السلطة كإرث عائلي… من معاوية بن أبي سفيان إلى مجتبى خامنئي

السلطة كإرث عائلي… من معاوية بن أبي سفيان إلى مجتبى خامنئي

ثقافة نحن والخطاب الديني نحن والتاريخ

الاثنين 9 مارس 202610 دقائق للقراءة

لم تظهر فكرة التوريث السياسي في التاريخ الإسلامي بوصفها مبدأً نظرياً متكاملاً منذ البداية، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية؛ ففي اللحظة التأسيسية للدولة الإسلامية لم يكن هناك تصور واضح لنظام الحكم بعد وفاة النبي، بل تُركت المسألة للاجتهاد السياسي والقبلي والاجتماعي. ومن هنا نشأت فكرة الشورى بوصفها آلية انتقال للسلطة، وهي فكرة بقيت، على الرغم من حضورها الرمزي في الأدبيات الإسلامية، عاجزة عن التحول إلى نظام مؤسسي مستقر.

غير أن هذا الفراغ السياسي سرعان ما فتح الباب أمام تحولات عميقة في مفهوم السلطة. ومع اتساع الدولة وتعقد بنيتها الإدارية والعسكرية، بدأت الحاجة إلى الاستقرار السياسي تتقدم على المثال الأخلاقي للشورى. في هذا السياق بالذات، ظهرت فكرة التوريث السياسي بوصفها حلاً عملياً لمشكلة انتقال السلطة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مبدأ شبه ثابت في نظم الحكم الإسلامية على اختلاف أشكالها.

في الواقع، لم يكن هذا التحول مجرد تطور سياسي عفوي، بل رافقه جهد فقهي وأيديولوجي كبير سعى إلى إضفاء الشرعية عليه. فقد لعب الفقه السياسي الإسلامي دوراً محورياً في إعادة تأويل النصوص الدينية والتجارب التاريخية بما يسمح بتبرير انتقال الحكم داخل الأسرة الحاكمة. وهكذا تحولت فكرة التوريث من استثناء اضطراري إلى قاعدة سياسية، ومن ممارسة واقعية إلى نظرية شرعية تصطبغ بالصبغة الدينية الإسلامية.

لم يكن التوريث السياسي في التاريخ الإسلامي انحرافاً طارئاً عن نموذج الشورى بقدر ما كان نتيجة مسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية



من هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة الأساسية التي يسعى هذا المقال إلى مناقشتها: ما الظروف التاريخية التي فتحت الباب أمام فكرة التوريث السياسي في العالم الإسلامي؟ وكيف ساهم التوريث في بعض الحالات في تثبيت الدولة، بينما أدى في حالات أخرى إلى انهيارها وتقويض دعائمها؟ ثم كيف عمل الفقه السياسي الإسلامي، في صيغته المسيسة، على شرعنة هذه الممارسة وإلباسها لباس الشرعية الدينية؟

تظهر أهمية مناقشة الأسئلة السابقة في اللحظة الراهنة، بالتزامن مع الإعلان عن تولي مجتبى خامنئي منصب قائد الجمهورية الإسلامية في إيران، خلفاً لوالده علي خامنئي الذي لقي حتفه في الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على طهران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، فيما عدّه الكثيرون شكلاً واضحاً من أشكال توريث السلطة السياسية في الإسلام.

من الشورى إلى المُلك... اللحظة التاريخية التي وُلد فيها التوريث

عند وفاة النبي محمد سنة 11هـ/ 632م، وجدت الجماعة الإسلامية نفسها أمام سؤال لم يكن مطروحاً من قبل: من يحكم؟ بحسب وجهة النظر السنية، لم يكن هناك نص صريح يحدد آلية انتقال السلطة، ولذلك جاءت بيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة بوصفها تسوية سياسية أكثر منها تطبيقاً لنظام محدد.

يروي محمد بن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" تفاصيل تلك اللحظة المهمة في التاريخ الإسلامي، حيث يقول إن الأنصار اجتمعوا في السقيفة لاختيار أحدهم كخليفة للنبي، ولمّا لحق بهم بعض المهاجرين، عرض الأنصار أن يتم اختيار أمير منهم وأمير من المهاجرين. لكن النقاش انتهى ببيعة أبي بكر بعد مداولات طويلة، وهو ما يكشف أن مسألة الحكم كانت في جوهرها مسألة توازنات سياسية وقبلية أكثر من كونها مسألة نصوص دينية.

هذا النموذج استمر، بدرجات متفاوتة، خلال عهد الخلفاء الثلاثة التاليين. فقد أوصى أبو بكر بالخلافة لعمر بن الخطاب، بينما شكل عمر مجلس الشورى لاختيار الخليفة من بعده، ثم بويع عثمان بن عفان بطريقة مختلفة مرة أخرى. لكن هذه التجارب المتباينة كشفت هشاشة آليات انتقال السلطة، وهو ما انفجر لاحقاً في الصراع الدموي الذي عرفه التاريخ الإسلامي باسم "الفتنة الكبرى".

كانت تلك الحرب الأهلية لحظة مفصلية؛ فبعد اغتيال علي بن أبي طالب سنة 41هـ/ 661م، تمكن معاوية بن أبي سفيان من فرض سيطرته على الدولة، ليؤسس ما عُرف لاحقاً بالدولة الأموية. غير أن الخطوة الأكثر إثارة للجدل جاءت عندما قرر معاوية تعيين ابنه يزيد بن معاوية ولياً للعهد، في سابقة لم يعرفها النظام السياسي الإسلامي من قبل.

يروي المؤرخ ابن الأثير في كتاب "الكامل في التاريخ" أن معاوية قال في تبرير هذا القرار: "إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، فرأيت أن أستخلف عليهم من يقوم بهذا الأمر".

بهذا القرار، انتقلت الخلافة فعلياً من نظام يقوم على نوع من الاختيار السياسي إلى نظام أقرب إلى الملك الوراثي. وقد أدرك كثير من معاصري تلك المرحلة خطورة هذا التحول فرفضوا مبايعة يزيد؛ على سبيل المثال، نقل أبو الفرج الأصفهاني في كتابه "مقاتل الطالبيين" عن الحسين بن علي قوله وهو يرفض مبايعة يزيد: "إنّا أهل بيت النبوة، ويزيد رجل فاسق... ومثلي لا يبايع مثله".

لكن اعتراضات الحسين وعبد الله بن الزبير وغيرهما لم تمنع تثبيت هذا النموذج الجديد. فمع مرور الزمن أصبح التوريث قاعدة سياسية شبه مستقرة، ليس فقط في الدولة الأموية، بل أيضاً في الدولة العباسية لاحقاً. ففي الدولة العباسية، تحولت ولاية العهد إلى مؤسسة سياسية شبه رسمية. وقد وصف المسعودي في "مروج الذهب" هذا التحول قائلاً: "صار الخلفاء يعهدون إلى أبنائهم بالخلافة، ويأخذون لهم البيعة في حياتهم".

هكذا يمكن القول إن التوريث السياسي لم يظهر فجأة بوصفه نظرية، بل نشأ بوصفه استجابة لظروف تاريخية معقدة: الحروب الأهلية، واتساع الدولة، والخوف من الفوضى. ومع الزمن تحول هذا الحل العملي إلى نظام سياسي كامل.

بين الاستقرار والانهيار... حين يخدم التوريث الدولة أو يقوضها

لم يكن أثر التوريث السياسي واحداً في كل التجارب الإسلامية؛ ففي بعض الحالات ساهم انتقال السلطة داخل الأسرة الحاكمة في تعزيز الاستقرار السياسي في الدولة، بينما أدى في حالات أخرى إلى صراعات مدمرة على العرش.

في الدولة الأموية مثلاً، أدى تثبيت ولاية العهد إلى درجة من الاستقرار الإداري. فقد استطاع عبد الملك بن مروان أن يعيد بناء الدولة بعد سنوات من الاضطراب، ثم ورثه ابنه الوليد بن عبد الملك الذي شهد عهده توسعاً كبيراً للدولة الإسلامية. وقد كتب المؤرخ شمس الدين الذهبي في "سيَر أعلام النبلاء" عن تلك المرحلة قائلاً: "كان الوليد من أعظم خلفاء بني أمية ملكاً وسلطاناً، فتحت في أيامه البلاد".

لكن الصورة لم تكن دائماً بهذه الإيجابية؛ ففي الدولة العباسية، تحول التوريث أحياناً إلى مصدر دائم للصراع بين أبناء الخليفة. ومن أشهر الأمثلة على ذلك الحرب الأهلية التي اندلعت بين الأمين والمأمون عقب وفاة الخليفة هارون الرشيد. فقد حاول الرشيد تنظيم الخلافة عبر توزيع السلطة بين أبنائه، لكنه خلق بذلك صراعاً مفتوحاً بينهم. وقد وصف الطبري تلك الحرب قائلاً: "فاقتتل الناس قتالاً شديداً، ودام الحصار ببغداد حتى خربت الدور، وأصابت الناس شدة عظيمة".

هذه الحروب لم تكن مجرد صراع عائلي، بل كانت تؤدي غالباً إلى إضعاف الدولة نفسها. ففي كثير من الحالات كان الصراع على الخلافة يفتح الباب أمام تمردات إقليمية وانفصال الأقاليم.

وتكرر هذا النمط في دول إسلامية أخرى مثل الدولة الفاطمية والدولة العثمانية، حيث تحول الصراع بين أبناء السلطان إلى عنصر بنيوي في السياسة. ففي الدولة العثمانية مثلًا كان قتل الإخوة سياسة رسمية لمنع الحروب الأهلية، وهي ممارسة يذكرها المؤرخون في سياق تثبيت الحكم المركزي.

الفقه السياسي وشرعنة التوريث

إذا كان التوريث السياسي قد نشأ في الأصل نتيجة ظروف تاريخية، فإن استمراره احتاج إلى شرعية فكرية وفقهية. وهنا لعب الفقه السياسي الإسلامي دورًا حاسمًا في إعادة صياغة مفهوم السلطة. ما يتضح بمراجعة المدونات الفقهية التي صُنفت على مر القرون المتتابعة.

في القرن الخامس الهجري، يُعدّ كتاب "الأحكام السلطانية" للفقيه الشافعي أبي الحسن الماوردي من أهم النصوص التي حاولت تنظيم النظرية السياسية الإسلامية. وعلى الرغم من أن الماوردي يتحدث عن اختيار الإمام، فإنه يقر بإمكانية العهد بالخلافة، حيث يقول: "فإن عقدها الإمام لمن بعده جاز ذلك، وصار المعهود إليه أحق بها".

هذا النص يعكس محاولة واضحة للتوفيق بين المثال النظري للشورى والواقع السياسي القائم على التوريث. في القرن نفسه، ذهب الفقيه الحنبلي أبو يعلى الفراء لرأي مشابه في "الأحكام السلطانية"، عندما اعتبر أن العهد بالخلافة وسيلة مشروعة لا إشكال فيها، وربطها بحق التصرف في التركة العائلية، فقال: "ولمّا كان الإنسان مالك التصرف في ماله وعلى أولاده وفي بُضعِ بناته، ملك أن يوصي بذلك غيرهُ، كذلك الإمام لما كان مالكًا لذلك ملك أن يعهد به إلى غيره". كذلك، صحح أبو المعالي الجويني في كتابه "الغياثي" ولاية العهد من الخليفة إلى الخليفة الذي يليه، دون اعتبار لرأي أهل الحل والعقد أو الرعية.

يكشف تاريخ التوريث السياسي في الإسلام أن السلطة لم تُصَغ فقط في النصوص الدينية، بل تشكّلت أيضاً في فضاء التفاعل بين الواقع السياسي والاجتهاد الفقهي والظروف الاجتماعية


في القرن السابع الهجري، وبالتزامن مع تصاعد الخطر الصليبي والمغولي على البلاد الإسلامية، ترسخت شرعية التوريث في العقل الإسلامي الجمعي، حتى لو عُرف الحاكم الجديد بالجور والبطش. ويعبر عن ذلك قول ابن تيمية الحراني: "ستون سنة مع إمام جائر خير من يوم وليلة بلا إمام".

في القرن الثامن الهجري، قدم ابن خلدون تحليلاً أكثر واقعية وشمولاً في كتابه المقدمة، عندما ربط بين فكرة التوريث ومبدأ العصبية، ليثبت بذلك أن انتقال الحكم داخل الأسرة الحاكمة ظاهرة طبيعية في مختلف الدول. وفي ذلك المعنى ذكر إن "الملك إذا حصل في بيت من البيوت استحكمت له العصبية". بطبيعة الحال، لم يقدم هذا التحليل تبريراً دينياً للتوريث بقدر ما حاول أن يفسره من منظور اجتماعي سوسيولوجي قائم على مفهوم العصبية.

في الدراسات الحديثة، تناول عدد من الباحثين الغربيين مسألة توريث السلطة في الإسلام بوصفها تحولاً بنيوياً في التاريخ الإسلامي. على سبيل المثال، يرى المؤرخ البريطاني هيو كينيدي في كتاب "The Prophet and the Age of the Caliphates" أن التحول إلى الملك الوراثي كان نتيجة طبيعية لاتساع الدولة وتعقد إدارتها. في السياق نفسه، أشارت الباحثة الدانماركية باتريشيا كرون في كتاب "God's rule: government and Islam" إلى أن الفقهاء غالباً ما كانوا يتكيفون مع السلطة القائمة بدلاً من تحديها.

ختاماً، لم تكن فكرة التوريث السياسي في التاريخ الإسلامي مجرد انحراف طارئ عن نموذج الشورى، كما تقدمها بعض القراءات المثالية للتاريخ. بل كانت، في حقيقتها، نتيجة مسار طويل من التحولات السياسية والاجتماعية التي دفعت المسلمين إلى البحث عن آليات أكثر استقراراً لانتقال السلطة.

في هذا المسار لعبت ثلاثة عوامل أساسية دوراً حاسماً: أولها الظروف التاريخية التي خلقتها الحروب الأهلية واتساع الدولة، وثانيها التجربة السياسية التي أظهرت أن التوريث قد يكون أحياناً وسيلة للاستقرار وأحياناً سبباً للصراع، وثالثها الجهد الفقهي الذي سعى إلى شرعنة هذه الممارسة وإدماجها في النظرية السياسية الإسلامية. وهكذا، فإن دراسة التوريث السياسي في التراث الإسلامي تكشف عن حقيقة مهمة: التاريخ السياسي للإسلام لم يكن مجرد تطبيق لنصوص دينية، بل كان أيضاً نتاجاً معقداً للتفاعل بين السلطة والفقه والمجتمع.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image