وإنْ كانت الضحية طفلة... في مصر هناك دائماً مبرر للتحرش

الثلاثاء 9 مارس 202102:56 م

"الراجل حاجج بيت ربنا استروه يستركم"

"أنا ضد اللي عمله بس دي طفلة فين أمها وليه سيباها في الشارع؟"

"خلاص يا جماعة إن الله حليم ستّار، يمكن لحظة شيطان والحمد لله أن البنت اتلحقت".

"البت عارفة بتعمل إيه بدليل أول ما الشقة اتفتحت جريت، يعني البت مش ضحية ولا حاجة ورايحة معاه بمزاجها"،

"محدش عارف حاجة لسه والفيديو مش موضح حاجة برضو. هو واحد كبير يعني مش هينزل للمستوى ده! ولو حصل مش هيبقى تحت بير السلم أكيد عنده شقة!".

"يا جماعة حرام يتسجن عنده عيال. الصح أنه يتأدب بس لو طلع ترند أنتو كده بتأذوا مراته وعياله مش بتأذوه هو".

"يا جدعان يمكن دا مرض نفسي وبيتعالج منه يمكن مدمن جنس".

استيقظ رواد الشبكات الاجتماعية وقراء الصحف المصرية اليوم، 9 آذار/ مارس، على صور مقتطعة من فيديو قصير بدأ تداوله بعد منتصف ليل أمس لرجل ضخم الجثة يرتدي حلة أنيقة يمسك بطفلة دون العاشرة ويلامس جسدها في مدخل إحدى العمارات بمنطقة المعادي في القاهرة.

يظهر الفيديو تدخل سريع لسيدتين، تبين لاحقاً أنهما تعملان في معمل تحاليل يقع في نفس البناية، شهدتا واقعة التعدي الجنسي على الطفلة عبر الكاميرات المركبة في مدخل العمارة وقررتا إنقاذ الطفلة التي خافت وفرت. شرحت إحداهما بعد نشر الفيديو على فيسبوك: "في المعادي، ميدان الحرية، دخل العمارة ونده على البنت الصغيرة دي وعمل اللي أنتوا شايفينه، ولما واجهته بالكاميرا وشتمته جري". حتى نشر هذه السطور، حقق المنشور 35 ألف تفاعل و43 ألف مشاركة و62 ألف تعليق.

 وتمكنت أجهزة الشرطة من القبض على المتحرش الذي نشر رواد شبكات التواصل الاجتماعي صورته وحسابه الشخصي على فيسبوك. هذا الحساب الذي كان دافعاً إلى تعليقات عديدة ناصرت المتحرش وحاولت أن تلتمس له العذر، بسبب ما حواه حسابه من صور ومنشورات تظهر التزامه الديني.

من هذه التعليقات: "الراجل حاجج بيت ربنا استروه يستركم"، "أنا ضد اللي عمله بس دي طفلة فين أمها وليه سيباها في الشارع؟"، "خلاص يا جماعة إن الله حليم ستّار، يمكن لحظة شيطان والحمد لله أن البنت اتلحقت".

وتجاوز البعض الدفاع عن المتحرش إلى مهاجمة الطفلة الضحية: "البت عارفة بتعمل إيه بدليل أول ما الشقة اتفتحت جريت، يعني البت مش ضحية ولا حاجة ورايحة معاه بمزاجها"، بل حاول آخرون عقلنة الأمور بناءً على المستوى الاجتماعي الحيّد للمتحرش: "محدش عارف حاجة لسه والفيديو مش موضح حاجة برضو. هو واحد كبير يعني مش هينزل للمستوى ده! ولو حصل مش هيبقى تحت بير السلم أكيد عنده شقة!". "يا جماعة حرام يتسجن عنده عيال. الصح أنه يتأدب بس لو طلع ترند أنتو كده بتأذوا مراته وعياله مش بتأذوه هو". ولم تنته المبررات عند ذلك، بل امتدت إلى محاولة اختلاق أعذار مرضية: "يا جدعان يمكن دا مرض نفسي وبيتعالج منه يمكن مدمن جنس".

في حين قدّرت إحدى الدراسات أن الأطفال يمثلون 85% من ضحايا جرائم العنف الجنسي سنوياً في مصر، لا توجد مادة صريحة تعاقب على التحرش بالأطفال في قانون العقوبات المصري. علماً أن عقوبة "هتك العرض" بحق القصر مشددة

تبرير للمجرم واتهام الضحية

رغم الغضب الشديد المتأتي من الحادثة والدعوات العديدة إلى سرعة توقيف المجرم وتوقيع أشد العقوبة عليه عبر وسوم من بينها "#متحرش_الاطفال" و"#متحرش_المعادي"، طفت على السطح تعليقات وصفت بـ"التبريرية" و"الدفاعية" وحتى "المتعاطفة" مع المتحرش.

تذرع معلقون بأن الحساب الشخصي للمجرم عبر فيسبوك يعج بالمنشورات "الدينية" مع صورة له بملابس الإحرام داخل الكعبة، واقترحوا أن ما فعله كان "لحظة شيطان"، متخيلين أنه لم يقترف نفس الجرم سابقاً أو ربما لم يكن ليقدم عليه ثانيةً لولا افتضاحه هذه المرة.

لكن التبرير اتخذ شكلاً أكثر تنظيماً مع دخول بعض الصحف المصرية في المشهد، لتبث رسائل تتصل بـ"وقار" المتحرش الظاهر في الفيديو. إذ أجرى موقع "ألوان الوطن" التابع لصحيفة الوطن اليومية مقابلة مع "صديق المتحرش بطفلة المعادي" ذكر فيه أن المجرم "زار بيت ربنا، وكان بيتعامل باحترام مع الكل، ومستحيل كنا نتوقع إنه يعمل كده". وتساءل الصديق المزعوم: "إزاي جاله قلب يعمل كده في طفلة؟ مخفش من عقاب ربنا؟ ده كان طول الوقت بينزل أدعية دينية على صفحته! معقول كل ده كان كذب!".

 صحف مصرية خرجت بتقارير قصيرة تجمل صورة المتحرش وتستخدم مصطلحات تصم الضحية التي لم يتجاوز عمرها 10 سنوات

أما موقع "المصري اليوم"، فعقب "معاينة" لموقع الحادثة، سلط الضوء على أن الطفلة الضحية هي "من أطفال الشوارع"، ما يصعّب الوصول للضحية والاستماع إلى شهادتها، كون الكاميرا لم تظهر ملامح يمكن التعرف من خلالها على هويتها، بالإضافة لما يبثه هذا المصطلح من انطباعات سلبية لدى عموم المتلقين في مصر. يذكر هنا أن صحيفة المصري اليوم اعتادت استخدام تعبير "أطفال بلا مأوى" عوضاً عن أطفال الشوارع لدى توصيف هؤلاء الأطفال.

برغم ما سبق، لفت مغردون كثر إلى شجاعة "السيدة المصرية" وموقفها البطولي في إنقاذ الطفلة الضحية ومواجهة المجرم، والاستمرار في ملاحقته بنشر المقطع المصور لضمان عدم تكراره نفس الجريمة. وأشاد البعض بقوة "الكاميرا" في توثيق مثل هذه الجريمة البشعة والمساهمة في إيجاد الدليل الدامغ لمعاقبة المجرمين والتأكد من عدم إفلاتهم من العقاب.

حوادث متكررة وقوانين هزيلة

ويعدّ النشر عن حوادث تحرش بأطفال متكرراً في مصر. فقبل بضعة أشهر، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً لمدرس شيخ يقبل فم طفلةً في سن أحفاده في غرفة مغلقة، وفي وجود شقيقتها على ما يبدو، ومقطع آخر لرجل يستدرج ثلاثة أطفال ويتحرش بهم في الشارع.

في كل مرة يطالب حقوقيون ومعنيون بحقوق الطفل بتشديد العقوبات، ويعزون تكرار هذه الحوادث إلى العقوبات "الهزيلة" التي لا توازي أهمية الجرم.

ولا يتضمن قانون العقوبات المصري عقوبات صريحة لجريمة التحرش بالأطفال. لكن العقوبة المطبقة حالياً وفق المادة (306) مكرر (أ) من القانون تسري في جرائم التحرش بصفة عامة، وهي تنص على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية".

أما عقوبة "هتك العرض" بحق من هم دون الـ18 عاماً، فأشارت إليها المادة (269)، والتي نصت على أن "كل من هتك عرض صبى أو صبية لم يبلغ سن كل منهما 18 سنة ميلادية كاملة بغير قوة أو تهديد يُعاقب بالسجن، وإذا كان سنه لم يجاوز 12 سنة ميلادية كاملة أو كان من وقعت منه الجريمة ممن نُص عليهم فى الفقرة الثانية من المادة (267) - أي ممن لهم ولاية وسلطة على الضحية- تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات".

ويميز التشريع المصري بين "هتك العرض" (جناية) و"التحرش" (جنحة) في التوصيف والعقوبة. 

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة وحديثة حول معدلات التحرش بالأطفال، وبشكل أعم العنف الجنسي ضد الأطفال، في مصر. لكن ثمة دراسة أجراها برنامج حماية الطفل التابع لـ"يونيسيف مصر" عام 2016، بيّنت أن 50% من الأطفال في مصر يتعرضون للعنف الجسدي، وبلغت نسبة العنف الجنسي الواقع عليهم 55%. لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 93%، وفق تصريح لمدير خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة، صبري عثمان، في آب/ أغسطس عام 2018.

"البت عارفة بتعمل إيه، بدليل أول ما الشقة اتفتحت جريت، يعني البت مش ضحية ولا حاجة ورايحة معاه بمزاجها"... حين يبرر المجتمع التحرش بطفلة دون العاشرة

ووجدت دراسة سابقة لفادية أبو شهبة، الأستاذة في المركز القومي المصري للبحوث الجنائية والاجتماعية، أن من 20 ألف حالة تحرش واغتصاب تقع في مصر سنوياً، يكون الأطفال ضحايا في 85% منها.

وفي نشرته الدورية لشباط/ فبراير الماضي، أفاد المجلس القومي للطفولة والأمومة بأنه تلقى 106 بلاغات بتعرض أطفال لعنف جنسي، بنسبة 10.45% من جملة البلاغات التي تلقاها ذاك الشهر بشأن انتهاكات حقوق الأطفال.

وتخوف معلقون من إمكانية إفلات المتحرش بالطفلة في المعادي من العقاب. ففي مصر سوابق عديدة لاستعمال "الرأفة" مع المتحرشين كان أحدثها الشهر الماضي، عندما قضت محكمة بالسجن عاماً واحداً مع وقف التنفيذ بحق طبيب تحرّش بفتاة واستمنى في مكان عام - سيارة أجرة. وبررت هيئة المحكمة قرارها بأن "ما لقاه المتهم من إجراءات ضبط وحبس احتياطي كفيل بردعه وعدم معاودته ارتكاب ذلك السلوك". علماً أن أشد العقوبات تستخدم بحق فتيات متهمات بـ"خدش الحياء العام" بملابسهن أو منشوراتهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما تطبيق تيك توك في الآونة الأخيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard