"لا أملك خيار الاستسلام"... جائحة كورونا تفاقم معاناة الأمهات الأجنبيات المُعيلات في قطر

السبت 10 يوليو 202102:30 م

في عامه الجامعي الأخير، اضطر إيفان إلى ترك الدراسة لعجزه عن سداد الرسوم. والدته التي تعمل سائقة في شركة توصيل في الدوحة، لم تعد قادرة على مواصلة إرسال النقود له، بعد أن خسرت عملها بسبب تفشي جائحة كورونا.

إيفان كان يدرس العلوم الزراعية في جامعة بامبانجا في الفيلبين، ويعتمد على الأموال التي ترسلها له والدته، لكن الانخفاض الكبير في حركة الأشخاص، بسبب الإغلاقات المتكررة، أثر على عدد زبائنها، إلى أن توقفت عن العمل تماماً.

كأم عزبة، ومعيلة وحيدة لأسرتها، كان على والدة إيفان البالغة من العمر 38 عاماً مواصلة العمل بأي طريقة. تقول السيدة الفيليبينية التي طلبت عدم ذكر اسمها لرصيف22: "أصبح الوضع صعباً منذ بداية كوفيد19، وكأم لا يمكنني الاستسلام، فمسؤولياتي لا تنتهي. عندما توقف العمل، بدأت بصنع النقانق المنزلية، وبيعها، كما أعمل أحياناً جليسة أطفال بنظام الساعة".

بالإضافة إلى إيفان وأخيه، تعيل السيدة أمها المسنّة، لكن ما تكسبه بالكاد يكفي متطلباتها الأساسية.

لا يوجد إحصاء رسمي في قطر عن عدد الأمهات العزبات، لكن ورقة صادرة عام 2009 عن جهاز التخطيط والإحصاء، تقول إن هناك ارتباطاً بين مخاطر وقوع النساء في الفقر، والطلاق. وبينما تستحق الأرملة، والمطلقة، وزوجة السجين، والمرأة المهجورة التي لا معيلاً مقتدراً لها، ولا مصدر دخل كافياً للعيش، معاشاً حكومياً وفق قانون الضمان الاجتماعي رقم 38 لعام 1955، فإن المرأة المعيلة الأجنبية غير مشمولة به.

أثر فقدان الوظائف بسبب تفشي فيروس كورونا في قطر على الأمهات المعيلات من الجنسية غير القطرية، بسبب خسارة الوظائف وتقلص الرواتب.

ولم يؤثر فقدان الوظائف بسبب تفشي فيروس كورونا على الأمهات العزبات فحسب، إذ تأثرت أيضاً الأسر التي تساهم المرأة في إعالتها إلى جانب الزوج، مثل أسرة يفين، وهي فلبينية في التاسعة والعشرين من عمرها، وكانت تعمل موظفة إدارية في الخطوط الجوية القطرية، لكنها خسرت وظيفتها مع تسريح الشركة لعدد من الموظفين خلال الموجة الأولى من الوباء.

تقول يفين لرصيف22، وقد فضلت استخدام اسمها الأول فقط: "رُزقت طفلة في أيلول/ سبتمبر 2020، وفقدت وظيفتي في كانون الأول/ ديسمبر. تخيل أن يكون لديك مولود جديد، وفواتير متراكمة، وعليك التفكير في كورونا. كنت حقاً حزينة ومكتئبة".

بالتزامن مع ما حدث ليفين، كان زوجها يكافح في العمل سائقاً لسيارة أوبر، لكنه توقف في ذروة انتشار الفيروس، خوفاً على طفلته حديثة الولادة من خطر العدوى. تقول يفين: "كان وقتاً صعباً للغاية. استنفدنا خلال تلك الفترة مدخراتنا كلها، وعانينا مالياً". وكان دخل يفين وزوجها سبعة آلاف ريال شهرياً (حوالي 1900 دولار)، لكنه انخفض بنسبة 30 بالمئة تقريباً منذ بداية الجائحة.

ويشير مسح القوى العاملة السنوي لعام 2019، الصادر عن جهاز التخطيط والإحصاء في قطر إلى انخفاض معدل المشاركة الاقتصادية للإناث غير القطريات بنسبة 1.2 بالمئة في 2019، مقارنة بعام 2017. وتعمل نحو 18.5 بالمئة من الإناث العاملات في قطر (52.764 عاملة) في قطاعَي الضيافة والتجارة، وهما القطاعان اللذان توقع تقرير صدر في أيار/ مايو 2020 عن شركة المحاسبة "كي بي إم جي"، أن يشهدا تخفيضات في الرواتب، وتسريحاً للموظفين غير الأساسيين، ضمن إجراءات مواجهة عدم توفر السيولة المترتب عن الجائحة.

ومع وجود "أكبر فجوة بين الجنسين في التنمية البشرية عالمياً"، يقول تقرير عن تأثير كورونا على المنطقة العربية أصدرته منظمة العمل الدولية، إن النساء في المنطقة يواجهن حالات عدم مساواة متداخلة، وحواجز راسخة تزيد من هشاشة وضعهن تجاه تداعيات الوباء. وحسب التقرير، تكسب النساء 78.9 بالمئة أقل من الرجال، على أساس نصيب الفرد، ويتعرضن لخسارة 700 ألف وظيفة في القطاع غير الرسمي حيث يشكلن 61.8 بالمئة من إجمالي عدد العمال.

ولا يختلف الوضع كثيراً في قطر، حيث تكسب الإناث دخلاً أقل من الذكور بنسبة 11.13 بالمئة، بينما يعملن ساعات أكثر في معظم القطاعات. وحسب بيانات مسح القوى العاملة، يصل متوسط الأجر الشهري للإناث إلى 10.391 ريالاً قطرياً، في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط الإنفاق الشهري للأسر غير القطرية 18 ألف ريال، وتستهلك نفقات المسكن ثلث هذا المبلغ تقريباً، وفق نتائج مسح إنفاق الأسرة ودخلها لعام 2012-2013.


العمل في وظيفتين

انخفاض دخل عدد من الأمهات المُعيلات عقب انتشار جائحة كورونا، اضطرهن إلى القيام بوظائف إضافية بدوام جزئي إلى جانب وظائفهن الأساسية، لتغطية الفروق في المصاريف.

تعيل ح.أ. (طلبت عدم ذكر اسمها) طفلاً في العاشرة من عمره. وبعد انفصالها عن زوجها، ورفض الأخير تغطية نفقاتها، اضطرت إلى إعطاء دروس خصوصية للطلاب إلى جانب عملها النهاري كصحافية.

تقول السيدة، وهي تونسية الجنسية في التاسعة والثلاثين من عمرها: "أهم تحدٍ واجهني كان الجانب المادي. وجدت نفسي في وضع جديد، زادت الغربة، وغياب الدعم الأسري، وتداعيات أزمة كورونا، من وطأته. شعرت بمسؤولية مضاعفة ولم يكن هناك من يمد إلي يد العون"، مضيفة في حديثها لرصيف22: "اضطُررت إلى نقل ابني إلى مدرسة أقل كلفة، ولدي خوف وتوتر من خسارة عملي، لا سيما وأنا المعيلة الوحيدة للأسرة، وهذه العوامل المادية تسبب عبئاً نفسياً كبيراً لي، إلى جانب ضغوط العمل".

"أهم تحدٍ واجهني كان الجانب المادي. وجدت نفسي في وضع جديد، زادت الغربة، وغياب الدعم الأسري، وتداعيات أزمة كورونا، من وطأته. شعرت بمسؤولية مضاعفة ولم يكن هناك من يمد إلي يد العون"

وفي رد كتابي من مكتب منظمة العمل الدولية في قطر على سؤالنا عن رأي المنظمة في استجابة الحكومة القطرية لتأثير كوفيد19 في أمكنة العمل، وأخذ القضايا التي تواجهها الموظفات الإناث في الحسبان عند تصميم سياسات الاستجابة للجائحة، أكد المكتب أن "الحكومة القطرية أدخلت في الإرشادات المتعلقة بوباء كورونا فقرات تراعي الفوارق بين الجنسين، وأصدرت توجيهات بشأن العمل عن بعد تؤكد أهمية التوازن بين العمل والحياة، كما عززت الإرشادات الخاصة بالعودة الآمنة والصحية إلى العمل، لتحث الشركات على وضع الضعف الإضافي للحوامل، والتوازن بين العمل والحياة، في الحسبان".

لكن آلية مراقبة تطبيق تلك التوجيهات على أرض الواقع غير واضحة. وتوضح م.ع.، التي تعمل مديرة قسم الاتصال في شركة خاصة، لرصيف22، أنه كان عليها "المحاربة للحصول على الحقوق التي أقرتها الحكومة القطرية في شأن تكييف بيئة العمل للاستجابة للجائحة، بما في ذلك إمكانية العمل من المنزل، وتقليص عدد العاملين في مقرات العمل، وعدد ساعات العمل".

كما تعرضت السيدة السورية الثلاثونية التي طلبت عدم ذكر اسمها، إلى تخفيض راتبها بنسبة 40 بالمئة بعد الجائحة.

وبالنسبة إلى قطاع العمالة المنزلية الذي يوظف زهاء أربع إناث من عشر، في قطر، ويُعد الأعلى من حيث عدد ساعات العمل، والأدنى من حيث متوسط الأجر، يقول مكتب المنظمة في رده إن "الحكومة القطرية أزالت الحواجز التي تمنع عاملات المنازل من فتح حسابات بنكية، ما يسمح لهن بتلقي رواتبهن، ومن ثم تحويل الأموال رقمياً إلى أسرهن في دولهن الأصلية. وفي أيار/ مايو الماضي، أطلقت وزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية، منصة على الإنترنت لتلقي الشكاوى، والتبليغ عن المخالفات، ويمكن أيضاً لعاملات المنازل الوصول إليها من خلال الهواتف المحمولة".

وتلجأ بعض النساء المُعيلات إلى الأعمال الحرة، والمشاريع الصغيرة، مثل صالونات التجميل، وإعطاء الدروس الخصوصية، وصناعة الأطعمة المنزلية وبيعها، لكن الإغلاقات المتكررة بسبب جائحة كورونا أثّرت سلباً على تلك الأعمال. تقول المستشارة الاجتماعية في مركز وفاق للاستشارات العائلية في قطر هادية بكر، إنه "بسبب الإغلاقات، فقدت بعض السيدات أعمالهن الخاصة، ما أثر على دخل الأسرة، خاصة ذات المُعيل الواحد".


التأثيرات النفسية

أما على الصعيد النفسي، فتقول بكر في حديثها لرصيف22 إن "بعض الأسر ذات المُعيل الواحد لديها قلق عادي في كيفية تدبير أمور الحياة، والاحتياجات النفسية، حتى قبل كورونا، وعندما جاءت الجائحة أثّرت بشكل أكبر على أوضاعها. أصبح هناك قلق زائد، وخوف، وارتفاع في معدلات التوتر لدى النساء المعيلات، وهذا ظهر على شكل أفعال غير مُحكمة، وانفعالات على الأطفال أحياناً، وعدم اتخاذ قرارات حكيمة أحياناً أخرى".

عندما جاءت الجائحة أثّرت بشكل أكبر على أوضاع النساء المعيلات، وأصبح هناك قلق زائد، وخوف، وارتفاع في معدلات التوتر لديهن.

وترى المستشارة الاجتماعية أن "الصحة النفسية للمرأة المعيلة تأثرت بسبب توقف الدعم الذي كانت تتلقاه من الشبكة الاجتماعية حولها، كالأصدقاء مثلاً، بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي".


الدراسة عن بُعد تزيد الأعباء

وبالنسبة إلى أمهات أخريات، كان تنظيم الوقت بين متطلبات العمل ومتابعة دراسة الأبناء، هو المشكلة الأساسية. تقول مديرة قسم العلاقات العامة في شركة خاصة إليان جقيم، وهي لبنانية، وكانت تعمل من المنزل خلال فترات الإغلاق: "أكبر تحدٍ واجهني، كان القيام بعملي والإشراف على دروس ابني، إذ تتعين عليّ طباعة الوثائق التي يحتاجها أثناء الدراسة من المنزل، والتأكد من متابعته دروسه، وقيامه بواجباته".

وتضيف السيدة الثلاثونية التي تعيل ابنها منفردة بعد خسارة طليقها لوظيفته في أعقاب الجائحة: "عانيت من صعوبة في التأقلم مع الوضع الجديد، ولم أكن أستطيع بدء عملي قبل الثالثة مساء، بعد انتهاء فترة الدوام المدرسي لابني، كما اضطررت إلى عمل إضافي لتغطية مصاريفنا".

ويتسق ذلك مع نتائج دراسة لم تُنشر بعد لمعهد الدوحة الدولي لأبحاث الأسرة، حول تأثير تفشي فيروس كورونا على تماسك الأسرة القطرية. أجمعت 11 امرأة مطلقة وثلاث نساء أرامل شملتهن عينة الدراسة، على أن الجائحة سببت استنزافاً للوقت والجهد، فكان هناك تعارض في التوفيق بين وقت حصص الطالب عن بُعد، وبين أداء الأمهات مهامهن الوظيفية، إلى جانب صعوبة تخصيص أماكن هادئة للجميع للدراسة، والعمل من المنزل، وصعوبة في متابعة الرسائل الواردة من المدرسة عن تعليم الأبناء، خصوصاً لمن لديها أكثر من ابن.

كما أجمعن، حسب حديث عائشة سلطان الباحثة في المعهد، لرصيف22، على أن "متابعة الإجراءات الاحترازية، والخوف والقلق المستمريْن من إصابتهن، وإصابة أبنائهن بالفيروس، ومتابعة التعليم عن بعد، تشعرهن بالضغط، بالإضافة إلى كثرة المشاحنات بين الأبناء نتيجة الجلوس في المنزل، والملل، ما رفع من منسوب التوتر، والقلق على تماسك الأسرة".

بالنسبة إلى التأثير الاقتصادي، أجمع حوالي 26 بالمئة من العينة التي شملتها الدراسة، على أنهم تأثروا بشكل سلبي جراء تفشي فيروس كورونا، وتمثل ذلك في ارتفاع حجم الإنفاق، مع زيادة العبء المادي نتيجة شراء الحواسيب، وتوفير مدرّسين خصوصيين للمساعدة في متابعة الدروس، في ظل تقليص الرواتب، وإلغاء العلاوات، وتعرض البعض للخسارة في الأعمال الحرة، والعقارات.


مجموعة واتساب للدعم

من ناحيتها، واجهت ش.ز. كأم عزبة لطفلين، وموظفة في القطاع الصحي، صعوبات عدة، إذ أُوقفت إجازات العاملين جميعهم في هذا القطاع، كما تغيرت أوقات العمل. فكّرت السيدة، وهي بريطانية في الأربعين من عمرها، في استقدام والديها لمساعدتها، وتخفيف ضغط العزلة على طفليها، لكن القيود المفروضة على دخول المسافرين إلى قطر لا تسمح بذلك.

الصعوبات التي واجهتها السيدة التي فضلت عدم ذكر اسمها الكامل، دفعتها للتفكير في إنشاء مجموعة على واتساب لدعم الأمهات العازبات. تقول لرصيف22: "كان هناك الكثير من الارتباك لدى الأمهات العزبات في شأن كيفية التصرف في حالة الطوارئ. تساءلن عما إن كن سيضطررن للانفصال عن أبنائهن في حال اصابتهن بكورونا، ومن سيرعى الأطفال في تلك الحالة، وغيرها من الأسئلة التي لم تكن لها إجابات".

"كان هناك الكثير من الارتباك لدى الأمهات العزبات في شأن كيفية التصرف في حالة الطوارئ. تساءلن عما إن كن سيضطررن للانفصال عن أبنائهن في حال اصابتهن بكورونا، ومن سيرعى الأطفال في تلك الحالة، وغيرها من الأسئلة التي لم تكن لها إجابات

فكرت ش. أن المجموعة، التي تضم 13 عضوة حتى الآن، يمكن أن تمثل مكاناً آمناً للنساء لطرح الأسئلة التي يحتجن إلى إجابات عنها، أو الوصول إلى أي مساعدة، أو معلومات. وقالت: "يمكننا كسيدات في أوضاع متشابهة أن نتواصل مع بعضنا بشكل أفضل، ونقدم المعلومات المناسبة والنصائح الأكثر تحديداً، بدلاً من النصائح العامة التي يمكن الحصول عليها من المجموعات الأخرى".

تقول ريهام جابر، وهي أم عزبة لتوأم في الثالثة من العمر، وتعمل معلمة بدوام جزئي، إن وجود مثل هذه المجموعات حيوي لدعم الأمهات المُعيلات، ومساعدتهن على النجاح في بناء حياة في قطر كأمهات عزبات. وتضيف السيدة الأردنية الفلسطينية، وهي غادرت قطر في بداية الجائحة: "لو كانت مجموعات الدعم موجودة، لكانت ستحدث فرقاً كبيراً أثناء الجائحة. لم يكن لدي أي دعم، وهذا صعّب الأمور كثيراً".

والآن مع بدء الرفع التدريجي للقيود، وعودة معظم الأنشطة التجارية، تأمل والدة إيفان في الحصول على عمل جديد، وعودة ابنها إلى مقاعد الدراسة التي افتقدها كما افتقدت والدته عملها طوال العام الماضي.

تقول: "بكى إيفان كثيراً عندما اضطر إلى التوقف عن الدراسة. لم أُكمل دراستي الجامعية بسبب الظروف المادية، والآن لا أريد لابني المصير نفسه، لا سيما وهو على بعد عام واحد من التخرج".

*تمت كتابة هذه القصة وإنتاجها كجزء من برنامج تطوير للمهارات الإعلامية تم تقديمه من قبل مؤسسة طومسون رويترز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard