بين اللقاح والحجر... هل سيتغلّب خيار الحياة على العقيدة؟

الجمعة 19 فبراير 202102:38 م

الحجر الأوّل

حين أعلنت كل دول العالم الإغلاق التام خلال العام الماضي، كواحدة من الوسائل لمحاربة تفشي وباء كورونا، لم نعِ نحن كبشر ما هي تداعيات هذا القرار على طبيعتنا، ولأن أكثرية الذين يعيشون على هذا الكوكب في الوقت الحالي لم يختبروا فكرة "الحجر" تمّ التعامل معه في البداية على أنه تجربة فُرضت علينا لكن يمكن الإستفادة منها ريثما يتم تصنيع اللّقاح، وهذا ما حدث في لبنان، وتحديدًا في بيروت، حيث بدأ الناس يغنّون من على شرفات منزلهم، وبدأ آخرون بـ "رحلة اكتشاف الذات"، خسر الكثيرون أعمالهم، بينما صارع آخرون كي يحافظوا على إنتاجهم اليومي وطالبوا الدولة بتعويضات ماديّة لم يتم تأمينها طبعًا. في تلك الفترة صارت صفحة موقع "عدّاد كورونا" ظاهرة على شاشاتنا طوال اليوم، حيث كنّا نشاهد أرقام الذين نجوا وأرقام الذين قضى عليهم الوباء، وتعاملنا مع أجسادنا بفائض حذر من كل ما هو خارجي، تلاشى الخوف قليلًا بعد إعادة فتح البلاد تدريجيًا، واختفى نوعًا ما بعد إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس، حيث كان حجم الموت الذي اختبرناه أقوى وأعنف من أي فيروس، وبالتالي الأخير لم يعد هو الخطر الأساسي على حياتنا، لكن الخوف عاد حين فقد القطاع الصحي في لبنان السيطرة على تفشي الوباء، وبدأت الأرقام الكارثية بالظهور يوميًا مع ارتفاع عدد الموتى، وعدنا لانتظار اللقاح، الذي وصل الأسبوع الماضي حيث تسلم لبنان 28,500 جرعة من لقاح فايزر-بييونتيك المضاد لفيروس كورونا كدفعة أولى آتية من بلجيكا، ولأسباب خالية من مفهوم الإنسانية، وأسباب أخرى لها علاقة بقناعات الأفراد الشخصية، انقسم الناس بين من يهرعون لتلقي اللقاح وبين من يرفضونه.

أميركا الشيطان الأكبر

من قريته الجنوبية في "الصرفند" يحكي أبو محمد الذي يملك مزرعة صغيرة، ويعمل كسائق تاكسي عن وباء كورونا، ويسأل: "يعني عنجد هيدا المرض خطير؟"، تشرح له الراكبة، أنه خطير جدًا، وعليه توخّي الحذر وتلقي اللقاح بأسرع وقت ممكن لأن الفيروس قد يقضي على من هم بعمره، والكثير من سكان المنطقة خسروا معركتهم معه. يجلب "أبو محمد" الكمامة التي علقها قرب المرآة ويضعها على وجهه. يسكت قليلًا كأنه غير مقتنع بالكامل ويضيف: "بس السيد قال أنو ما رح ياخد اللقاح الأميركي. ومعه حق ما منعرف شو في وأميركا بدا تجربه فينا مش على شعبها"، تجيبه الراكبة: "كل دول العالم عم يطعموا شعبن، مش صحيح هالحكي، وشرعيا لازم تحمي حالك"، لكنّ أبو محمد ورغم الخوف الظاهر عليه لم يقتنع وختم حديثه بالقول: "هياني منيح، ما رح يصرلي شي، أميركا ما بيجي منها إلا العاطل لأنها الشيطان الاكبر".

"بس السيد (حسن نصرالله) قال أنو ما رح ياخد اللقاح الأميركي. ومعه حق ما منعرف شو في وأميركا بدا تجربه فينا مش على شعبها". هكذا يتلاعب رجال السياسة مرتدو العمامة باللبنانيين اليوم

على مواقع التواصل الإجتماعي، نرى الخطاب نفسه، من خلال منشورات مثل: "بس يقول سماحته خدوا اللقاح باخده، وغير هيك ما في".

في إحدى الصيدليات في منطقة الوتوات في بيروت، تقول لي صديقتي إنها سمعت الحديث نفسه يدور بين رجل وامرأة مقتنعين بأن هذا اللقاح ليس سوى مؤامرة، هدفها القضاء عليهما، وانهما سيكونان بحال أفضل في حال عدم الحصول عليه.

لكن هذا الأمر لا ينطبق على "منير" "اسم مستعار" 64 عامًا فعلى الرغم من ولائه التام للمقاومة إلا أنه بحسب قوله يفصل خطّه السياسي عن ذلك الصحي: "هناك حقيقة علمية مثبتة من جهات عالمية ومتخصّصة تبرهن لي أن هذا اللقاح فعّال، لن أنتظر حلول الموت عليّ، إلى حين وصول لقاح آخر يتم الموافقة عليه سياسيًا. أنا رب عائلة، وجد أريد أن أعيش حياةً طويلة مع عائلتي، داخل جسد خالٍ من الأمراض. في حال أصبت بمرض مستعصٍ بامكاني القول إنه قضاء وقدر، لكني اليوم أملك عقلًا، وهذا العقل يقول لي إن خيار الشفاء أمامي، وإنه من الإثم أن أتسبب بأذية متعمدة على نفسي طالما أن العلاج موجود. عدم تلقي اللقاح يُعدّ انتحارًا، وأنا رجل مؤمن".

في كلمة له، بثّت بتاريخ 13 – 3 – 2020، بدأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حديثه، بالموضوع الاكثر إلحاحًا، وهو تفشي وباء كورونا المستجد، وقال: "طبعاً أنا لن أتدخل ولن أتطرق للأمور التخصصية هذه مهمة الجهات المختصة في وزارة الصحة، الأطباء، منظمة الصحة العالمية إلى آخره، وبالتالي ما سمعتموه وما قالوه خلال كل الأيام والأسابيع الماضية هذا أنا لن أعيده ولن أكرره ... هذه لم تعد معركة في بلد وإنما هي في الحقيقة حرب عالمية، إلى أن يكتشف العالم دواءً وعلاجاً لهذا الوباء ولهذا المرض، إلى ذلك الحين الهدف يجب أن يكون هو الحد، يعني منع انتشار هذا الوباء، الحد من الخسائر البشرية... الأمور الأخرى تعوض، التعليم، العام الدراسي، الاقتصاد، التجارة، الصناعة – وإن كان في لبنان “مش مقتل بعضو” – لكن بكل الأحوال كل ما له قيمة دون الحياة الانسانية يمكن أن تجد له تعويضاً في يوم من الأيام، الأولوية هي للحفاظ على الناس، على حياتهم، على سلامتهم، على بقائهم على قيد الحياة، هذا هو الهدف".

كان هذا الخطاب قبل تصنيع اللقاح، بتاريخ 9 – 1 -2021 وبعد إنتاج اللقاح، القى الأمين العام كلمته، التي ختمت بموضوع كورونا وقال: "هنا ترى عرس، هنا ‏ترى عزاء هنا ترى غذاء وهنا ترى عشوة... هذا غير جائز يا عالم يا ناس، 5,400 إصابة في لبنان اليوم ‏هذا رقم خطير جداً... حسناً، هذه أميركا، يأخذون اللقاح وزادت ‏الاصابات وزادت الوفيات، وهذه بريطانيا يأخذون اللقاح وزادت الوفيات ‏وزادت الإصابات، لا يقل أحد عندما يأتي اللقاح تزول المشكلة، من هنا ‏حتى يأتي اللقاح ومع اللقاح لن تحل المشكلة إذا أكملنا بهذه الطريقة، ‏المطلوب وقفة، هنا الموضوع لا موضوع أحزاب ولا موضوع طوائف ‏ولا موضوع مناطق، هذا موضوع اللبنانيين وكل المقيمين على الأرض ‏اللبنانية، كل إنسان بشري مقيم على الأرض اللبنانية، يحمل المسؤولية، ‏ويوجد من يؤمن بيوم القيامة سيرى، ومن لا يؤمن سيرون سيتفاجأون ‏أكثر، ان الله سبحانه وتعالى يوم القيامة سيحاسب كل هؤلاء المقصرين ‏كل هؤلاء المذنبين الخاطئين وبعض هؤلاء الذين يرقى عملهم إلى ‏مستوى الجريمة، جريمة القتل المتعمد أو شبه المتعمد".

