي نراها اليوم كانت في السابق. ويستشهدون بأغنية زياد الرحباني: “بَدّو ينقطِع البنزين بهَاليومين مش رح ينقطعوا الإجرين”. ليؤكّدوا أن هذه الأحداث لم تعلّم الشعب اللبناني شيئًا في السابق فلماذا سيتغيّر الحال اليوم؟

نتأقلم نحن الناس مع كل أنواع الذل المفروضة علينا، نسعى إلى تجميد المأكولات في النهار وإضافة الثلج إليها في ساعات الليل حين تُقطع الكهرباء كي لا تفسد في البرّاد. نقتصد المياه ونستخدمها عند الحاجة. نعوّد آذاننا على أصوات مولّدات الكهرباء، ونقف لساعات وساعات في طوابير لا تنتهي أمام محطّات الوقود.

هذه الطوابير تضم حكايات الناس وأهدافهم، رغبتهم بالتنقل والوصول إلى العمل أو العودة إلى المنزل وحقّهم الأساسي بتحريك أجسادهم، لكن كما كل شيء آخر يحدث في لبنان تحبس الأجساد على الطرقات وفي السيارات لأن الوقود غير متوفّر.


أصحاب المحطّات والاحتكار

بحسب عامر. أ، وهو مالك محطّة وقود في جنوب لبنان، لا يفهم النّاس خلفيات ما يحدث في السوق. فهم يصلون إلى المحطّة ويطالبون بتعبئة سيارتهم حسب حاجتهم إلا أن هذه الحاجة لا يمكن تلبيتها، ويشرح: “التقنين الذي نشهده هو نتيجة عدم استلامنا للكميات المطلوبة من الوقود التي كنّا نستلمها قبل الأزمة. في السابق كنّا نطلب من الشركة الكمية التي نحتاجها وتقوم الأخيرة بتأمينها. فمثلًا قبل الأزمة كنت أستلم 3000 لتر من البنزين أما اليوم فاستلم 2000 وبالتالي لدي كسر 1000 لتر أضطر إلى التقنين بسببه”.

يؤكّد عامر أن هذا التقنين ليس هو مسبّب الأزمة وأن الاحتكار ليس من المحطّات التي تحتفظ بكميات قليلة من البنزين وتفرّغ أغلب محتواها اليومي، بل إن الأزمة الحقيقة للوقود مرتبطة بعدّة عوامل أوّلها عدم توقيع مصرف لبنان على الاعتمادات وتأمين البنزين. وثانيًا من الشركات المستوردة وتلك الموزّعة، والتي تعتبر الحلقة الأقوى، وثالثًا بسبب التهريب الذي يحصل من لبنان إلى سوريا. ويضيف عامر أن هلع الناس والسوق السوداء التي ولدت للتجارة بالمحروقات يضاعف حدّة الأزمة. ولذلك يعتمد أصحاب المحطّات على توزيع المخزون اليومي من الوقود بطريقة عادلة على كل السيارات،فمثلًا اليوم سيتلقى عامر 4000 لتر من البنزين أي ما يعادل حاجة 200 سيارة. إذا أراد أن يحصل جميع زبائنه على الوقود عليه أن يقسّمها بالتساوي بينهم.

وجوه الناس في الطوابير ممتزجة بالغضب والقهر والرغبة في البكاء، على أوتوستراد الدامور يدفع سائق التاكسي بسيارته ليصل إلى المحطّة

يقول: “ربحنا الصافي من تنكة البنزين الواحدة صار يعادل الألف ليرة لبنانية، أي لا قيمة لعملنا. وبالتالي نحن نقدّم خدمة لا نربح فيها وفي الوقت عينه لا نخسر. وبما أن الكميّات التي نحصل عليها لا تكفي لنحقّق الأرباح يبقى الحل الوحيد هو عبر رفع الجعالة أو حتّى عبر رفع الدعم جزئيًا. كما هناك أخبار متداولة حول استيراد محروقات غير مدعومة وتصريفها في الأسواق حيث سيصل سعر التنكة الواحدة إلى 120000 ليرة لبنانية، وفي الوقت عينه سيتم الحفاظ على البنزين المدعوم بشكله الحالي”.

"يا ريتني متت بالانفجار"

في طابور طويل يمتد من منطقة كليمنصو إلى شارع فرعي في الحمراء تجلس السيدة تيريز في سيارتها منذ ساعة ونصف الساعة ليصل دورها وتعبّئ سيارتها بكميّة وقود لا تتخطّى قيمتها الـ 30000 ليرة لبنانية، تقول لرصيف22: “يا ريتني متت بالانفجار وما قعدت هالقعدة”. وتضيف: “أنا هنا اليوم لأنّني مجبورة، لأن أبي المصاب بالسرطان عليه الذهاب إلى المستشفى يوم غد في سيارتي من منطقة الجميزة إلى كليمنصو حيث سنختبر أنواعاً أخرى من الذل الطبي والأسعار غير الإنسانية”.

كانت تيريز قد تقاعدت من عملها الحكومي قبل سنوات وظنّت أنها ستعيش ما تبقى من سنوات حياتها بسلام في منزلها في منطقة الجمّيزة، إلا أنها منذ العام الماضي أدركت أنها كما نجت في شبابها من الحرب عليها أن تنجو من الانفجار ومن الانهيار الاقتصادي. تقول: “هجّرت أولادي إلى الخارج، وفعلًا أنا اليوم ممنونة لهذا القرار وإلا كنّا سنموت من الجوع، المصارف أخذت كل أتعابي ولولا عائلتي المغتربة ودولاراتها لما كنّا قادرين على العيش في هذا الوضع القائم. سيأتي دوري بعد حوالي النصف ساعة. سأملأ سيارتي بالقليل من الوقود لأعود إلى المستشفى وأجلب أبي ونذهب إلى منزلنا الذي رمّمناه بعد انفجار 4 آب، وهكذا سنعيش يومياتنا إلى أن يأتي اليوم الذي نرحل فيه من هذه البلاد أو نقتل فيها”.

استقالة سائق التاكسي

وجوه الناس في الطوابير ممتزجة بالغضب والقهر والرغبة في البكاء، على أوتوستراد الدامور يدفع سائق التاكسي بسيارته ليصل إلى المحطّة. هذا الرجل الخمسيني يدفع بلقمة عيشه أمام الجميع لكي يعود إلى عمله الذي لن يربح منه شيئًا. وبحسب أبو حسين وهو سائق تاكسي يعمل بين بيروت وصيدا، انتهت مهنته التي يعتاش منها، يقول: “هناك من يرتدون الملابس الرسمية للذهاب إلى مكاتبهم، هناك من يخبزون وهناك من يعملون مثلي “على الخط” ونحن لا يمكننا أن نعمل من دون وقود. تحتاج سيارتي إلى ما يعادل الـ 25000 ليرة لبنانية من البنزين يوميًا للتنقل بين صيدا وبيروت والمحّطات ترفض أن تعطيني هذه الكميّة ولذلك صار من الأوفر أن أبقى في المنزل كرجل عاطل عن العمل. على محطّات الوقود يتشاجر الناس ويضرب بعضهم بعضاً بالخراطيم، وهذا مشهد كنّا قد رأيناه في الدكاكين والمتاجر حين كانوا يتشاجرون على أكياس الأرز وعلب الحليب. الأسبوع الماضي قدّم أبو حسين استقالته من عمله، فمالك السيارة يريد أن يتلقّى أجره الأسبوعي 80000 ليرة في الوقت الذي لم يعد بإمكان أبو حسين أن يعمل لأكثر من أربع ساعات في النهار. يقول: “الطوابير الممتدّة على كل طرقات لبنان تسبّب زحمة سير خانقة، وبالتالي أخسر أغلب كميّة الوقود أثناء قيادتي على الخط الواحد الخالي من الطوابير، وفي المقابل لنقل إني وصلت بيروت فالمشهد عينه يتكرر لأن المدينة أقفلت على نفسها وصارت غير قابلة للتحرّك. كما أن قلق البنزين الذي سيطر علي في الفترة الأخيرة صار غير محتمل، ولذلك سأعود إلى منزل عائلتي في القرية، أزرع حاجتي من الطعام وأعيش بعيدًا عن كل المأساة التي صنعناها والتي ندفع ثمنها وحدنا، والتي صارت تكلّفني أعصابي وأموالي.

غابة العصابات وغلّة المال

عبر صفحته على فيسبوك يطلب نديم ر. المساعدة ويكتب: “بدي بنزين ببيروت مقطوعة سيارتي وما قادر حركها، مين بفيد؟”. تأتي الإجابات لتدلّه على المحطات القريبة منه، وأخرى تشرح مأساتها الخاصّة، مثل: “وقفت اكتر من ساعتين بالدور بس وصلت عالمحطة قال بطل في بنزين”.

في حديث لرصيف22 يشرح نديم ما حصل معه: “كنت أريد الوصول إلى مكان عملي في بيروت، وكنت أعلم أن كمية الوقود في سيارتي محدودة. وصلت إلى العاصمة في الصباح الباكر وأخذت دوري في الطابور، بعد حوالي الساعة من الانتظار في منطقة مار مخايل سمعت صاحب المحطّة يقول: “سكّرنا سكّرنا بطّل في بنزين”.

 “بَدّو ينقطِع البنزين بهَاليومين مش رح ينقطعوا الإجرين”

يصف نديم المشهد بأن العصابات تتحكّم بحياة الناس وتكذب عليهم، وأن المافيات المنظّمة تتّخذ قرارات مرتبطة بحياتنا اليومية. يقول: “لا يمكن التفاهم مع هؤلاء، إذ إنهم لن يهتمّوا بفكرة أنني مواطن انقطعت سيارته قرب المحطّة وعليه أن يملأها بالوقود كي يذهب إلى عمله ولا أملك واسطة. أملك فقط حقّي بالتحرّك".

في المحطّة يقول نديم إنه أراد أن يبكي وسط الهستيريا التي شهدها، الناس تصرخ، الغالونات تتطاير والسيارات "المفيّمة" تدخل وتأخذ حاجتها من الوقود. بالإضافة إلى أن وزارة الداخلية عمّمت عدم السماح بتعبئة الوقود في الغالونات.

في النهاية استطاع نديم أن يؤمن القليل من الوقود ليذهب إلى مكان عمله، ومن ثم ذهب إلى طابور آخر في الحازمية حيث سُمح له بتعبئة وقود بقيمة 20000 ليرة لبنانية بينما سيّارات أخرى “VIP” يدفع أصحابها قيمة مضاعفة لتعبئة كل خزّانهم. خرج نديم من بيروت وتوقّفت سيارته عن العمل قرب مفرق منطقة الغازية، حيث تركها لليوم التالي وذهب إلى منزله في وسط القرية مشيًا.

أنا هنا اليوم لأنّني مجبورة، لأن أبي المصاب بالسرطان عليه الذهاب إلى المستشفى يوم غد في سيارتي

يكمل زياد الرحباني أغنيته: “يمكن رح تنقطع المَي بهاليومين منرجع منعَبّي من العين. بدّو ينقطع البراد بهاليومين منسَقّع بَين النهرين. رح ينقطع الأمل الباقي بهاليومين مننطر لسنة الألفين“.

في الشوارع تجّار المياه يملأون خزانات الفنادق، في الشوارع أيضًا يُقتل الرجل على محطّة البنزين، ويلجأ آخرون لإقامة احتفال يعلنون فيه عدم انكسارهم أمام الأزمة. ونحن اليوم قطعنا سنة الألفين بأكثر من عشرين سنة والأزمة صارت هي المسيطرة على كل جوانب حياتنا. اختفى الأمل وصار القلق حاكمًا على يوميات الشعب اللّبناني. هناك من يعتبر أن الأخير يجني ما زرعه وأن طوابير الذل هي من صنع يديه لأنه هو الذي انتخب الطبقة الحاكمة. هناك من يستقيل من عمله ومن لا ينتظر في الطابور لأنه يملك “واسطة”. ولم يعد يهم كل هذا، ما يهم اليوم هو النجاة من السجن الذي نعيش فيه والذي يحرمنا من الماء، والكهرباء، والأدوية، والوقود ومن أموالنا المحجوز عليها في المصارف. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard