"لا يمكنهم بعد الآن زعزعة استقرار المنطقة أو العالم ومهاجمة قواتنا"، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مستهل الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران نهاية شباط/ فبراير الماضي، مردفاً: "من لبنان إلى اليمن ومن سوريا إلى العراق، قام النظام (الإيراني) بتسليح وتدريب وتمويل ميليشيات إرهابية غمرت الأرض بالدماء والأشلاء".
عليه، استُهدف رتل للحشد الشعبي في محافظة ديالى قرب الحدود الإيرانية، بعد يومين من هجوم مماثل أسفر عن مقتل عدد من مقاتلي "عصائب أهل الحق". ويُعتقد أنّ العملية تحمل رسالةً مفادها أنّ تحرّكات حلفاء إيران تخضع للمراقبة، حسب موقع أمواج ميديا. كما تمّ استهداف موقعين لكتائب "حزب الله" العراقية في قاعدة "جرف النصر" ومعبر القائم (البوكمال) الحدودي مع سوريا.
في المقابل، شهدت الساحة العراقية نشاطاً واسعاً للفصائل المسلحة الموالية لإيران، بجانب إعلان "سرايا أولياء الدم" المدعومة من إيران مسؤوليتها عن ضربة صاروخية باليستية استهدفت أربيل.
تتحكّم في مواقف الفصائل الموالية لطهران ثنائية العقيدة والمصلحة، والآن تلعب غريزة البقاء دوراً مهماً في انخراطها في الحرب الدائرة خشية اتساعها على نطاق أوسع. كيف ذلك؟
تصعيد أذرع إيران VS مخاوف من اتساع الحرب
من جانبه، قال أمين عام "حزب الله" اللبناني، نعيم قاسم، في الأول من آذار/ مارس الجاري، في بيان للحزب، إنّ اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين آخرين كان "قمة الإجرام"، متعهّداً: "سنقوم بواجبنا في مواجهة العدوان".
بعدها، أعلن "حزب الله" اللبناني انخراطه المباشر في المواجهة انتقاماً لمقتل خامنئي، عبر إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل. وأفاد تقرير لاحقاً باحتمالية تورّط "حزب الله" في استهداف قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص، وهو ما أعلنه مسؤولون قبارصة وردّت عليه الخارجية اللبنانية بالتنصل واعتبارها "أعمالاً مشينةً… لا تمثل لبنان واللبنانيين"، علماً أنّ "حزب الله" لم يتبنَّ الهجوم. وفسّر محلّلون ضربات "حزب الله" لإسرائيل بأنها بمثابة "حرب استباقية" على اعتبار أنّ إسرائيل كانت ستضرب لبنان على أيّ حال.
بدوره، قال المجلس السياسي الأعلى، التابع لجماعة الحوثي، إن "توسيع دائرة الاستهداف سيؤدي فقط إلى توسيع دائرة المواجهة"، ما يعني أنّ التهديد الذي أطلقه زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، في بداية الحرب، بالتصعيد أعقبه اعتراف ضمني بالتكلفة الباهظة لاتساع رقعة الحرب حيث إنّ الانخراط في حرب من أجل إيران قد يترك الجبهة الداخلية للحوثيين مكشوفةً لقوات الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من أطراف إقليمية أبرزها السعودية.
تشتّت بين الولاء العقائدي وغريزة البقاء
وبينما يشهد الشرق الأوسط واحدةً من أكثر لحظات تحوّله خطورةً، منذ عقود، وجد "محور المقاومة" نفسه أمام اختبار وجودي مزدوج؛ الولاء العقائدي من جهة، وغريزة البقاء محلياً من جهة أخرى، وذلك مع إعلان مقتل خامنئي.
فالصراع المفتوح حالياً، لم يُعد مجرد مواجهة تقليدية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لتماسك شبكة الأذرع الإيرانية التي استغرق بناؤها عقوداً.
ومع إعلان هذه الأذرع في لبنان والعراق واليمن تضامنها مع طهران، يبرز تساؤل ضروري حول قدرة هذه الأذرع على الاستمرار في حرب شاملة وضدّ قوتين عسكريتين بحجم واشنطن وتل أبيب، أي هل يستطيع "حزب الله" المنهك عسكرياً واقتصادياً مواصلة الحرب لأجل إيران؟ وكيف ستتصرف الفصائل العراقية التي تواجه ضغوطاً داخليةً غير مسبوقة؟ وماذا عن الحوثيين الذين يخشون من تفكّك المحور بأكمله؟
على الرغم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأنّ بلاده قادرة على الدفاع عن نفسها، في إيحاء بأنها لا تحتاج إلى أحد، إلا أنّ طهران لا تحتاج إلى إطلاق العديد من الصواريخ والذخيرة لتحقيق أهدافها السياسية، حسب تقدير معهد "تشاتام هاوس" الذي يقول إنّ كل ما عليها فعله هو استخدام ميليشياتها المتمركزة في مواقع مختلفة عبر المنطقة لإحداث الفوضى وتقويض أعدائها. فالوتيرة والتشتت، وإلى حدّ ما الفتك، أهم من حجم الضربات الصاروخية التي تطلقها في هذه الحرب.
إلا أنّ "الأمر يتعلّق جداً بالبقاء" بالنسبة لـ"حزب الله" والجماعات الأخرى الموالية لإيران، حسب الباحث أوّل المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط في معهد "تشاتام هاوس"، ريناد منصور، الذي يلفت إلى أنه مع مرور الوقت، "أصبح محور المقاومة" أقل تأثراً بالأوامر من الأعلى إلى الأسفل من إيران، وأصبحت الجماعات أكثر استقلاليةً. "البقاء بالنسبة لهم يعتمد على حسابات ليست بالضرورة مرتبطةً ببقاء إيران"، واصفاً ما تمرّ به المنطقة راهناً بأنها "لحظة دموية وعنيفة لكنها تحولية يمرّ بها الشرق الأوسط… لا نعرف إلى أين سينتهي هذا".
وفي هذا السياق، يشير المعهد الدولي للدراسات الإيرانية-رصانة، إلى أنّ رحيل خامنئي يمثّل "اختباراً وجودياً مزدوجاً"؛ الأول لاستمرار المؤسسية داخل إيران، والثاني للولاء خارجها لدى "محور المقاومة".
"أعلن الحوثيون تضامنهم مع إيران، لكنهم لم ينخرطوا في المعركة، وهم الأقلّ ارتباطاً بـ"ولاية الفقيه"، مقارنةً بغيرهم من أذرع إيران. ومع ذلك، ولحسابات إستراتيجية، قد ينخرطون في الحرب في أيّ مرحلة، في إطار التقدير بأنَّ المعركة لن تتوقَّف عند إيران بل ستستهدف تفكيك كامل 'محور المقاومة' وأي قُوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة"
وتتحكّم في مواقف الفصائل الموالية لطهران ثنائية العقيدة والمصلحة، حيث يقوم العامل العقائدي (الولائي) على "ولاية الفقيه" ويحوّل الولاء للمرشد إلى التزام ديني، ويشكّل مصدر الشرعية والتفويض "الجهادي". في حين يشمل العامل المصلحي حسابات كل فصيل، مثل الخوف من رد فعل إسرائيل أو أمريكا، والضغوط الداخلية، على سبيل المثال احتمالات نزع السلاح في كل من لبنان والعراق، بالتزامن مع الخشية من أن يؤدي إضعاف إيران إلى انكشاف إستراتيجي يهدّد وجودها.
إلى ذلك، تتباين مواقف أطراف "محور المقاومة"، فـ"حزب الله" اللبناني، الأكثر التزاماً ولائياً لإيران، دخل المواجهة مع إسرائيل، عادّاً المعركة "مصيريةً" لبقائه، وعلى أساس أنّ سقوط إيران سقوط له. ومن بعده، تأتي الفصائل العراقية المسلّحة على غرار كتائب "حزب الله" العراقية وعصائب أهل الحق، وقد نفّذت هجمات على قواعد أمريكية، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدةً لفكّ ارتباطها مع إيران، مما يضعها أمام اختبار وجودي مشابه.
في الأثناء، وكما أوضح معهد "رصانة"، أعلن الحوثيون تضامنهم مع إيران، لكنهم لم ينخرطوا في المعركة، وهم الأقلّ ارتباطاً بـ"ولاية الفقيه"، مقارنةً بغيرهم من أذرع إيران. ومع ذلك، و"لحسابات إستراتيجية، قد ينخرطون في الحرب في أيّ مرحلة، في إطار التقدير بأنَّ المعركة لن تتوقَّف عند إيران بل ستستهدف تفكيك كامل 'محور المقاومة' وأي قُوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة"، وفق المركز.
حسابات أخرى في كردستان العراق
قبل قرابة أسبوع من العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، أعلنت ست مجموعات معارضة كردية إيرانية في إقليم كردستان العراق عن تشكيل تحالف موحّد ضدّ النظام الإيراني تحت اسم "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران". وفي اليوم نفسه، أصدرت حكومة الإقليم بياناً تؤكد فيه عدم سماحها باستخدام أراضي الإقليم في تنفيذ عمليات ضد أي دولة مجاورة. برغم ذلك، أفادت تقارير باستهداف جنوب الإقليم بعشرات الهجمات الصاروخية من إيران ومن الميليشيات الموالية لها في العراق.
مع ذلك، يمكن القول إنّ الفصائل العراقية، حتى الآن على الأقل، تلتزم بالهدوء النسبي، لكنّ دورها مرشّح للاتساع إذا اقتنعت طهران بأنّ الهجمات ضدها تنطلق من كردستان العراق. عندها، قد تُعبّأ لممارسة ضغوط سياسية وعسكرية على السلطات الكردية أو لاستهداف مواقع المعارضة الإيرانية بضربات أشدّ قوة.
ويعتمد النهج الإيراني في هذا السياق على إستراتيجية مزدوجة: ضربات الحرس الثوري المباشرة بالصواريخ والمسيّرات، مقابل ضغط بالوكالة عبر الميليشيات. هذا النهج يحقّق الردع ويعطّل المعارضة، مع تجنّب نشر قوات برّية على الحدود الغربية، تفادياً لتعرّضها لنيران القوة الجوية الأمريكية أو الإسرائيلية. كما أنّ تصاعد هذه المواجهة يحوّل العراق بسرعة إلى ساحة حرب إقليمية، بما يهدّد باتساع رقعة عدم الاستقرار نحو الحدود التركية إذ تتحسّس أنقرة من أي نشاط مسلح كردي، وفق مركز "صوفان".
مزامنة الضربات لفعالية أكبر
في تقرير آخر، ينبّه المصدر نفسه إلى إمكانية تزامن صواريخ "حزب الله" اللبناني قصيرة المدى مع انشغال الدفاعات الإسرائيلية باعتراض صواريخ إيران بعيدة المدى، ما يزيد احتمالية اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية. كما أنّ احتمالية وجود قوات إسرائيلية برّية على الأراضي اللبنانية، يتماشى مع إستراتيجية إيران لفتح جبهات متعددة ضدّ إسرائيل، ويسمح لـ"حزب الله" بتصوير الصراع كصراع مقاومة ضد الاحتلال، وهي بيئة يتفوّق فيها تاريخياً، وأكثر فائدةً من المواجهة الجوية مع الجيش الإسرائيلي المتفوّق.
وفقاً لمركز "ستيمسون"، أعاد الحوثيون قبل الصراع نشر منصات إطلاق الصواريخ والرادارات وقدراتهم البعيدة المدى على البحر الأحمر وقرب الحدود السعودية، وعزّزوا لامركزية المخزونات وتفعيل بروتوكولات الطوارئ المرتبطة بوضع الحرب. كما أظهروا ضبطاً مشروطاً معلِنين أنّ أيّ تصعيد مرهون بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وجمّدوا هجماتهم العابرة للحدود منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. لكنهم مستعدّون لإعادة تفعيلها سريعاً "بمجرد اتخاذ القرار"، إذ لم يتخلّوا عن أيديولوجيتهم الهجومية، وما زالوا يحتفظون بقدرتهم على توجيه ضربات بعيدة المدى، بوصفهم الآن "أكثر وكلاء إيران صموداً".
وفيما ينشغل خصوم الحوثيين في الحكومة المعترف بها دولياً بتثبيت الاستقرار في محورهم المناوئ للجماعة، والرأي العام في مناطقهم يمنح الأولوية لدفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية على حساب المغامرات، قد تدفع هذه الضغوط الداخلية الحوثيين إلى مغامرة خارجية لصرف الأنظار عن قصور الحكم لديهم، وإن كان ذلك سيعرّضهم إلى ردّ دولي عنيف.
عطفاً على ما سبق، وبرغم اقتصار دور الحوثيين على التعبئة الاحتجاجية والتضامن السياسي مع إيران، إلا أنهم ربما ينضمون إليها، حيث يتشكل قرار تصعيدهم من مزيج الإشارات الإيرانية، والالتزام الأيديولوجي، وديناميكيات المحور، وضغوط البقاء الداخلية، وحوافز إسقاط القوة، واستدامة الترسانة، ومخاطر الرد الدولي. فـ"إذا أمرتهم إيران بالدخول رسمياً، سيمتثل الفريق المتشدّد داخل الجماعة بغض النظر عن التبعات. لذا لم يعُد السؤال هل سينضمّون؟ بل ماذا سيضربون عندما يفعلون؟"، حسب "ستيمسون".
عقيدة عسكرية جديدة تبنّتها إيران مع تراجع قدرات أذرعها في المنطقة، ترتكز بالأساس على ثلاثة أعمدة. ماذا نعرف عنها؟ وكيف قد تُسهم في دور أوسع لوكلائها خلال الحرب الدائرة في الشرق الأوسط؟
عقيدة جديدة ترتكز على ثلاثة أعمدة
أما مركز الدراسات الإيرانية في أنقرة "إيرام"، فيشير إلى أنّ طهران، ونتيجةً لتراجع قدرات أذرعها في المنطقة، تبنّت مؤخراً عقيدة جديدة، كشفت عنهما في بيانين متتاليين، أوّلهما أعلن عنه المرشد الأعلى السابق، خامنئي الأب، في قوله: "على الأمريكيين أن يعرفوا أنهم إذا بدأوا حرباً، فهذه المرة ستصبح حرباً إقليمية". وثانيهما حديث رئيس الأركان العامة الإيرانية، الذي قُتل في بداية الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، عبد الرحيم موسوي، عن تحوّل عقيدة إيران من الدفاع إلى إستراتيجية الهجومية بعد حرب الـ12 يوماً.
ويشرح "إيرام" أن هذه العقيدة الجديدة ترتكز على ثلاثة أعمدة؛ أولها رفع عتبة تحمّل التهديدات عمداً. وخلاله، يعامل عدم القدرة على منع هجوم العدو كتعرّض يمكن التحكّم فيه وليس كاستسلام إستراتيجي، لتوفير مجال تأثير غير مباشر على إيقاع ونطاق الهجوم.
وثانيها، اكتساب نهج احتواء المنطقة أولوية عملياتية، عبر استهداف قوات العدو داخل منطقة العمليات وتقييد حركتها، مع توظيف الصواريخ الباليستية كأداة حاسمة بدلاً من استهداف إبعادها عن حدودها فقط.
وثالثها، إعادة تنشيط شبكة الوكلاء، بحيث تواصل الأذرع الموالية لها كـ"حزب الله اللبناني والحوثيين وكتائب حزب الله العراقية"، الضغط الموزّع والمنسّق على الوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وإن بدور عملياتي مختلف عن الماضي، وهو ما يحوّل مفهوم "الحرب الإقليمية"، التي تحدّث عنها خامنئي الأب سلفاً، من تحذير إلى امتداد طبيعي للتخطيط الإستراتيجي، حيث تستخدم إيران شبكة وكلائها كورقة ردع منسّقة، بما يقوّض الافتراض الأمريكي بإمكانية شنّ عملية عسكرية محدودة ومعزولة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