اختفى الخوف من الوباء بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس حيث كان حجم الموت الذي اختبرناه أقوى من أي فيروس، وبالتالي الأخير لم يعد هو الخطر الأساسي علينا، لكن الخوف عاد حين فقد القطاع الصحي السيطرة على تفشي الوباء، وبدأت الأرقام الكارثية بالظهور يوميًا

بين الخطابين، انتقل الكلام من الخوف على الناس وحياتهم إلى تحميلهم مسؤولية تفشي الوباء وارتفاع الأرقام في لبنان، طبعًا الناس يتحملون مسؤولية فردية، لكن وحدها الدولة تتحمل المسؤولية العامة، فهي التي فتحت البلاد والمطار، ولم تضع روادع قانونية أمام الناس ليلتزموا بها، وذلك كي تحقّق مكاسبها الخاصة، وبرهنت أن القطاع الصحي غير جاهز لتحمل وقع الكارثة، كما انها لم تؤمّن بدائل اقتصادية ومعيشية لأفراد يعيشون أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخ البلد، وبالتالي لا حل أمامهم سوى فتح أماكن رزقهم بالسر كي يؤمّنوا قوتهم اليومي. بالنتيجة، وبمعزل عن التفاصيل، ما حدث هو انه أوجدت في لبنان فئة كاملة من الناس الذين ستبقى حياتهم مهدّدة بسبب فيروس كورونا، وسيهدّدون حياة غيرهم لان هناك من أقنعهم بوجوب عدم تلقي اللقاح الأمريكي، وذلك بأسلوب غير مباشر مبطّن بخطاب الخوف على الناس ومحاسبة الجزء الغير مسؤول منهم، واعتبار اللقاح غير فعّال".

عودة الحياة إلى وجوه العجزة

يوم أمس خرجت "زينب" البالغة من العمر 90 عامًا، مع حفيدتها لتلقّي الجرعة الأولى من اللقاح ، كانت هذه المرة الأولى التي تدوس فيها عتبة المنزل منذ آذار/ مارس الماضي، في شقّتها الواقعة في منطقة "البسطة التحتا" في بيروت، تجلس زينب على كرسيها، تكرّر أيامها، تنسى في أغلب الاحيان ما يحدث في العالم الخارجي لكنها مدركة أن وباءً خطيرًا يقبع خلف جدران منزلها وبالتالي عليها أن تحمي نفسها. مثلها مثل كل كبار السن، الطريق من منزلها إلى المستشفى يوم أمس، كان طريق عودتها إلى الحياة، وخروجها من الخوف. في المستشفى، ما كان من حفيدتها سوى أن تلتقط صورها، كي تحفظ هي اللحظة، والتي بالنسبة لها تمثّل تلاشي شعور العجز "تجاه أكثر امرأة أحبّها في حياتي" فهي اليوم ترى أن جدّتها لن تبقى احتمالًا قد يظهر ضمن أرقام الموتى في عدّاد كورونا.

على مواقع التواصل الإجتماعي وفي الإعلام ظهر الممثّل صلاح تيزاني (93 عامًا) المعروف بـ "أبو سليم" وهو يتلقى الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفيروس كورونا في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، ورؤيته جعلتنا نفرح جميعًا، فهذا الفنان الذي قدّم لنا جزءًا من السعادة في طفولتنا، بإمكانه اليوم أن يرتاح. كما شاهدنا وجوه الرجال والنساء من كبار السن ومن الطواقم الطبية الذين ينقذون حياتنا، وهم يتلقون الجرعة التي ستنقذ حياتهم بعد عام طويل من التعب والجهود التي لم تنتهِ. وفي بلد يأخذ منا يوميًا كل معاني الحياة، ويجبرنا على الجهاد في كل جوانبها، جاءت وجوههم المرتاحة لتذكرنا أن خيار الحياة حين يتوفّر وحتى في أشد الأزمات أهم من كل ما هو سياسي وعقائدي، وأن الطبيعة البشرية في صلبها لا تريد سوى أن تحيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard