"القاضي لا ينظر إلى الاجتهادات"... "قانون" لا يعاقب قاتلي ومغتصبي نساء العائلة في مصر

الثلاثاء 6 يوليو 202105:52 م

اختطف شخص فتاة، اغتصبها وفض غشاء بكارتها، ولم يرحم توسلاتها، أصابها انفعال شديد أدى إلى توقف القلب، وماتت، كان ذلك عام 2004.

بحسب القانون لا بد من الحكم على الفاعل بالإعدام، إلا أنه حُكِم عليه بثلاث سنوات فقط، وفضلت المحكمة استخدام مبدأ الرأفة معه.

وفي عام 1990، قضت محكمة الزقازيق على رجل هو زوج خالة طفلة في الثامنة من عمرها، اعتاد اغتصابها، ورغم ثبوت الجريمة نال حكماً بسنتين فقط، وقالت المحكمة وقتها إنها استقرت إلى استخدام الرأفة مع الجاني.

وفي الدقهلية، تم الحكم بسنة مع إيقاف التنفيذ على أب قام بتعرية طفلته، وتعذيبها، وشروعه بقتلها عن طريق إشعال النيران بها، في قرية "بانوب" التابعة لمركز "نبروة" بالدقهلية، وذلك في القضية المعروفة إعلامياً بالرضيعة العارية، وأمر القضاء بوقف تنفيذ العقوبة ضده، رغم ما قيل عن توافر أدلة الثبوت والاتهام في حقه، ورصد الكاميرات له عند إشعال النيران بها.

خطف، واغتصاب، وقتل وضرب، وغيرها من جرائم العنف الجنسي والأسري التي تم إقرار عقوبات لها لا تتناسب مع الجرم الفادح، والسبب هو بعض مواد قانون العقوبات التي تمكّن المجرمين من الإفلات من العقوبة، إما لعرف مجتمعي أو شرعي، تمثل انتهاكاً صارخاً بحق النساء، ولا سيما المادتان 17 و60 من القانون.

زوج خالة طفلة اعتاد اغتصابها، ونال حكماً بسنتين فقط، وأب عرّى طفلته، وعذبها، وأشعل فيها النيران، وتم وقف تنفيذ العقوبة ضده، وعقوبات جرائم أخرى مرتبطة بالعنف الجنسي الأسري ضد النساء غير متناسبة تماماً مع الجريمة

وتنص المادة (17) على "أنه يجوز في مواد الجنايات، إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة بتبديل العقوبة، وتستخدم الرأفة في تبديل العقوبة على الوجه الآتي: عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد، عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المشدد أو السجن. عقوبة السجن المشدد بعقوبة السجن أو الحبس الذي لا تجوز أن تنقص عن 6 أشهر. عقوبة السجن بعقوبة الحبس التي لا يجوز أن تنقص عن 3 أشهر".

وتنص المادة (60) على أنه "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة، عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة".

"قانون نشاز"

بحلول 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، سيكون قد مر على المادة (17) 138 عاماً، عُمل بها في المحاكم المصرية، منذ عهد الخديوي محمد توفيق، الذي أقر قانون العقوبات عام 1883، وكانت هذه المادة تفصيلاً في مادتين، هما 352 و353.

تشكلت عدة قوى عمل، أي مجموعة شراكة من مؤسسات مجتمع مدني نسوية على مدار أعوام مختلفة، تطالب بحلول واقعية لما يسمى بـ"العنف التشريعي" ضد المرأة، وهي مواد القانون التي تساعد في ترسيخ مبدأ العنف الجنسي والأسري ضد النساء، كانت هناك قوة عمل عام 2008، ساهم ضغطها في سن قانون التحرش الجنسي.

وفي عام 2010 ضغطت مؤسسات مجتمع مدني مرة أخرى لتعديل قانون العقوبات، وتشكلت قوة أخرى عام 2014 أطلقت حملة باسم "قانون نشاز" للإشكاليات القانونية الخاصة بالعنف ضد المرأة في المجالين العام والخاص.

وقالت الحملة في بيانها آنذاك إن بعض مواد قانون العقوبات ترسخ للتمييز الواضح بين الرجل والمرأة، وللعنف ضد النساء، ومنها مادتا 17 و60 من القانون اللتان تستخدمان في تخفيف الأحكام على الجناة، الذين يرتكبون جرائم بحق النساء.

كما قالت الحملة إن المادة (17) تستخدم بشكل كبير في أحكام قضايا الاغتصاب، وهتك العرض الخاصة بالنساء، مما يؤدي إلى عدم العدالة في الأحكام، أما المادة (60) فتستخدم بشكل كبير في قضايا ضرب الزوجات، مما يساعد كثيراً من الأزواج على الإفلات من العقاب.

وأوصت الحملة بالعمل على الحد من استخدام القضاة للمادة (17) في قضايا الاغتصاب، بالإضافة إلى جرائم القتل العمد، التي تتوفر فيها ظروف ما يطلق عليها (جرائم الشرف)، أسوة بعدم استخدامها بجرائم المخدرات.

في كانون الأول/ ديسمبر عام 2017 تم إطلاق قوة عمل طالبت بإلغاء بعض المواد من قانون العقوبات لأنها تخالف ما ورد بالقانون المقترح، منهم من أحكام جدیدة، ولا سيما المادتان (17،60) الخاصتان بإعفاء الرجال من التجریم في الجرائم الواقعة على النساء، والمادة (237) لأنها تحمي الرجال في حالة قتلهم زوجاتهم من العقاب، وفقاً للعقوبة الخاصة بالقتل.

إحصائيات غائبة

إحدى أبرز المؤسسات التي شاركت في قوى العمل، هي مؤسسة المرأة الجديدة التي ساهمت في إعداد مقترح قانون جديد موحد للعنف الجنسي ضد المرأة.

نيفين عبيد الباحثة في "المرأة الجديدة"، قالت لرصيف22 إن "الإحصائيات نادرة وقليلة جداً في هذا النوع من المسائل، فقلما نعرف عدد القضايا التي استعمل بها القضاة المادتين 17 و60 لتخفيف الأحكام عن مرتكبي جرائم العنف بحق النساء، لأن مصر ليس فيها مظلة أحكام قانونية واضحة ليكون لدينا حصر بالقضايا والأحكام المتعلقة بها، لذلك لدينا قصور في الإحصائيات".

واحد من مشاكل التشريع في مصر، بحسب عبيد، أن المُشرع ذكوري، لذلك هناك قضاة ذوو فكر معادٍ للمرأة، لا يحكمون إلا وفقاً لأهوائهم المحافظة، والتي لا تنتصر للمرأة وذلك ليس تعميماً لأن هناك قضاة ينتصرون أحياناً للمرأة، لكن مشكلة المادة 17 أنها تعطي فرصة للقاضي ليعبر عن ميوله الثقافية.

أما المادة 60 فترى نيفين أنه "رغم أننا نشهد اجتهادات من المؤسسات الدينية والأزهر، بنشر فتاوى تناصر المرأة في إطار تجديد الخطاب الديني، إلا أن الوعي الجمعي بالشريعة قائم على فكرة التمييز ضد المرأة، والقاضي لا ينظر إلى الاجتهادات الفقهية الحديثة".

وانتقدت مؤسسة قضايا المرأة المصرية هاتين المادتين في ورقة بحثية لها بعنوان "قيود استعمال الرأفة في جرائم العرض والشرف" للمستشار شكري الدقاق، أستاذ القانون الجنائي.

وذكر البحث خطورة الاستخدام المطلق لمبدأ الرأفة في جرائم الشرف، ذلك أن السبب الرئيس للعقوبة هو الردع المجتمعي لها، لكن وجود مثل هذا المبدأ سيساعد في انتشار الجرائم، وقد يغري آخرين بارتكاب جرائم مع ضحايا أخريات اعتماداً على استعمال الرأفة معهم، وتدني العقوبة المقضي بها رغم فداحة الجريمة.

في عام 2015 أُطلقت إستراتيجية وطنية لمكافحة العنف ضد النساء، عمل على صياغتها المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع عدة وزارات، ومؤسسات حكومية ودينية أخرى، إضافة إلى عدد قليل من المنظمات غير الحكومية.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة، عجزت الإستراتيجية عن معالجة التغييرات التشريعية المطلوبة من أجل مكافحة العنف ضد النساء، من قبيل توسيع تعريف الاغتصاب في قانون العقوبات، وحظر استخدام المادتين 17 و60 في قضايا العنف ضد النساء.

"الوعي الجمعي بالشريعة قائم على فكرة التمييز ضد المرأة، والقاضي في مصر لا ينظر إلى الاجتهادات الفقهية الحديثة"

المحامي الحقوقي، رضا الدنبوقي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، يرى أن "مشكلة تلك المواد أن المحكمة في أغلب أحكامها إذا كانت تحكم في قضية يكون المجنى عليها، تعرضت لإصابة أو لتعدٍ بسيط، وهي الأخت أو الزوجة أو الابنة، عادة ما تنتهي بالبراءة، عملاً بنص المادة 60، وأما بالنسبة للمادة 17 فالمشكلة أن الإفراط في استخدامها لا يتناسب مع ضرورة احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليها في المادة 66 من الدستور المصري، وكذلك لا يُسأل القاضي في حال استخدامه تلك المادة عن الأسباب التي رآها لتخفيف العقوبة أو إيقاف تنفيذها، وفقاً لمبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته".

ويضيف الدنبوقي لرصيف22 أنه من "الأمور الخطيرة أن تلك المواد كثيراً ما تستخدم في قضايا العنف الأسري والجنسي ضد النساء وجرائم "الشرف"، وإذا ما تم الحكم بها بالإدانة بالحد الأدنى من العقوبة نتيجة استخدام تلك المادة لا تملك النيابة العامة أو المدعي بالحق المدني أن يطعن على الحكم الصادر، مهما كان مقدار العقوبة، إلا إذا كان هناك خطأ في فهم القانون".

عقوبات مخففة

ويطالب الدنبوقي بالحد من استخدام المادة (17) في جرائم العنف ضد النساء أسوة بجرائم الاتجار بالمخدرات، المستثناة من هذه المادة، وكذلك عدم استخدام المادة (60) لتوسع القضاة في استخدامها في قضايا ضرب الزوجات، مما يساعد الجناة على الإفلات من العقاب.

ومن القضايا التي استخدمت فيها تلك المادة، وفقاً للمحامي الحقوقي، قضايا ختان الإناث، ومن بينها الجناية رقم 29423 لسنة 2014 جنايات المنصورة ضد أحد الأطباء، قضت المحكمة بتخفيض العقوبة من سنتين إلى ثلاثة أشهر، مما ساهم في استمرار عمله، واتساع شهرته في إجراء الختان دون رادع رغم وفاة الطفلة، بحسب الدنبوقي.

كذلك استخدمت المادة (60) في الجناية رقم (622) لسنة 2016 في السويس، والنزول بالحكم إلى السجن سنة مع إيقاف التنفيذ، رغم وفاة المجنى عليها، واستحقاق المتهمين لعقوبات تصل إلى سبع سنوات.

"كيف للمحكمة الوقوف على نية المتهمين المستقبلية".

رأى القاضي حسب حكمه استخدام مبدأ الرأفة، بحسب الدنبوقي، ما يبعث على اعتقاد المحكمة بأن المتهمين لن يعودوا مستقبلاً إلى مخالفة القانون، في حين تؤيد المحكمة إيقاف تنفيذ العقوبة، "والأمر حقاً غريب فكيف للمحكمة الوقوف على نية المتهمين المستقبلية وعن قيامهم بالجرم من عدمه".

وينهي الدنبوقي حديثه: "لكل ذلك نرى أنه يجب إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها بما يتفق مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان".

ويُعتقد أن أصل هذه المواد المسماة "جرائم الشرف" يعود إلى قانون فرنسي قديم (المادة 337 من قانون العقوبات الفرنسي القديم) معتمد لدى عدد من الدول العربية، ومنها الكويت والسعودية وقطر وعمان، وفقاً لبي بي سي.

وعدّل الأردن هذا القانون مطلع عام 2019، في حين ألغته تونس تماماً إذ يعاقب القاتل وفقاً للقانون المطبق على مرتكبي الجرائم، فلا وجود حالياً لما يسمى "جرائم شرف" في القانون التونسي.

(تم إنتاج هذه القصة بدعم من مجلة "احكي" والسفارة الهولندية بالقاهرة، نتاج لورشة تدريب الإعلاميين على تناول القضايا الحساسة للنوع الاجتماعي).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard