زيتون الجنوب… يُزرَعُ في الأرض وينمو في الوجدان

زيتون الجنوب… يُزرَعُ في الأرض وينمو في الوجدان

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 6 مارس 20267 دقائق للقراءة

زيتون الجنوب… يُزرَعُ في الأرض وينمو في الوجدان

استمع/ي إلى المقال هنا

تم إنتاج المحتوى الصوتي من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي، لمزيد من المعلومات اضغط/ي هنا

كنتُ قد وشمت زيتونة على جسدي قبل أن أصير أمّاً. لم أكن أعلم حينها ما هذا الصوت الّذي يطلب منّي أن ألصق زيتونة بجسدي. لكنّني فعلتُها.

جاءت الأمومة لتخبرني أنّني كنتُ زيتونةً منذ الأزل، وصار لي طقس أمارسه مراراً كلّما شعرت في حاجة إلى الهرب من العالم: أتخيّل نفسي أدخل في زيتونة وأصيرها وأروح أتلوّى في جذورها، أتّصل بعالم الجذور الّذي لا يعرف الانفصال. زيتونة هنا في حديقة بيتي في تنّورين، هي جارة زيتونة بيت جدّي في الجنوب.

كنتُ أنشر الغسيل بقرب شجرة الزيتون في حديقتي ورحت أغنّي "إسوارة العروس"، أغنية فيروز للجنوب، وأنا الّتي ظننتُ أنّني بدأتُ أعتاد ما يحصل، فرحت أبكي بحرقة.

رأيت الجنوبيّين أشبه بأسراب زيتون تتدفّق مبتعدةً عن أراضيها، تنسلخُ عن جذورها، لكنّني قلت: أنا جنوبيّة أيضاً. وأينما حللتُ أرى زيتوناً، وكأنّي لم أفارق موطني. كلّ زيتون جنوبيّ في قلبي. وكأنّ فيّ طفلة تؤمن بأن هذه الشجرة لا تنمو إلّا في موطنها. هذه الطفلة تكتب الآن مقالاً قد تنزلق فيه إلى كتابة نصّ عاطفيّ.

الزيتون خالق الجنوب

أؤمن، إسوةً بإيمانويل كوتشيا في كتابه "حياة النباتات"، بأنّ الزيتون هو الّذي خلق الجنوب.

إنّ الأشجار هي الّتي فتحت إمكانية الحياة على هذه الكرة الأرضيّة. إنّها السكّان الأصليّون، إذ تشكّل الصلة الوحيدة الفيزيقيّة والميتافيزيقيّة بين الأرض والسماء، لأنّها تمتدّ عميقاً في التراب، وعالياً نحو الفضاء.

كنتُ أنشر الغسيل بقرب شجرة الزيتون في حديقتي ورحت أغنّي "إسوارة العروس"، أغنية فيروز للجنوب، وأنا الّتي ظننتُ أنّني بدأتُ أعتاد ما يحصل، فرحت أبكي بحرقة

وعبر عمليّة التمثيل الضوئي، تحوّل الشمس أوراقها إلى ثمر. هذه العمليّة هي "الحركة الّتي يتنفّس بها العالم نفسه. الصيرورة الكونيّة الّتي تصير عبرها الشمس مادّة للأرض". إنّها تطعمنا الشمس، بمعنى يكاد يكون حرفيّاً وغيريّة الشجرة هي الّتي تتيح إمكان أن تنشأ حياة في البشريّ. إنّ الشجر في انسحابٍ تامّ إلى الخدمة بلا ثقل ولا جهد. هي صلة الوصل ما بين العناصر الطبيعيّة والغذاء. إنّها المصنع. انصهار العناصر الأربعة: الماء والتراب والهواء والضوء. وهذا الانصهار هو ما تعلّمنا إيّاه الأشجار: "أن نحيا يعني أن نختبر امتزاجاً مع العالم"، كما يقول كوتشيا.

وكلّما غدا الإنسان متجذّراً في أرضه أكثر اقترب من أن يكون أصيلاً في هذه الأرض، ومحوراً للحياة فيها. إنّه بقدر ما يبتعد عن "نباتيّته"، يبتعد عن أصالته.

الأشجار تخلق المكان، لا تحيا فيه. بالبداهة يكون الناس أشباه الأشجار لا العكس. فما تفرضه الطبيعة على الإنسان من أنواع نباتات، هو فرض لنظام معيّن من الرعاية والجمال والعلاقات.

أن تحيا بقرب زيتونة يعني أن تحيا في علاقة مع "كائن" هائل صبره، هادئ جماله، قريب جدّاً حدّ الحميميّة، مستقلّ وعنيد أمام الريح، وهذا يبني قيمك وصورتك عن ذاتك، أنت، أيّها الإنسان.

تشكّل الثروة الشجريّة البيئة الّتي تنمو فيها علاقة الإنسان مع الآخرين ومع العالم، فيغدو السؤال عن الجنوبيّ بناءً على هذا ليس عن الشجرة-الزيتونة، بل عن "وجوده في العالم" بوصفه وجوداً "زيتونيّاً".

إنّ هيئة الزيتون تعكس نسقاً في التعامل مع "الصدمات" الطبيعيّة، فهي تنمو ببطئ شديد، وبثبات أيضاً. تتكتّل على نفسها وتراكم الوقت وتغيّراته في جذعها، كوشمٍ في مواجهة العواصف والعوامل الطبيعيّة. جذعها هو أرشيف الصمود والتكيّف والحكمة في الانحناء.

للزيتون درجة من الاخضرار تشي بالحكمة المعتّقة، حيث يدخل لون التراب الثابت بلون العشب المتجدّد. إنّه "مزيجٌ ميتافيزقي" بحسب تعبير كوتشيا. هذا اللون المحافظ على ثباته صيف شتاء خصلة من خصال الجنوبيّين. حكمته بأنه يكشف عن المعنى العميق لوجودهم غير الصارخ، بل المنسحب إلى ذاته، في ذاته، لا يحتاج إلى الإثبات.

ثقافة الصمود: شرطٌ للبقاء

يعرف عن الزيتون علميّاً أنّه يعود إلى الحياة تحت أيّ ظرف ما عدا اقتلاعه من جذوره، فحتّى الاحتراق لا يقف في وجه إرادته للحياة.

يحيا الجنوبيّ اليوم في محاولة لاقتلاعه من جذوره. هذا الاقتلاع من "طريقة وجوده في العالم" هو المعنى الأعمق للمأساة الّتي يعيشها.

لقد تدرّب الجنوبيّون، إسوةً بالزيتون، على التعامل مع الموت والعودة، لكنّهم لم يتدرّبوا على إبقاء جذورهم طليقةً لا تعرف أين تتمدّد.

إنّ الابتعاد عن الأرض قسراً هو بمثابة ابتعاد عن المركز. يقول كوتشيا إنّ التجذّر -تجذّر الشجرة - ليس فعلاً فيزيائياً لامتصاص الغذاء فحسب، بل هو "فعل توجيه Orientation". إنّه تثبيت لأفق الإدراك البشري؛ وبدونه يصبح الفضاء فضاءً هلامياً بلا معالم.

لقد تدرّب الجنوبيّون، إسوةً بالزيتون، على التعامل مع الموت والعودة، لكنّهم لم يتدرّبوا على إبقاء جذورهم طليقةً لا تعرف أين تتمدّد

التهجير، إذاً، ليس جغرافيّاً، بل رميٌ للوجدان الجنوبيّ في خلاء وجوديّ. هذا الخلاء الّذي يُقاوَم بالتذكّر والإيمان و"حلم العودة". كذلك، فإنّ إبادة الثروة الشجريّة في الجنوب تحت وطأة الحرب هو محاولة لتدمير الوجدان الشعبيّ لأصحاب هذه الأرض أو لأبنائها.

إنّ قولنا هنا بالمعنى الوجوديّ لعلاقة الجنوبيّين بزيتونهم، ليس إلّا قولاً، على سبيل التذكير، بأنّ التجذّر والنموّ والثبات والارتباط الوثيق بالرحم-الأرض، كلّها معالم وجدانٍ لا معالم ارتباط فيزيائيّ فقط، فتكون بذلك كلّ محاولات السلخ عن المركز محاولات سطحيّة، لأنّ الارتباط الحقيقيّ هو ارتباط بأرض القلب.

أرض القلب: خزّان الزمن

تشكّل شجرة الزيتون تجسيداً للذاكرة الجماعيّة. منحوتةً حيّة للزمن لأنّها لا تكفّ عن النمو والتنفس، ومع ذلك فهي ثابتة راسخة في الأرض، وهو ما يسميه ديفيد أبرام في كتابه "سحر المحسوس" بـ"الآن الأبديّ" يتجلّى في تلك القدرة الفريدة للأشجار على الحفاظ على ماضيها حياً في حاضرها، فالجزء الذي نلمسه من الجذع ليس "مخلفات" سنوات مضت، بل هو الهيكل الذي يدعم نمو اليوم.

للزيتون حمولة أسطوريّة ورمزيّة قديمة، إذ غالباً ما ارتبط بالخصوبة لكونه دائم الخضرة، وبالقداسة لكونه ينتج زيتاً يقدم على المذابح وفي المعابد، كذلك كان استخراج زيته من الأسرار الإلهيّة الّتي علّمتها إزيس المصريّة للبشر.

أفكّر في الحياة بقداستها، في أهلي بالجنوب، في الزيتون وهو يحترق، في الزيتون وهو ينجو. أفكّر في الكروم تعود بعد احتراقها، وفي الناس ببيوتها، في الزيت وهو ينضج في الموسم المقبل. أفكّر في أنّ الأرض أبقى من الحرب

ثمّ في العهد القديم استعملت خضرتها الدائمة لتشبيه الثبات في الإيمان "أَمَّا أَنَا فَمِثْلُ زَيْتُونَةٍ خَضْرَاءَ فِي بَيْتِ اللهِ. تَوَكَّلْتُ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ." مزمور 52: 8. وقداسة الزيت تجلّت في القرآن بأبهى حللها في سورة النور الآية 35 "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". وكأنّ الذروة الماهويّة لهذه الشجرة تتمثّل في زيتها مباركاً نقيّاً، أي أنّ "الخيمياء" النباتيّة في الزيتون الصامد والعتيق تتمثّل بتحويل التراب الميّت (كونه يرمز للدفن والموت) إلى مادّة حيّة تقدّس الحياة.

أفكّر في الحياة بقداستها، في أهلي بالجنوب، في الزيتون وهو يحترق، في الزيتون وهو ينجو. أفكّر في الكروم تعود بعد احتراقها، وفي الناس ببيوتها، في الزيت وهو ينضج في الموسم المقبل. أفكّر في أنّ الأرض أبقى من الحرب.

بعد هذا، أمزّق أفكاري عن بعضها إرباً، أشرّدها، وأُنبتُ بينها زيتوناً.

أمنحُهُ عراقته وصمتاً شجيّاً.

أمنحُ نفسي ليونة أفعى وأمضي في الجذور.

أقول: أيّها الجذر، تمزّق، توسّع، أدخلني إلى الضيق الخفيّ، امنحني أن أُعجن في الجذور.

قل لي إنّ بإمكاني أن أكون حين أعود: شجرة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image