"الأخبار المضللة والتكتم على الخسائر"... بماذا ينصح أكاديميو إسرائيل في الحرب النفسية؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 10 مارس 20269 دقائق للقراءة

في شباط/ فبراير 2022، نشرت مجلة التكنولوجيا والأمن السيبراني الإسرائيلية، التي تحمل اسم "الهمس الرقمي"، بحثاً مطوّلاً بعنوان "معركة الوعي في الفضاء السيبراني"، يركّز على أنّ "معركة الوعي" ليست مجرد مصطلح نظري، بل ساحة فعلية للصراع في العصر الرقمي.

في تلك الورقة، يعرض الكاتب يوفال س، كيف أنّ الفضاء السيبراني أصبح ميداناً رئيسياً للصراع وربح "الحرب النفسية"، حيث يتم التأثير على إدراك الجمهور وتشكيل تصوّراته عن الواقع والمعلومات والأحداث السياسية. لا يقتصر هذا على نشر أخبار مضلِّلة -كما ينصح الباحث صنّاع السياسات صراحةً- بل يشمل تحريك إدراك الأفراد والمجتمعات بأكملها بطريقة إستراتيجية عبر قنوات إلكترونية مختلفة.

ومنها ننطلق لفهم الاستثمار الإسرائيلي في الحرب النفسية، والذي يتحرّك بين السيطرة على الخوارزميات، واحتلال منصات كبرى، إلى سياسة التخويف الممنهج (انتظار الكارثة)، واستخدام كلمات محددة لتعزيز الخوف وتكريسه وإحباط أي محاولات لتجاوزه في المستقبل.

أهمية الحرب النفسية

وفق هذه المرجعية، نفهم أهمية الحرب النفسية التي تشنّها إسرائيل، والتي لا تقلّ ضراوةً وتأثيراً عن الحرب العسكرية. فإذا كانت العمليات العسكرية تؤدّي إلى أضرار مادية كبيرة لما تسبّبه من خسائر في الممتلكات والأرواح، وتؤدّي إلى القضاء على القدرات العسكرية وإلحاق أقصى الخسائر بـ"العدو"، فإنّ الحرب النفسية تقضي عليه معنوياً وتستهدف إرادته وقدرته على الاستمرار في المواجهة، تحديداً المدنيين.

ينصح يوفال س، صانعي السياسات الإسرائيليين بأنّ الفضاء السيبراني أصبح ميداناً رئيسياً للصراع وربح الحرب النفسية، وبحسبه يجب ألا يقتصر على نشر أخبار مضلِّلة بل يجب أن يشمل تحريك إدراك الأفراد والمجتمعات بأكملها بطريقة إستراتيجية عبر قنوات إلكترونية مختلفة

أبعد من ذلك، إذا كان توقيت العمليات العسكرية يبدأ من ساعة إطلاق الصواريخ أو تحليق الطيران الحربي والمسيّرات وتنتهي بانتهاء هذه العمليات، فإنّ الحرب النفسية غالباً لا توقيت محدّداً لها.

أدوات الحرب النفسية الإسرائيلية

بثّ الدعاية عن تفوّق إسرائيل العسكري والتكنولوجي، بالإضافة إلى توافر الإمكانات والقدرات العسكرية لديها طوال الوقت، وكذلك بث الأخبار المضللة التي تهدف إلى إحداث شرخ في صفوف الجبهة الداخلية لـ"العدو"، والتكتم على حجم الخسائر البشرية والمادية نتيجة استهدافها، وتصوير الجيش الإسرائيلي على أنه قوة لا تُهزم، واستهداف شرائح المجتمع كلها ومن كافة الأعمار دون أخذ الفئات الهشّة في الحسبان، ودون التفرقة بين محاربين ومدنيين، وإنذارات الإخلاء التي تطالب السكان بترك بيوتهم وأعمالهم وأرزاقهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم والانتقال إلى العراء، والدمار الهائل الذي تخلّفه الغارات الإسرائيلية، جزء من هذه الحرب النفسية.

أما الوسائل، فتبدأ ببث الشائعات والأخبار عبر الصحف والمواقع الإلكترونية وحتى تصريحات المسؤولين، وقصاصات أوراق ومناشير تلقيها المروحيات الإسرائيلية من سماء المناطق المستهدفة، ولا تنتهي باستهداف المدنيين والأطفال والنساء والمستشفيات ودور العبادة وحتى قوافل النازحين، أي لا تنتهي بفعل القتل نفسه. حدث هذا في غزة طوال حروب إسرائيل عليها سابقاً بما فيها الإبادة الأخيرة التي تركت أثرها في نفسية كل من شاهدها من تخوف تكرار السيناريو معه ومع عائلته، وصولاً إلى يومنا هذا، وأيضاً في اعتداءاتها على لبنان واليمن والعراق وسوريا وصولاً إلى إيران اليوم.

في مختلف أنواع الحروب التي تشنها إسرائيل في المنطقة، عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً، لا تراعي قانوناً أو عرفاً أو حتى أبسط قواعد الأخلاق الإنسانية التي تُجمع عليها البشرية، وهذا جزء لا يستهان به من الحرب النفسية أيضاً.

إنذارات الإخلاء

"يا سكان جنوب لبنان، لضمان سلامتكم عليكم إخلاء منازلكم فوراً والانتقال شمالاً إلى وراء نهر الليطاني"، و"اانتبهوا، إنّ أي تحرّك جنوباً قد يعرّض حياتكم للخطر".

بهذه الكلمات ينذر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر منصة إكس، سكّان الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وغيرها من المناطق في لبنان، بضرورة إخلاء منازلهم وقراهم وبلداتهم تمهيداً لقصفها.

أكثر من ذلك، لا يكتفي أدرعي بمطالبة السكان بإخلاء منازلهم ومناطقهم، بل يحدّد لهم الوجهة التي عليهم الانتقال إليها شرقاً أو غرباً، شمالاً أو جنوباً، ما يوحي بأنّ إسرائيل تسيطر على الموقف تماماً، وتتحكم بالحاضر والمستقبل كذلك، وهذا أيضاً من عدّة الحرب النفسية.

قانونياً، "تشكّل ممارسة الإخلاء القسري انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في السكن اللائق"، وفق القرار 1993/77 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

برغم ذلك، لا يكفّ أدرعي، عن توجيه "أوامر الإخلاء"، بدءاً من تسميتها أوامر بهدف تكريس صورة المسيطر، وصولاً إلى فعل الصدمة الذي تتركه في السباق مع الوقت بهدف النجاة، والذعر الذي يصيب المدنيين، والمشهد الجماعي للهرب.

يخاف السكان ويهلعون من مجرد صدور أوامر الإخلاء، ثم تنتابهم المشاعر نفسها عند وقوع الغارة أو انفجار الصاروخ، ثمّ بعد ذلك حين يرون ما خلّفه من دمار، وهكذا تكون الضربة الإسرائيلية مضاعفةً، والمعاناة كذلك، ناهيك عن الأضرار المادية والاجتماعية وغيرها.

"مركز عمليات تشكيل الوعي" (ملات)

الحرب النفسية هذه ليست وليدة اللحظة، إنما هي ثمرة خطط محكمة ودراسات معمقة تجريها مراكز أبحاث وتخطيط. أبرز هذه المراكز "مركز عمليات تشكيل الوعي" الذي تأسس ضمن هيئة العمليات في الجيش الإسرائيلي، بعد العام 2005، ثم انتقل إلى شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، ومهمته التأثير على الخصوم، وتتسم نشاطاته بالسرّية.

تصيب الحرب النفسية المستهدفين، باضطرابات نفسية وسلوكية، وفي حالات كثيرة تتسبب لهم بأزمات صحية حادّة، واضطراب في النمو خاصةً لدى الأطفال.

لاحقاً، وتحديداً في العام 2005، أي قبل عشرين عاماً، قرّر الجيش الإسرائيلي إعادة تشكيل وحدة الحرب النفسية ضد الفلسطينيين، لتتوسع لاحقاً وتشمل كل من "قد" تخوض إسرائيل ضدّهم حروباً.

يعمل المركز على تغيير مواقف الفئة المستهدفة ومشاعرها وسلوكياتها عبر خداعها وبث دعاية كاذبة لها وترويج أفكار ومصطلحات وأخبار الهدف منها تحطيم معنويات "العدو" وبيئته الحاضنة لينفكّ مؤيّدوه وداعموه عنه، ويصبح لقمةً سائغةً بالإمكان ابتلاعها بسهولة دون أي قدرة على إعادة بناء نفسه وقدراته.

منظومة متكاملة

في عودة إلى الوراء، كان المفكر الإسرائيلي رون شليفر، قد أشار في ورقة بحثية تعود إلى العام 2002، أي بعد تحرير جنوب، "أنّ المواجهات لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت تدور أيضاً في مجال الإدراك والوعي العام، حيث تحاول كل جهة التأثير في طريقة فهم الخصم والجمهور للأحداث، ودفعه إلى الاعتقاد بأن استمرار القتال أو المقاومة بلا جدوى".

"الحرب النفسية ليست مجرد دعاية إعلامية عابرة" يشرح شليفر وينصح القادة العسكريين في آن معاً، بل منظومة متكاملة تقوم على تحديد الجمهور المستهدف، وصياغة الرسالة، واختيار الوسيلة المناسبة لنقلها، وتُوجَّه إلى الجنود في الميدان، أو إلى السكان المدنيين في الطرف الآخر، أو حتى إلى الرأي العام الدولي الذي يلعب دوراً حاسماً في تشكيل الشرعية السياسية لأي حرب.

ويوضح الباحث الإسرائيلي في تحليله لتجربة الصراع في جنوب لبنان قبل انسحاب إسرائيل منه عام 2000، أنّ التنظيمات غير النظامية استطاعت أحياناً تقليص الفجوة مع الجيوش النظامية عبر الجمع بين العمل العسكري المحدود والتأثير النفسي والإعلامي.

فالحروب المعاصرة حسب شليفر، أصبحت في جزء منها صراعاً على السردية والشرعية بقدر ما هي صراع على الأرض. القدرة على التأثير في وعي الجمهور المحلي والدولي يمكن أن تحسم مسار الصراع نفسه، وهو ما يجعلها أداةً إستراتيجيةً لا تقلّ أهميةً عن الأدوات العسكرية التقليدية.

تعدّد الأساليب… والنتائج

تنشر إسرائيل مع كل حرب تشنّها قائمةً تضمّ الشخصيات التي استهدفتها والتي تنوي استهدافها، ثم تقوم بعد التمكّن منها بوضع علامة "إكس" على صورتها بمعنى "تمّ القضاء عليه". هذه العلامة تربك الجهات المستهدَفة، وتثبط عزائم مؤيديها وأنصارها، وتكسر معنوياتهم ما يضعضع الجبهة الداخلية للجهة أو الدولة المستهدفة.

يشير المفكر الإسرائيلي شليفر إلى أنّ "المواجهات لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت تدور أيضاً في مجال الإدراك والوعي العام، حيث تحاول كل جهة التأثير في طريقة فهم الخصم والجمهور للأحداث، ودفعه إلى الاعتقاد بأنّ استمرار القتال أو المقاومة بلا جدوى"

في السياق، تحدّد إسرائيل أماكن بعينها وتعلن أنها سوف تستهدفها بذريعة أنّ فيها مخازن أسلحة أو ذخائر أو مصانع عسكرية. في كثير من الأحيان تكون هذه الأهداف أهدافاً مدنيةً لا سلاح فيها ولا ذخائر، ما يُنزل الخوف والهلع والرعب في نفوس ساكنيها والساكنين بجوارها وغيرهم من المتابعين. فما الذي يمنع أن تعلن بعد ساعات مثلاً أنّ منازلهم عبارة عن مستودع للأسلحة والذخائر وتعمل على استهدافها؟

إلى ذلك، تقوم خلال حروبها، وهو ما حصل مؤخراً في غزة ويحدث اليوم في لبنان، بالاتصال بأشخاص بعينهم غالباً لا ناقة لهم في ما يجري ولا جمل، عبر أرقام محلية لتُبلغهم بضرورة الابتعاد عمّن تسميهم "مخرّبين" و"إرهابيين" هدفهم إشعال الحروب وزعزعة الأمن والاستقرار وتقويض جهود السلام، أو تطلب منهم إخلاء منازلهم، ما يضع المتّصَل بهم في حيرة من أمرهم ويرسم في أذهانهم أكثر من علامة استفهام: كيف عرفوني؟ من أعطاهم رقمي؟ لماذا أنا؟ ولماذا من رقم محلي؟... إلخ.

لا ينحصر التواصل مع شرائح مختلفة من مجتمع "العدو" في الاتصال الهاتفي المباشر. ثمة وسائل كثيرة تعتمدها إسرائيل منها إلقاء منشورات من طائرات حربية، واختراق محطات إذاعية وتلفزيونية وبث نشرات إخبارية عبرها، وإنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أخبار وفيديوهات تحريضية تتضمن معلومات كاذبةً ومضللةً، وبلغة الجهة المستهدفة.

تؤدي هذه الأدوات مجتمعة إلى عدد من النتائج الملموسة، كتهجير السكان من مناطقهم، وإضعاف معنوياتهم، وربما تأليبهم على المقاتلين، بهدف السيطرة على عقولهم، مما قد يجعلهم أقرب لقبول الشروط الإسرائيلية للتطبيع.

كما تؤدي إلى رفع مستوى التوتر النفسي لدى المستهدفين، وتصيبهم بصدمات نفسية يحتاجون إلى وقت طويل للخروج منها وأحياناً ترافقهم بقية أعمارهم، كما تؤدي إلى اضطرابات نفسية وسلوكية وعاطفية لديهم، خاصةً الأطفال والنساء، وتؤدّي في حالات كثيرة إلى انهيارات نفسية أو أزمات صحية حادة، ناهيك عن الأرق وصعوبة في النوم لفترات طويلة واضطراب في النمو خاصةً لدى الأطفال.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image