تحركات مصرية ضد التحرش... البرلمان يتجه لتغليظ القانون والمحكمة تشدد عقوبة "طبيب الميكروباص"

الاثنين 28 يونيو 202104:38 م

بعد ساعات قليلة من تلقيها مشروع القانون المحال إليها من رئيس البرلمان، وافقت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في البرلمان المصري على مشروع تعديل المواد الخاصة بالتحرش الجنسي في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وذلك في جلستها المنعقدة أمس 27 يونيو/حزيران، وتنص التعديلات الجديدة على تعديل تعريف جريمة التحرش من جنحة إلى جناية، من دون تعديل كبير في العقوبة المفروضة. 

وبعد تلك الموافقة بيوم واحد، أصدرت محكمة جنح مستأنف الزقازيق صباح الاثنين 28 يونيو/ حزيران، قراراً بتعديل عقوبة الطبيب المتحرش المعروف بـ"طبيب الميكروباص"، إلى سنتين مع الشغل، بعد أن حكمت محكمة أول درجة بحبسه سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.

ويأتي تغليظ الحكم على طبيب الميكروباص بعد أيام من تفجر واقعة تحرش جديدة بطلها أحد مصممي الأزياء المصريين المشاهير، تحدث عدد من عارضي الأزياء عن وقائع تحرشه بهم مستغلاً سلطته الوظيفية عليهم. 

تحركات متزامنة

كان النائب أشرف رشاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن (الحزب شبه الرسمي، المعبر عن توجهات الدولة والمحسوب على أحد الأجهزة الأمنية السيادية) قد تقدم بمشروع لتعديل المادة "306 مكرر ب" من قانون العقوبات المصري، والمتعلقة بالتحرش الجنسي والتعرض للغير. وينص التعديل على تغليظ عقوبة التحرش وتحويلها من جنحة إلى جناية "نظراً لخطورتها الشديدة على المجتمع وانعكاساتها النفسية على المجنى عليه".

وينص التعديل على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو الفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية أو وسيلة تقنية أخري. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني خلال الملاحقة والتتبع للمجنى عليه، وفي حالة العود تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديها الأدنى والأقصى". على أن تزيد العقوبة إلى سبع سنوات في حال كان الجاني يتمتع بسلطة أسرية أو دراسية أو وظيفية، تجيز له إكراه المجنى عليها أو تسمح له الظروف بممارسة ذلك الضغط.

لمياء لطفي عضو مؤسسة المرأة الجديدة: "سنتان مع الشغل، ليست أقصى عقوبة للتحرش، لكن مجرد تعديل الحكم على طبيب الميكروباص من سنة مع إيقاف التنفيذ إلى عقوبة أقسى، هي خطوة إيجابية تواجه ثقافة إفلات المتحرشين من العقاب".

ولم تكن وقائع التحرش الجنسي مجرمة في القانون المصري إلى أن ورد أول تعريف لها في عام 2014، ولم يصدر القضاء أية أحكام ضد مرتكبي التحرش الجنسي قبل عام 2008، في قضية كان للضغط الإعلامي الذي بدأ على يد المدونين المصريين فيها دور كبير.

وأعلن السفير البريطاني لدى مصر جيفري آدامز اليوم الاثنين 28 يونيو/حزيران عن توقيع سفارة دولته "الميثاق الأخلاقي لمناهضة التحرش ضد المرأة في أماكن العمل" التي شاركت السفارة في إعدادها مع منتدى الخمسين والمجلس القومي للمرأة، لتبنيها في أماكن العمل في مصر التي تشهد واحدة من أعلى نسب التحرش الجنسي بالنساء في العالم.

ويأتي تغليظ الحكم على طبيب الميكروباص بعد أيام من تفجر واقعة تحرش جديدة بطلها أحد مصممي الأزياء المصريين المشاهير، الذي تحدث عدد من عارضي الأزياء عن وقائع تحرشه بهم مستغلاً سلطته الوظيفية عليهم. 

كما شهدت مصر خلال الأشهر الأخيرة عدة وقائع لقيت صدى إعلاميًا وتحركًا سريعًا من جهات إنفاذ القانون في وقائع تحرش بالرجال والأطفال. وبدأت أصوات من داخل المطبخ السياسي للدولة تنضم إلى أصوات المجتمع المدني من أجل المطالبة بتعديل المواد القانونية الخاصة بردع مرتكبي جرائم التحرش والتحرك الجاد لمواجهة الظاهرة. 

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد تعهد لدى انتخابه في ولايته الأولى عام 2014 القضاء على ظاهرة التحرش الجنسي في مصر، بعدما تعرضت مواطنة مؤيدة له لجريمة التحرش الجماعي، على يد مجموعة من الرجال المؤيدين أيضاً خلال احتفال في ميدان التحرير بفوزه في الانتخابات. وقتذاك زار السيسي الضحية وأمر وزير داخليته بالتحرك الفوري للقضاء على التحرش الجنسي.

طبيب الميكروباص

تعود واقعة طبيب الميكروباص إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، عندما لاحظت طالبة بجامعة الزقازيق (محافظة الشرقية شمال شرقي العاصمة القاهرة) أن معيداً بكلية الطب في نفس الجامعة قد استقل حافلة ركاب صغيرة "ميكروباص" معها، وتعمد الوقوف بجانبها وأخذ يعبث بعضوه الذكري، وقامت الطالبة بتسجيل الواقعة وتقدمت ببلاغ إلى قسم ثاني الزقازيق، وتدخلت نقابة الأطباء الفرعية بالزقازيق لممارسة الضغوط المهنية والإعلامية لتبرئة الطبيب، حتى إنها إصدرت شهادة طبية بأنه مصاب بـ"استمناء لا إرادي" وأن لا حيلة له في ارتكاب الواقعة. 

وعند نظر القضية، أصدرت محكمة جنح بندر الزقازيق المختصة حكمها بالحبس سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات (أي تسقط العقوبة بعد ثلاث سنوات إن لم يرتكب جريمة أخرى). وقال محاميه وقتذاك إن المحكمة "وجدت أنه لم تثبت نيته ارتكاب فعل فاضح". 

"هناك حساسية خاصة لهذه القضية، فالطبيب المتحرش يملك سلطتين، أولاهما كونه معيدًا بكلية الطب ولديه "ولاية دراسية" على الطالبات بحكم القانون والأعراف الجامعية، كما أنه طبيب يتعامل مع مريضات لا حول لهن أمام سلطته العلمية والصحية ويمكنه ارتكاب أفعال التحرش والتذرع بسلطة الطب والعلاج، ما يجعل هذه القضية ذات أهمية خاصة".

وهو ما تنفيه لمياء لطفي، العضوة في مؤسسة المرأة الجديدة التي تابعت ملف القضية، وتوضح لرصيف22: "ليس صحيحاً أن المحكمة لم تجد لديه النية لارتكاب الفعل، وإنما بنت دوافعها للحكم المخفف على أنها وجدت في واقعة القبض عليه ثم حبسه احتياطياً إجراءات كافية لردعه وتهذيبه حتى لا يكرر الفعل، ووجدت المحكمة أن صغر سنه ووضعه الاجتماعي والمهني جديران بالاعتبار في الحكم عليه".

وتقدمت نيابة قسم ثاني الزقازيق بطلب استئناف الحكم على خلفية ثبوت ارتكاب الجاني للواقعة، وهو ما قبلته المحكمة. إلا أنه من المتوقع أن يقوم دفاع الطبيب بالتقدم إلى محكمة النقض بطلب إعادة المحاكمة للإفلات من العقوبة المقررة في الاستئناف.

 وتضيف لطفي: "ليست سنتان مع الشغل أقصى عقوبة للتحرش، لكن مجرد تعديل الحكم من سنة مع إيقاف التنفيذ إلى عقوبة أقسى هي خطوة إيجابية تواجه ثقافة إفلات المتحرشين من العقاب".

وترى أن هناك حساسية خاصة لهذه القضية، فالطبيب المتحرش يملك سلطتين، أولاهما كونه معيدًا بكلية الطب ولديه "ولاية دراسية" على الطالبات بحكم القانون والأعراف الجامعية، ما يمنحه سلطة تجيز له الإفلات من العقاب وممارسة الإكراه على الطالبات، كما أنه طبيب يتعامل مع مريضات لا حول لهن أمام سلطته العلمية والصحية ويمكنه ارتكاب أفعال التحرش والتذرع بسلطة الطب والعلاج، ما يجعل هذه القضية ذات أهمية خاصة.  

وتختم: "لهذا يناقش المجتمع المدني نقابة الأطباء في ضرورة شطب هذا الطبيب من جداولها وسحب ترخيص ممارسة المهنة منه، فهو غير مؤتمن على المريضات أو طالبات الطب". 

وترد العضوة في مؤسسة المرأة الجديدة المسؤولة عن متابعة ملف القضية بالمؤسسة على دفوع كونه "مريضًا بالاستمناء اللا إرادي" بأنه، بحسب الشهادة الطبية نفسها التي قدمها الدفاع خلال المحاكمة الأولى، "يتمتع بكافة قواه العقلية وأهليته كاملة، وهذا يعني أنه مسؤول عن تصرفه حتى لو كان مريضاً بالفعل، فهو واع بمرضه ومسؤول عن تلقي العلاج. هذا مؤداه في كل الأحوال أنه غير أمين وغير جدير بممارسة مهنة الطب".

 وعن إمكانية تأثير تحركات اللجنة التشريعية بالبرلمان على الحكم على الطبيب، تنقل لمياء لطفي الرأي القانوني الذي يرى أنه حتى في حالة تعديل قانون العقوبات بشكل نهائي في البرلمان، فإن فلسفة القانون تقضي بألا يجري تطبيقه بأثر رجعي، لذا فمن غير المرجح أن تأخذ محكمة النقض بالتعديلات، إلا أنها صاحبة سلطة القرار خاصة أن المحاكمة، وفقاً للقانون، ستُعاد.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard