"أشعر بانتصار كبير عندما تشتعل غضباً"... التحرش كأداة انتقام ووهم بالتفوق

الأحد 15 نوفمبر 202009:24 ص

لا تحركه شهوته فقط، بل في أحيان كثيرة يكون السعي للشعور بالانتصار. إنه المتحرش الذي يُشبع إحساسه بالتفوق فور الاعتداء على جسد المرأة، لينظر بعدها لـ"فريسته" بزهوٍ، فيراها "المستكينة الضعيفة" وهو "القوي الذي استطاع إذلالها".

ترتسم الابتسامة السافرة على وجه المتحرش دون أي تأنيب ضمير، وتلاحظها ضحيته في أحيان كثيرة وكأنما يقول لها دون كلمات "استطعت هزيمتك"، بينما يشكل صمت المرأة عما تعرضت له وقدرة المتحرش على الإفلات من العقاب دافعين يستند إليهما لتكرار جريمته.

لطالما تجنبت نساء كثيرات الخوض في تفاصيل ما يعشنه من تجارب مع التحرش، لكن في الفترة الأخيرة ظهرت جرأة أكبر للحديث عن الإيذاء الذي يتعرضن له في الشارع وفي العمل وحتى في الجامعة والمدارس.

تتحدث سماح عن تفاصيل تعرضها للتحرش، فتقول: "كنت في يوم عائدة إلى المنزل، كنت أشعر بتعب شديد، جلست في الأتوبيس بجوار فتاة وكان ورائي رجل شعرت بعد وقت قصير أنه يضع يده على مؤخرتي، فالتفت إليه لم أر شيئاً، وقتها نظرت حولي فوجدت الجميع دون أية ردة فعل ولهذا ظننت أنني أتخيل ما حدث"، مضيفة "تكرر الأمر أكثر من مرة ثم رأيته يضحك بجرأة، كان يتحداني بنظرته، ومن وقتها وأنا ألعن ضعفي".

لا يحدث التحرش في الشارع فقط بل أيضاً في المدارس، كما حدث مع ناريمان التي تُخبر قصتها قائلة: "كنت في الصف الأول الثانوي وكان لي مدرس ينظر لي نظرات غريبة، عرفت أنه لم يكن طبيعياً، ومرة طلبني في غرفة المدرسين، ذهبت إليه فوجدت الغرفة فارغة إلا منه، بدأ يضع يده على جسدي وتمكن من تقبيلي، حاولت أن أحكي ما حدث لماماً ولكنني لم أستطع، أظنه كان يتصور وقتها بطبيعة الحال أنني صيدٌ سهل".

عندما يكون التحرش من الأقارب تكون الكارثة أكبر، ووقتها تحتاج الفتاة إلى جرأة كافية للبوح، خاصة أن البعض لن يصدقها، كما أن العلاقات الأسرية تكون مهددة بالخطر.

تحكي شيماء ما حدث لها فتقول: "كنت أخاف من زوج عمتي بسبب حركاته ونظراته لجسدي، حاولت الابتعاد عنه، ولسوء حظي كان يتواجد في منزلنا باستمرار، في مرة تحرش بي وبدأ يلمس جسدي، أخبرت أمي بما حصل فطلبت مني أن أصمت وأبتعد عنه، وحذرتني من الكلام في هذا الموضوع مرة ثانية".

"لا أعلم، كنت أتسلى إما بكلمة أو حركة، في الحقيقة كنت أشعر بانتصار كبير عندما أرى وجه الفتاة يحمرّ وتشتعل غضباً مني بسبب ما فعلته وهي ضعيفة، كما أنني كنت أقلد أصدقائي، ولم يخبرني أبي يوماً أن ما أقوم به حرام وخطأ، فهو أيضاً كان يتحرش"

"المتحرش شخص مريض يحتاج للعلاج، وأثناء قيامه بالتحرش يشعر أن ما يقوم به متاح"، هذا ما يعلق به محمود (اسم مستعار) حول الموضوع، مشيراً إلى أن "الله تاب عليه وتخلص من هذه العادة الكريهة".

بسؤاله عن سبب تحرشه في الماضي، يقول: "لا أعلم، كنت أتسلى إما بكلمة أو حركة، في الحقيقة كنت أشعر بانتصار كبير عندما أرى وجه الفتاة يحمرّ وتشتعل غضباً مني بسبب ما فعلته وهي ضعيفة، كما أنني كنت أقلد أصدقائي، ولم يخبرني أبي يوماً أن ما أقوم به حرام وخطأ، فهو أيضاً كان يتحرش".

هناك أسباب أخرى يقدمها المتحرش لنفسه لتبرير فعلته، وهو ما يشير إليه سمير (اسم مستعار) بالقول: "البضاعة متاحة أمامك فما الذي يمنعك من الاقتراب منها؟ التحرش ′مزاج′ والارتباط أصبح صعباً. المرأة مستفزة فما الذي تفعله في الشارع؟ وما الذي يجعلها تتأخر في المساء، تخرج للعمل؟ إذاً فهي تستحق ما يحدث لها، لأنها لو التزمت المنزل لن تتعرض للتحرش، كما أن ملابسها سبب من أسباب الاعتداء عليها".

تعلق الناشطة المصرية والمدافعة عن حقوق المرأة نهاد أبو القمصان، في حديثها لرصيف22، بالقول: "لو كان الهدف من التحرش المتعة الجنسية لما لجأ مجرم إلى التحرش بطفلة واغتصابها، إنما أغلب جرائم التحرش ليس الهدف منها جنسي كما يعتقد البعض بقدر ما هو محاولة لفرض السلطة والسيطرة على طرف آخر ضعيف، فيختار المجرم ضحاياه بعناية، كالصغيرات في السن أو من يبدو أنهن لا يمتلكن خبرة في التعامل مع مواقف مماثلة".

وتضيف أبو القمصان بالإشارة إلى أن "مسؤولية الفتاة في جرائم التحرش تنبع من عدم اتخاذ موقف حاد وصارم مع المتحرش وعدم إبلاغ أسرتها بالأمر".

في سياق متصل، تعلق الناشطة المصرية قائلة: "تتعدد أسباب التحرش الجنسي، ومن بينها ثقافة لوم الضحية التي تبرّر فعل المجرم، فنجد من يقول إن ثيابها هي السبب ومن يقول إنها كانت خارج المنزل في وقت متأخر، وعليه تخاف نساء كثيرات من الحديث عن تعرضهن للانتهاكات الجنسية حتى لا يُحمّلن مسؤولية ما تعرضن له".

وبينما تشكو أبو القمصان من صعوبة إثبات التعرض للتحرش، تشير إلى أن القانون يفتقد لسرية البيانات، الأمر الذي كان يدفع بالعديد من ضحايا التحرش الجنسي إلى عدم التبليغ.

هذا الأمر، وفق ما تذكر، أدركه المُشرّع، فتقدمت وزارة العدل بمشروع قانون يقضي بحماية سرية بيانات المجني عليهن في جرائم التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي.

"يُعد هذا القانون مشجعاً ومحفزاً للعديد من النساء اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي ولا يُبلغن نظراً لخوفهن من معرفة بياناتهن، سواء من قبل الجاني أو الصحافة، حيث أن تلك الجرائم تتسم بنوع من الحساسية الاجتماعية، وسرية البيانات أساسية حتى تستطيع النساء مقاومة خوفهن والإبلاغ في حال تعرضن لأي انتهاك جنسي"، تعلق أبو القمصان.

من جهتها، تقول الناشطة النسوية ومديرة المكتب التنفيذي لـ"الجبهة الوطنية لنساء مصر" إيفون مسعد: "التحرش له أكثر من سبب وليس السبب الرئيسي هو الحصول على المتعة فالتحرش قد يكون لفظياً، وقد يكون سببه التطرف الديني، حيث يجد المتحرش أن تخلي المرأة عن حجابها يمنحه حق التحرش بها، فيظن مثلاً أنه يملك حق التحرش بغير المسلمة، وهذه كارثة أخرى".

وتضيف مسعد في حديثها لرصيف22: "الضائقة المالية قد تكون سبباً للتحرش وأيضاً سوء التربية، كما أن الرجل يشعر بتهديد المرأة له في الفترة الأخيرة، فهو لا يحب نجاحها وخروجها للعمل، وظهورها وتمكنها في العديد من الوظائف، ويتمنى لو يشعر دائماً أنه يسيطر عليها ويكسرها"، معلقة بأن "التحرش يمنحه هذا الإحساس المؤقت".

وحول "شعور المتحرش بالانتصار"، تتحدث أستاذة علم الاجتماع في جامعة "عين شمس" عزة فتحي لرصيف22، وتقول: "اللمسة العابرة لا تحقق أية متعة للمتحرش لكنها تحقق له الانتصار، وهذا يشكل في حد ذاته متعة له، إضافة إلى أن الكثير من الرجال لديهم نظرة دونية للمرأة تربوا عليها، فيجعله حصولها على أي حقوق ومساحة في الفضاء العام في حالة عصبية انتقامية".

في بحث أجرته أستاذة علم الاجتماع سحر حساني عن التحرش بفئة من النساء تعمل في الجامعات، تقول الباحثة: "التحرش سلوك جنسي غير مرحب به، وهو غير نابع بالضرورة من رغبة جنسية بل من دافع التسلط والرغبة في إذلال الطرف الآخر الأضعف، ويستمد نوعاً من المشروعية من خلال التفوق السلطوي الاجتماعي السياسي أو الثقافي الذي يتمتع به الرجل في المجتمع".

وأشارت الباحثة الاجتماعية إلى ردود أفعال العاملات في الجامعة على ما تعرضن له، فقالت إن الأغلبية منهن فضلن الصمت خوفاً على شكلهن أمام الآخرين، بينما واجهت قلة منهن المتحرش بطريقة عنيفة جداً، وانتقلت أخرى من مكان عملها إلى مكان آخر هروباً من المتحرش.

وتشير المحللة النفسية رضوى فرغلي بدورها إلى إن "التحرش له أسباب كثيرة جداً، فقد يكون لدى المتحرش‏ بعض الانحرافات الجنسية، منها النزعة الاستعراضية أي أنه شخص يحصل ‏على اللذة بمجرد عرض أعضائه على الآخرين، أو يعاني من النزعة النظارية أي أنه ‏شخص يحصل على المتعة من النظر لأعضاء الغير أو رؤية أشخاص يمارسون ‏الجنس".

"اللمسة العابرة لا تحقق أية متعة للمتحرش لكنها تحقق له الانتصار، وهذا يشكل في حد ذاته متعة له، إضافة إلى أن الكثير من الرجال لديهم نظرة دونية للمرأة تربوا عليها، فيجعله حصولها على أي حقوق ومساحة في الفضاء العام في حالة عصبية انتقامية"

وتقول فرغلي، في حديثها لرصيف22، إن "الشخص قد يكون تعرض ‏للتحرش في سن صغيرة ففتح له ذلك باب اللذة الجنسية مبكراً، وقد يكون ‏سبب التحرش هو نزعة عدوانية للمتحرش أو ممارسة لنوع من السادية على جسد ‏المرأة الذي يصعب الحصول عليه، وقد يحدث أن يكون ‏الشخص سريع الاستثارة بشكل مرضي أو مدمن، وبالتالي واقع تحت تأثير دافع خارجي".‎

فرغلي متخصصة كذلك في علاج الاضطرابات الجنسية، وتنطلق من ذلك لتشير إلى أن المتحرش يعاني من اضطراب الشخصية ‏السيكوباتية فهو عدواني ومعادي للمجتمع وضد كل القوانين، وقد يكون ذلك عائداً ‏لأسباب طفولية معقدة، وربما تكون المرأة التي يتحرش بها بديلة عن امرأة أخرى.

وتتحدث عضو "الجمعية المصرية ‏للتحليل النفسي" عن اللمسة العابرة للمتحرش، فتقول: "اللمسة العابرة لها قيمة ‏كبيرة لدى البعض فقد يشتق المتحرش لذته منها أو من النظر فقط، ولذلك فهو يتواجد في ‏الأماكن المزدحمة للحصول عليها ثم يلوذ بالفرار".

وتضيف فرغلي: "أحياناً يكون المتحرش عاجزاً جنسياً ‏ويدرك انعدام قدرته على الممارسة الطبيعية الكاملة فيلجأ إلى اقتناصها من أي سبيل ‏عشوائي أو همجي.‏ والمتحرش كما هو سادي وعدواني على الآخرين، فهو أيضاً شخص مازوخي يعرف سواء ‏بطريقة شعورية أو لا شعورية أنه سيتم عقابه على هذا الفعل ومع ذلك يقترفه، وكأنه ‏يسعى بطريقة غير مباشرة لعقاب نفسه"‎.

وتشير المحللة النفسية إلى أن هناك ما يسمى ‏بـ"المتحرش العائد"، وهو الذي يقوم بتكرار الفعل والمخاطرة بشكل مرضي، حيث يبحث الشخص عن نقاط نجاح، حتى لو كان هذا النجاح انحرافياً، يحقق من ‏خلاله "الفوز" على جسد المرأة الذي يشعر تجاهه بالعجز والنقص، وهكذا "يكون التحرش فعلاً عدوانياً أكثر من كونه فعلاً ‏شهوانياً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard