"لا أستطيع تخيّل ابنتي مُغتصَبة ولا أن أنام"

الثلاثاء 24 نوفمبر 202004:59 م

رُزق سيد محمود، يسكن في القاهرة، ابنة قبل عام وبضعة أشهر، "مليكة"، "الشقية والهانم" كما يصفها، وفوراً تغيرت نظرته إلى النساء عقب ولادتها، فتحوّل إلى مُبشِر بالنسوية وحقوق المرأة عبر كتاباته وعمله اليومي بالصحيفة، وفي تفاصيل حياته أيضاً، إذ راح يشارك زوجته في مهام البيت ويدعمها في اختياراتها العملية وإن كانت غير متوافقة مع نظرة المجتمع.

فزع في منتصف الليل

يقول محمود (31 عاماً) يعمل في مجال الإعلام لرصيف22: "كل يوم لي حصة رعب أعيشها خوفاً على ابنتي. حوّل المجتمع فرحتي بها، بعدما كانت حلماً لي، إلى كابوس مرعب. كل يوم أطالع أخباراً عن اغتصاب طفلة، أو تعرضها للتحرش".

قبل أن ينجب محمود كان يتأذّى من هذه الأخبار ولا يقرؤها، أما بعد مليكة فأصبح عاجزاً عن قراءة حتى عناوينها لأنها تضخم من مخاوفه، يتخيل أحياناً أن ابنته قد تكون ضحية مثلها يوماً، يقول: "كأني أرى الأطفال وقد تحولوا إلى ضحية سابقة تتعافى، وضحية حالية مُلامة، وضحية مستقبلية".

يملي عمله الصحافي عليه قراءة أخبار كتلك، لكن بعد "مليكة"، أصبح يهرب منها، ويطلب من زملائه إعفاءه منها، ويخبرنا عن أقصى درجات القلق التي وصلها عقب واقعة ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي، عن اغتصاب طفلة بعمر العامين "ترتدي البامبرز"، يقول محمود: "ليتني ما قرأتها، استيقظت في منتصف الليل خائفاً إذ تخيلت ابنتي محلها، ولكني لم أستطع أن أتخيّل".

حوّل القلق محمود إلى شخص مفرط الإحساس تجاه ابنته، يقول: "إن صرخت أهرول اربما أصابها مكروه، وإن غابت عن عيني أبحث عنها خوفاً من أن تكون قد أصبحت ضحية".

 "إن صرخت أهرول عسى أن يكون أصابها مكروهاً، وإن غابت عن عيني أبحث عنها خوفاً أن تكون أصبحت ضحية"

يرى سيد محمود أن ابنته التي طالما حلم بإنجابها لتكون أمه، ومصدراً للحنان "الطفلة أم أبيها"، أصبح يقلق عليها من مستقبل لا يعلم ملامحه، فلا أمان في الشوارع، ولا بين الناس، الذين قد يبررون ما تتعرض له ابنته إذا أصبحت ضحية يوماً ما، وضاع مستقبلها في مجتمع "يعتقد أن الاعتداء على الأنثى شطارة"، على حد تعبيره.

وبروح إيجابية يضيف: "الآن أُذاكر لأعلّم ابنتي كيف تحافظ على نفسها وجسدها، وكيف ترسم حدوداً لخصوصيتها، وتؤمن بنفسها، وترفض محاولات التقليل منها، كما سأقول لها إني نني آمنت بها قبل أن تأتي إلى الدنيا، وسأخبرها أنني لم أستمع لمن قالوا إن الولد أفضل لأنه سيحمل اسم أبيه، فقلت إن ابنتي أيضاً ستحمله بإخلاصٍ أكثر من الولد".

إجراءات احترازية

أما محمد حسين، مهندس أربعيني، مصري مقيم بالسعودية وأب لابنتين، أكبرهما سهيلة في الثانوية العامة، اتخذ قبل سنوات قراراً بخصوص ابنتيه، يقول لـرصيف22: "أخذنا إجراء احترازياً بعد ثورة يناير بتقليل الإجازات إلى مصر، وقبل عامين لم نسافر إلى مصر مطلقاً خوفاً على بنتيّ، بقيت أحس بتوتر وقرف من أخبار التحرش والاغتصاب والمضايقات للبنات".

يرى حسين أن الاضطرابات الاجتماعية التي أعقبت ثورة يناير أخرجت أسوأ ما في أخلاق المجتمع المصري، لكن الاعتداءات والمضايقات الجنسية تطال جميع الفتيات، ولا علاقة للملابس بالأمر، مما دفعه للتفكير أكثر من مرة قبل أن يقدم على زيارة بلده.

"صرخوا وصوّتوا واجروا"

برغم أن السعودية لا تزال تصارع التيارات الدينية المتشددة فيها، لكن تيارات الانفتاح والحرية باتت تعطي مكتسبات جيدة للمرأة، ليست السعودية فقط، وإنما المقيمات داخل المملكة، ولكن "الصورة مش وردية هنا" على حد تعبير حسين.

وتلتقط زوجته أمل الحديث معنا، وتبدي امتعاضها الشديد من كثرة أخبار الاعتداءات الجنسية على الفتيات، تقول لرصيف22: "لما بانزل مصر، ماقدرش أمشي في الشارع براحتي أنا والبنات، ولا ننزل في أي وقت، ولو اتحركنا لازم نركب أوبر، مفيش أمان بكل المقاييس".

إجراءات أمان ووقاية تلقنها أمل لابنتيها، تقول: "في مصر بقولهم لو حد قرب منك صوتي، صرخي، إجري".

وتواجه أسرة سهيلة قلقاً من نوع آخر، فهي على وشك دخول الجامعة، وهو ما سيستلزم مغادرتها السعودية من أجل الإقامة في مصر، تقول والدتها أمل: "بفكر لما سهيلة هتدخل الجامعة هل هنزل معاها، ولا أقعدها مع خالتها أو أولاد عمتها، ولا هل هخليها تركب أوبر، وده مش تفكيري لوحدي، ده تفكير كل اللي بناتهم متربيين برا بأسلوب تربية معين، وسهيلة عاشت حياتها كلها برا مصر، ومتعرفش حاجة عن الشارع المصري".

قلق الآهالي يختلف عن قلق الأبناء، وهو ما أكدته الابنة سهيلة، تقول أنها تتجنب تجمعات الذكور دائماً، وتضيف لرصيف22: "مجرد ما بشوفهم ما ببقاش على بعضي، باكون خايفة، بامشي من الناحية التانية، ولما بانزل مصر بيكون القلق مضاعف".

"مرة كنت نازلة أنا وصاحبتي بنلف في حلوان وفجأة ولد ماسك أخوه الصغير وبيقول له عاكسها، بيعلم الولد وبيشاور له عليا أنا مافهمتش اللي بيحصل لكن مشيت"، تحكي سهيلة.

"لست قلقاً على ابنتي"

أما محمد نبيل عمر، محلل أمني وضابط شرطة سابق، يسكن في بور سعيد، رزق بابنة توأم لابن ذكر، ما جعله يربي الاثنين بنفس الطريقة، فيقول لرصيف22 إنه لم يقلق على ابنته لأن تربيته لها هي نفس تربيته لابنه، ويضيف: "لها شخصية لا تهتز، ولا تشعر بالنقص أو أنها أقل من الذكر، هي قادرة على حماية نفسها تماماً مثل شقيقها".

ويتابع: "أتذكر وهما صغيرين كانت أخته اللي بتدافع عنه من زملائه الصبيان لأنهم كانوا في مدرسة واحدة وصف واحد لأنهم توأم".

"لم تتدرب ابنتي على شيء، ولكن لها أصول صعيدية".

لم يُدرب عمر ابنته على أي فنون قتالية أو وسائل للدفاع عن النفس، لكن ما يطمئنه هو شيء آخر، يقول: "لم تتدرب ابنتي على شيء، ولكن لها أصول صعيدية، أضافت لمكونات شخصيتها، لم تصارحني بتعرضها لمواقف مضايقات، وإذا تعرضت لذلك أظن أنها تتحدث عنه كأمر عابر".

"التربية الجنسية ضرورة"

موّلت مجموعة "كرامة" في عام 2015،  وهي مكونة من 28 هيئة مجتمع مدني، دراسة بحثية عن التكلفة الاقتصادية للعنف، أعدها د. حمدي الحناوي أستاذ الاقتصاد الاجتماعي، أجريت على 1500 أسرة من القاهرة والإسكندرية وسوهاج والمنيا، واقتصرت على أنواع العنف الذي تتعرض له المرأة وكل أشكال الاعتداء البدني واللفظي والتحرش والاستغلال الجنسي.

يقول الحناوي: "إن المجموعة تفاجأت آنذلك بالتكلفة التي قد تتكبدها الأسرة نتيجة انتشار حوادث العنف الجنسي، وهي 140 مليار جنيه على مدار جيل كامل، أي من 15 عاماً حتى 65 عاماً".

يوضح الحناوي وجهة نظره أكثر: "التأثير الاقتصادي للعنف الجنسي ليس فقط ما تتكلفة الأسرة لحماية الفتاة، وإنما ما كان يمكن أن تحققه الفتاة من دخل مادي، وتم منعه أو التغاضي عنه من أجل حمايتها من النظرة المجتمعية ،التي تريد أن تضع الفتيات في خانة العفيفة أو "البنت اللي متلمستش".

"بعض الأهالي يعانون قلقاً زائداً على أبنائهم وبناتهم".

د. ماجدة عدلي طبيبة نفسية، وإحدى مؤسِسات مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، قالت لرصيف22: "بعض الأهالي يعانون قلقاً زائداً على أبنائهم وبناتهم فور ولادتهم، ويغالون في حمايتهم من أطفال مثلهم أو من المجتمع المحيط أو داخل البيت".

لكن لذلك عواقب سلبية، بحسب عدلي، التي تقول: "هذا القلق يقتل الإحساس بالمبادرة لدى الأبناء، واكتشاف الدنيا، ويجعلهم اعتماديين، وثقتهم في أنفسهم ضعيفة، ولن يستطيعوا مواجهة المواقف الصعبة حتى لو كانوا في سن الحضانة فقد يتعرضون هم أيضاً لخطر التحرش أو الاغتصاب، مثلما حدث مع أطفال حضانة المعادي".

"كأني أرى الأطفال تحولوا إلى ضحية سابقة تتعافى، وضحية حالية مُلامة، وضحية مستقبلية"

وتلفت عدلي إلى ضرورة التربية الجنسية للأبناء منذ طفولتهم ليعرفوا كيف يتصرفون في هذه المواقف. وتشرح: "من الصحي والجيد أن يكتشف الأبناء منذ طفولتهم العالم وينخرطوا به، لا أن نمنعهم عنه، بل نجعلهم مؤهلين لحماية أنفسهم مع محاذير نضعها، كأن نقول لهم "بلاش هذا الفعل"، بطريقة مقنعة، وصحيحة، ونشرح "ليه؟"، ولكن لا نُعنفهم".

وتشدد عدلي على ضرورة أن يعلم الآباء أبناءهم كيف يطلبون النجدة أو الشرطة، وكيف يتصرفون حينما لا يكونون مرتاحين في التاكسي أو المواصلات العامة، وكيف يفتحون الأبواب المغلقة، أو النوافذ، ويطلبون النجدة من السيارات بجوارهم أو حتى بالصراخ، وأن يعرفوهم ما هو التحرش، والاغتصاب وفقاً لأعمارهم.

وتختم عدلي: "إذا حبسنا أولادنا ومنعناهم من الاختلاط، فإننا نربي بذلك أطفالاً انطوائيين غير قادرين على التعامل مع الناس ولا مع الجنس الآخر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard