واشنطن والمسيحية الصهيونية ونهاية العالم... الأرض خصبة للوبي عربي أو إسلامي

واشنطن والمسيحية الصهيونية ونهاية العالم... الأرض خصبة للوبي عربي أو إسلامي

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 12 مارس 202614 دقيقة للقراءة

في مقابلته مع المذيع الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون، سأل المذيع سفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي، عن مستقبل إسرائيل الكبرى، والتي تشمل جميع الأراضي بين النيل والفرات، فأجاب السفير: "ليأخذوها كلّها". هذا السفير لم يتوقف فقط أمام ضمّ الضفة وغزة إلى إسرائيل، بل يعتقد بأحقية الكيان الصهيوني الإلهية للمنطقة بأسرها.

لا يرى هذا السفير الفلسطينيين كأصحاب أرض وتاريخ، أو أنّ لهم حقوقاً قانونيةً، وواجباً للحماية. حتى الفلسطينيون من حاملي جوازات السفر الأمريكية، انتقدوا إهماله المتكرر لهم، واستهداف أرواحهم وأراضيهم من قبل الجيش الإسرائيلي والمستعمرين، دون تبعات قانونية أمريكية.
هذا المستوى من الإذعان والإيمان بالكيان الصهيوني جعل المذيع الأمريكي يقول إنّ أهواء السفير تصبّ في مصلحة إسرائيل أولاً على حساب بلده الأمّ.

لكن التعمق في معتقدات السفير هاكابي، يجعل من إجابته منطقيةً جداً في حدود معتقداته كـ"مسيحي صهيوني". وكما سأعرض في هذا المقال، هذا المعتقد له جمهور واسع، وتأثير كبير على السياسة الأمريكية.

إجابة السفير حول أحقية إسرائيل ليست موضعاً للنقاش أمام جمهوره، لأنّ نقاشها هو إنكار لكلام الله المنزل في العهد القديم (سفر التكوين)، حيث يأتي في الإصحاح الثاني عشر، المقطع الثالث للنبي إبراهيم وأبنائه من بعده: "وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ".

هذا هو الكتاب المقدس نفسه الذي تشترك في الإيمان به مختلف الطوائف المسيحية، كالكاثوليكية، والأرثوذكسية، والإنجيلية على أنواعها. لكن الطوائف التي تتبع التيار المسيحي الصهيوني تختلف عن غيرها في فهم العالم، وفي تفسيره في ما يصبّ في مصلحة المشروع الصهيوني. فما هي المسيحية الصهيونية؟

المسيحية الصهيونية

ترجع المسيحية الصهيونية إلى الجذور البروتستانتية، والتي تؤمن باتّباع نص الكتاب المقدس بالحرف Sola scriptura. وهو شبيه في ذلك بالتيار السلفي مثلاً في الإسلام، الذي يرفض أي تأويل أو رمزية في النص القرآني. على سبيل المثال، حين تعتبر الكنائس الرئيسة الأخرى بأنّ الله بارك العالمين أجمعين في مقطع "أبارك مباركيك"، يرى هذا التيار الإنجيلي بأنّ المباركين هنا هم فقط اليهود، وأنّ النص الإلهي يعنيهم دون غيرهم.

نحو 30 مليون أمريكي يصنّفون أنفسهم كـ"مسيحيين صهاينة"، يتركز معظمهم في الجنوب المعروف بمنطقة "الحزام الإنجيلي"، ويشكلون الثقل الأكبر في دفع السياسة الخارجية لدعم غير مشروط لـ "المشروع الصهيوني"

خلال القرن الثامن عشر، ظهر في الولايات المتحدة مبشّر إنجيلي يدعى جون نيلسون داربي، برسالة مفادها أنّ لدى الله مشروعَين منفصلَين، واحد على الأرض لدولة إسرائيل، وواحد في السماء للمسيحيين المخلصين. لكن مشروع اليهود على الأرض ستتكفّل به الذات الإلهية. لم يكن أوّل من نادى بوطن لليهود في فلسطين، فقد سبقه القائد الفرنسي نابليون بونابرت إلى ذلك. يُعدّ داربي اليوم الأب الروحي للتيار المسيحي الصهيوني، برغم أنّ معتقداته تختلف عما ينادي به قادة هذا المعتقد حالياً.
خلال القرن العشرين، بدأ مبشّرون آخرون بتطوير هذه الفكرة حتى أصبحت اليوم مشروع المسيحيين الصهاينة، والذي يتوجب فيه على المسيحيين العمل على تحقيق الخطة الإلهية. حسب هذا المشروع، فقد تمّ ربط الكيان الصهيوني في فلسطين بوعد الله حول مشروعه على الأرض. اعتبر مناصرو هذا المشروع أنّ إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين أرّخ لنهاية "الحقبة البشرية"، ونقطة تحوّل ستؤدي إلى نهاية العالم، أو يوم القيامة.
ويأتي دور المسيحيين المخلصين في تسريع سيطرة اليهود على أرض إسرائيل، وهنا نعني أرض إسرائيل بالمعنى التوراتي من النيل إلى الفرات، من أجل ضمان عودة المسيح في ما يسمّونه "العودة الأولى". وفي هذه العودة، بحسب سفر رؤيا من العهد الجديد، سيرفع المسيح أتباعه المخلصين إلى السماء. بعد سبع سنوات من تخليص المؤمنين من العذاب، ستقوم الساعة، والتي تتمثّل في معركة طاحنة بين المسيح وأعداء المسيحية، سيصل فيها الدم "إِلَى لُجُمِ الْخَيْلِ" (سفر رؤيا 14:20).

المضحك في هذه الرواية، وفي تفسيرها لمقاطع في العهد القديم، هي أنها تتنبّأ بأنّ ثلثَي يهود العالم سيموتون في هذه الحرب، بينما يعترف الثلث الأخير بألوهية المسيح ويعتنق من بقي من اليهود المسيحية من أجل الخلاص. لذلك فإنّ فداء المشروع الصهيوني بكل ما يملكه المسيحيون الصهاينة، هو ضمان لعودة المسيح ونهاية العالم المادي. لكن كل ما يقوم به أتباع هذه الديانة له تأثيرات كبيرة على المجتمع الأمريكي وسياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل.

قوة الجنوب

نحو 30 مليون أمريكي يصنّفون أنفسهم كـ"مسيحيين صهاينة"، يتركز معظمهم في الجنوب الأمريكي المعروف بمنطقة "الحزام الإنجيلي". تنتشر في هذه المنطقة الواسعة، والتي تضمّ ولايات أمريكيةً عدة، ثقافة الكنيسة والتدين، ويشكلون الثقل الأكبر في دفع السياسة الخارجية الأمريكية لدعم غير مشروط للمشروع الصهيوني. يفوق ثقلهم في المجتمع والسياسة الأمريكية تأثير اللوبي اليهودي. وتُعدّ منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" إحدى أكبر الداعمين، ويصل أعضاء المنظّمة إلى 10 ملايين شخص. هذه الأعداد من المناصرين تجعل من ثقل المعتقد المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة أكبر من نظيره الأوروبي.

مَثّلَ صعود الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، نقلةً نوعيةً لهذا التيار في سبعينيات القرن الماضي. ينتمي كارتر إلى هذا المعتقد الإنجيلي، والذي يعدّه البعض من أصحاب النفوذ في الولايات المتحدة من الطبقات المتدنية أو الرجعية. اختار كارتر شعار حملته الانتخابية "الولادة الجديدة"، واضعاً انتماءه الديني إلى هذه الطائفة في الواجهة. فاز كارتر في معظم ولايات "الحزام الإنجيلي" برغم أنه ديمقراطي، وهو أمر ربما يكون شبه مستحيل أمام أيّ مرشح ديمقراطي اليوم. لم يكن كارتر إنجيلياً تقليدياً، لكن معتقده الإيماني كان متوافقاً مع المسيحية الصهيونية في ما يتعلق بإسرائيل، حيث اعتبر قيام الكيان الصهيوني تحقيقاً للوعد الإلهي.

كانت حقبة السبعينيات فترة صحوة لأتباع المعتقد الإنجيلي اليميني في الولايات المتحدة، بعد أن أحسّ هؤلاء بأنّ أمريكا في خطر. جاء هذا الخطر بسبب قوانين المحكمة العليا الأمريكية التي سمحت بالإجهاض، ومنعت المدارس التي تقبل فقط بالتلاميذ البيض من الحصول على إعفاءات ضريبية من الحكومة. كانت قرارات المحكمة العليا تتجه منذ الستينيات نحو الانفتاح والعلمانية، في ما اعتبره القادة الإنجيليون حملةً يقودها العلمانيون ضدّ هوية أمريكا المسيحية.
ظهرت منظمات مثل Moral Majority، والتي لاقت شعبيةً كبيرةً، وكان الهدف منها دفع الإنجيليين إلى الانخراط في العمل السياسي. نجح رئيس المنظمة، القس جيري فالويل، في خلق برنامج تلفزيوني شعبوي يشاهده الملايين، وجمع شمل هذا التيار تحت راية واحدة.

استفاد ترامب من التيار الإنجيلي، فأنشأ في ولايته الأولى فريقاً من المستشارين الإنجيليين، وفي الثانية منصباً جديداً في البيت الأبيض يسمّى "مكتب الإيمان"، ومنحهم تأثيراً أكبر على القرارات.


برغم أنّ الرئيس كارتر كان من الخلفية الدينية نفسها، إلا أنّ آراءه كرئيس ديمقراطي لم تتوافق مع هذه الصحوة. استطاع فالويل أن يشحذ الكثير من أتباع هذا التيار لبرنامجه السياسي، وطالبهم بدعم الحزب الجمهوري، وتحديداً المرشح رونالد ريغان.

دعوة إلى البيت الأبيض

اكتسح ريغان الانتخابات الرئاسية على حساب كارتر، وهناك أسباب عدة لنجاحه، غالبيتها اقتصادية. لكن التيار المسيحي الصهيوني لم يكن معجباً بمعاهدة السلام مع مصر، والتي ساعد كارتر في إبرامها، لأنهم كانوا يرون في سيناء جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل. وبرغم أنّ أشخاصاً مثل جيري فالويل كانوا موضع لغط وانقسام، حتى داخل التيار الإنجيلي نفسه، إلا أنّ ريغان قام بدعوة الأخير إلى البيت الأبيض. كانت هذه الدعوة خطوةً جديدةً لم يقدم كارتر أو الرؤساء الأمريكيون من قبله على القيام بها. كما أنّ الخطاب الذي اتبعه بعض السياسيين الذين عيّنهم ريغان في مناصب رفيعة، تكلّم بصيغة الواجب الإلهي في قيام الساعة وأهمية مساعدة إسرائيل.

اهتم الإسرائيليون بنجاح جيري فالويل. فعندما قامت إسرائيل بضرب المفاعلات النووية العراقية التي كانت قيد الإنشاء عام 1981، اتصل الرئيس الإسرائيلي آنذاك، مناحيم بيغن، بجيمي فالويل، ليطلب منه المساعدة في حشد الجمهور المسيحي الإنجيلي، بعد أن انتقد سياسيون أمريكيون العدوان الإسرائيلي. بيغن اتصل بفالويل قبل أن يهاتف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

استغل القساوسة الصهاينة دعوة ريغان، وبدأوا يعملون على خلق لوبي قوي في العاصمة واشنطن. عندما أصبح جورج بوش الأب الرئيس الجديد، قال معلّقاً على قراره تأجيل إرسال الدعم المادي إلى إسرائيل: "هناك ألف شخص يعملون كلوبي لإسرائيل في الكونغرس اليوم، وأنا شخص صغير ضعيف أحاول تأجيل هذا الدعم لـ120 يوماً". معظم هؤلاء الأشخاص الذين شكّلوا هذا اللوبي كانوا من التيار المسيحي الصهيوني، ويعطينا هذا فكرةً عن قوة هذا اللوبي، وتركيزه على البرنامج السياسي خلال فترة ولايتَي ريغان.

المد والجزر

من المهم هنا أن نؤكد على أنّ أولوية ريغان كانت تطبيق منهجه الاقتصادي المعروف بالـReganomics، والذي كان يهدف إلى زيادة ثروة أصدقائه، ومضاعفة الإنفاق العسكري، وغيرها من السياسات الاقتصادية. ريغان استخدم التيار الإنجيلي كوسيلة للوصول إلى السلطة، ولم يعمل على تغيير قرارات المحكمة العليا التي أغضبت المسيحيين المحافظين، وكان فشل سياساته الاقتصادية أيضاً عاملاً في إضعاف تأثيرهم السياسي.

مع وصول جورج بوش الأب إلى السلطة، كان عليه أن يتعامل مع أزمة الدين العام الذي تضاعف ثلاث مرات. كانت خيارات بوش الأب براغماتيةً، ولم يحظَ الإنجيليون المحافظون بالدعم نفسه الذي حظوا به في عهد ريغان.

ردّاً على ذلك، بدأ أتباع هذا التيار يفضّلون العمل على الأرض، والتصويت للمرشحين السياسيين، بدل الانخراط في السياسة بشكل مباشر. كما فقدت المنظمات التي دفعت إلى العمل السياسي مثل Moral Majority، الكثير من الدعم المادي حتى اندثرت.

استمر اهتمام المسيحيين الصهاينة بالحراك على الأرض بدل الانخراط المباشر في السياسة في عهد كلينتون. كان ذلك واضحاً مثلاً عندما تدخّلوا لمنعه من الضغط على نتنياهو في تسعينيات القرن الماضي. لكن عهد جورج بوش الابن كان فرصةً لانتعاشهم، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. كانت فترة حكم بوش أيضاً نقطة البداية لمنظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل"، والتي قامت بالكثير من الضغط الممنهج لضمان ألا يقبل بوش بأن تتنازل إسرائيل عن أي أرض لصالح الفلسطينيين. ولكن حتى بوش المتديّن، لن يكون عهده ولو نقطة في بحر دونالد ترامب الذي فتح الباب واسعاً أمام المسيحيين الصهاينة ليلعبوا الدور السياسي الذي طالما تمنوه.

أنا البحر في أحشائه…

دخول ترامب إلى الساحة السياسية كان نقلةً نوعيةً للمسيحيين الصهاينة في التمثيل السياسي. وصل بعضهم إلى قيادة السياسة الخارجية الأمريكية مثل نائب الرئيس في ولايته الأولى، مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، وسفيرة أمريكا في الأمم المتحدة نيكي هيلي.

قام ترامب بما لم يقُم به أيّ رئيس أمريكي سابق، فنقل السفارة الأمريكية إلى إسرائيل، ثم اعترف بالجولان كجزء من إسرائيل، وامتنع عن دعم وكالة الأونروا، واعترف بالمستوطنات الإسرائيلية، ورفع الحظر عن العدد المحدود من المستوطنين الذين قاموا بأعمال قتل وتخريب، وعيّن هاكابي سفيراً لإسرائيل برغم أنه من المتشدّدين في معتقده المسيحي الصهيوني، والآن يهاجم إيران دون نهاية واضحة للحرب من أجل إسرائيل أيضاً.

استغل القساوسة الصهاينة دعوة ريغان، وعملوا على خلق لوبي قوي في واشنطن. وعندما أصبح جورج بوش الأب رئيساً، قال معلّقاً على قرار تأجيل إرسال الدعم المادي إلى إسرائيل: "هناك ألف شخص يعملون كلوبي لإسرائيل في الكونغرس، وأنا شخص صغير ضعيف أحاول تأجيل هذا الدعم لـ120 يوماً"

القساوسة الذين يقودون التيار المسيحي الصهيوني بدأوا ينادون ترامب بالملك الفارسي "قورش" خلال ولايته الأولى. كان ذلك إشارةً إلى الملك الفارسي الذي حرّر اليهود من الأسر البابلي، ومهّد لبناء الهيكل الثاني في القدس قبل الميلاد. كما اعتبر مؤسس "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل"، جون هيجي، أنّ ترامب أهم رئيس في البلاد منذ هاري ترومان الذي اعترف بالكيان الصهيوني عام النكبة.

استفاد ترامب من التيار الإنجيلي، خصوصاً ممن ادّعوا أنه مدعوم من الله، لأنه يضمن بذلك ولاءهم الكامل. أعجبه أيضاً الغلو في المديح، وهو ما يوفّره هؤلاء القساوسة أيضاً. فأنشأ في ولايته الأولى فريقاً من المستشارين الإنجيليين، وفي ولايته الثانية منصباً جديداً في البيت الأبيض يسمى "مكتب الإيمان" لتقوية علاقاته بالفئة المتديّنة البيضاء، ومنحهم تأثيراً أكبر على قرارات البيت الأبيض.

وقت الثبر

المجتمع الأمريكي، مثله مثل بقية المجتمعات، يهتم بالرخاء الاقتصادي أكثر من أي شيء آخر. تؤثّر عجلة الاقتصاد، وما يمثلها من ضرائب على المواطنين، وسهولة الحصول على الوظائف، في القرارات التي يأخذها الناخب الأمريكي وقت التصويت. هناك بالطبع أمور أخرى أصبحت مهمةً اليوم، خصوصاً عند المواطنين البيض، كالهجرة كما أوضحت في مقال سابق. لذلك، ليس مستغرباً اليوم أنّ الجيل الجديد من الإنجيليين المحافظين في الولايات المتحدة بدأوا يشعرون بأنّ إسرائيل عبء اقتصادي عليهم. ربما يكون هذا أيضاً السبب في أنّ مذيعاً مثل تاكر كارلسون أصبح ينتقد إسرائيل في العلن، بعد أن كان خلال مسيرته المهنية مدافعاً صلباً عنها.

لا أعتقد أنّ الدافع هنا إحساسه الشخصي فقط، بقدر ما هو ملاحظته لتغيّر على الساحة داخل أوساط جمهوره المتديّن. لم يتردد كارلسون في هذا النهج برغم الهجوم الكبير الذي يتعرض له، ولم يتأثر بوصفه "المعادي الأوّل للسامية عام 2025". كارلسون ليس الوحيد الذي غيّر خطابه الإعلامي، فهناك آخرون من المؤثرين الإنجيليين مثل كانديس أوين، وستيف بانون.

بعد الإبادة الجماعية في غزة، وفشل سياسات ترامب الاقتصادية، ثمّ التدخل في فنزويلا، فالحرب على إيران، بدا السخط واضحاً لدى أعداد كبيرة من اليمين. وجد هؤلاء في سياسات ترامب تراجعاًعن شعار "أمريكا أولاً"، وفي دعمه لإسرائيل تناقضاً مع أولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية. وبدأنا نسمع آراء في العلن تنتقد تمكّن الإسرائيليين من الاستمتاع بنظام صحي مجاني بينما يعاني الأمريكيون من نظام صحي متداعٍ.

من ناحية أخرى لا تطبق الحكومة الإسرائيلية سياسات تتوافق مع معتقدهم الإيماني، مثل السماح بالإجهاض، وتأجير الرحم.

من الطبيعي أن ينحدر الإعجاب بإسرائيل، على مبدأ المد والجزر، بعد أن كان أتباع هذا المعتقد يدعمونها من غير سؤال. وربما يكون إسراع نتنياهو في الضغط لحرب على إيران بهدف تغيير نظامها السياسي، خطوةً لضمان سيطرة إسرائيل على المنطقة كلها قبل أن تتغير السياسة الأمريكية تجاهها. فالدعم غير المسبوق الذي يقدّمه ترامب لن يستمر، وإن استمرّ اليمين المحافظ في التحكّم في السياسة الأمريكية، لأنّ هذا التيار نفسه يتغيّر اليوم.

لكن الغريب هو افتقار الساحة الإعلامية الأمريكية إلى لوبي أو مؤسسات إعلامية، بتمويل عربي أو إسلامي، يتحدث إلى هذه الفئة من المتدينين في الولايات المتحدة. ما زال هناك الكثير في أمريكا ممن لا يعرفون أنّ هناك مسيحيين فلسطينيين، ومسيحيين عرباً، وأنّ إسرائيل تضطهد المسيحيين بشكل يومي.

الأرض خصبة لتقديم رسالة جديدة لهذا الجمهور الذي بات منفتحاً لأجندة جديدة تجمع مصالحه مع مصالح دول أخرى في المنطقة العربية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard
Popup Image