"نجحت رغم الحرب"... نساء يتصدرن مشاريع فردية وعائلية في اليمن

السبت 19 سبتمبر 202005:20 م

لعدة أشهر، ظلت الشابة اليمنية، فيروز أحمد، تبحث عن عمل بين الشركات والمؤسسات، حتى تتمكن من تأمين مصروفاتها وإيجار منزلها، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، في ظل تفشي البطالة وإغلاق الكثير من المحال والشركات أبوابها بسبب الحرب.

كان لفيروز قدر آخر في إنشاء مشروعها الخاص، والذي مكّنها من الاكتفاء الذاتي، وفتح محل خاص بها لبيع العقيق اليماني.

بدأت فيروز مشروعها بيع خاتم عقيق في مارس 2017، بعد عرضه على الفيسبوك، ما دفعها إلى الاستثمار في مهنة بيع العقيق، ليطلق عليها اليوم اسم "ملكة العقيق" في العاصمة صنعاء.

"أخيراً مشروعي الخاص"

فيروز أحمد شابة نازحة من مدينة تعز، وتقيم حالياً في العاصمة صنعاء، تمكنت من فتح محل خاص بها لبيع العقيق في مركز "يمن مول"، وتدير اليوم متجرها الخاص في مجال بيع العقيق اليمني والفضة، في مهنة بقيت لزمنٍ طويل حكراً على الرجال.

من رحم المعاناة أوجدت فيروز مشروعها الخاص، حتى تتمكن من مواجهة الظروف الصعبة التي ولدتها الحرب الدائرة في البلاد من ست سنوات.

تعمل فيروز في محلها منذ الصباح وحتى الساعة التاسعة مساء، كما تروج لبضاعتها على صفحتها على موقع فيسبوك، حتى تشق طريقها الصعب.

واجهت فيروز صعوبة بسبب عدم تقبل المجتمع الذكوري عملها في بيع العقيق اليمني، ورفض الكثير من الرجال التعامل معها

تحكي فيروز قصتها لرصيف22: "بدأت بالبحث عن عمل أول ما وصلت من تعز، كنت أخرج بشكل شبه يومي للبحث عن عمل لأتمكن من توفير المصروفات وإيجار المنزل، ثم عملت في ترويج لخاتم عقيق على الفيسبوك عندما كنت أعمل في أحد المحلات، وكان الإقبال عليه كبيراً جداً، فكنت أروج للخواتم وأبيعها، حتى تمكنت من فتح محل خاص بي".

"هناك تراجع في العمل خلال هذا العام، مع تردي الوضع الاقتصادي وازدياد معاناة الناس، لكنني تمكنت من تحقيق حلمي وإنشاء مشروعي الخاص".

واجهت فيروز صعوبة في عملها بسبب عدم تقبل المجتمع الذكوري عملها في هذا المجال، ورفض الكثير من الرجال التعامل معها، غير أنها تمكّنت من تطويع الصعاب وإيجاد مكان لها في هذه المهنة.

وتسعى فيروز لتطوير عملها وفتح عدة محلات أخرى للعقيق وتصديره إلى خارج اليمن أيضاً.

رز وبسباس أو مطعم الأسرة

قبل عامين، افتتح محمد القدسي مشروعه الخاص في العاصمة صنعاء، بعد سنوات من الحرب التي أنهكت حالته المادية، ويعمل فيه مع عائلته على تحضير وجبة الغداء للزبائن.

تعدّ الأسرة وجبات شعبية لذيذة لا يمكن للزائر أن ينسى مذاقها، الأرز مع الدجاج، اللحم، الفسحة، السلتة وأيضاً مسحوق الفلفل الحار، بالإضافة إلى عدد من الأطباق الأخرى.

يقول الثلاثيني محمد القدسي لرصيف22: "جاءت الفكرة خلال الحرب. كانت أخت زوجتي، وهي الآن شريكتي في المطعم، تعمل لنا وجبات مختلفة كل يوم، ففكرنا بنقلها إلى الشارع ومشاركة الطعام مع الناس".

وتعد نساء أسرة القدوسي مع أخريات وجبات الطعام في المطبخ، فيما يعمل الرجال على تقديمها للزبائن وتوفير متطلبات المطعم.

ولقي المطعم الذي اطلق عليه اسم "رز وبسباس" رواجاً في العاصمة صنعاء، ويحظى بإقبال كبير من قبل سكان المدينة.

ومع دخول الحرب عامها السادس، أصبحت المشاريع الأسرية ملاذاً آمناً للكثير من الأسر في اليمن لتوفير لقمة العيش، في ظل إيقاف منظمات الأمم المتحدة للكثير من البرامج الإغاثية والإنسانية للسكان، بسبب نقص التمويل.

مشاريع عائلية

"شهدت المشاريع العائلية في اليمن اتساعاً ملحوظاً في ظل الحرب، وذلك لسبب رئيسي، يتمثّل في انقطاع مرتبات موظفي القطاع العام وانعدام فرص العمل في القطاع الخاص، وكذلك فرص العمل التي تعرف باليومية، ولهذا وجدت الكثير من الأسر اليمنية نفسها أمام معاناة اقتصادية كبيرة تتمثل في فقدانها لمصدر الدخل"، كما يقول الإعلامي المختص بشؤون الاقتصاد، نجيب العدوفي.

وبحسب حديث نجيب لرصيف22 فإن المعاناة الاقتصادية دفعت الأسر إلى تكوين مشاريعها الصغيرة، والتي عادة ما تكون داخل الأسرة وأفراد الأسرة هم من يقومون بأنشطة هذه المشاريع، كأعمال المخبوزات، الكعك، الكيك، الحلويات والمشغولات اليدوية، كالخياطة، نسج أحزمة الجنابي وغيرها من الأنشطة، وتقوم ببيعها في الأسواق لتحقيق عائد مادي تستعين به على تكاليف المعيشة".

"المشاريع العائلية تدعم الاقتصاد الأسري والوطني".

ويؤكد نجيب أن هذه المشاريع المنضوية في إطار الأسرة تسهم في دعم الاقتصاد الأسري، وكذلك الاقتصاد الوطني، فهي توفر دخلاً للأسرة وتمكّنها من القدرة على الإنفاق، سواء على الغذاء، الدواء، التعليم أو غير ذلك من الخدمات الأساسية، وعلى مستوى الاقتصاد الوطني، تسهم في تحويل أفراد الأسرة إلى منتجين بدلاً من أن يكونوا داخل دائرتي الفقر والبطالة.

وفيما يخص الجهود التي يجب القيام بها من أجل النهوض بالمشاريع الأسرية، ينصح نجيب أن تقوم الدولة يالعمل على توفير "حاضنات" لهذه المشاريع، بحيث تقدم لها كافة التسهيلات والدعم اللازمين لتأمين انطلاقة سليمة تستطيع النهوض بها والتطور مع الوقت.

والمقصود بهذه "الحاضنات"، حسب حديث الصحفي الاقتصادي، هو احتضان كافة الأفكار والعمل على تطويرها وتمكينها من التحول إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع.

وقال نجيب: "يجب أن تعمل الدولة مع شريكها التنموي (القطاع الخاص)، بما في ذلك البنوك، على توفير التمويل والتخفيف من الشروط التعجيزية للحصول على التمويل، وكذلك تقليص فوائد القروض، إلى جانب تزويد هذه المشاريع الصغيرة بكافة متطلبات تحقيق النجاح، كالاستشارات والتسويق لمنتجاتها والتدريب للعاملين فيها، وغير ذلك من الخدمات التي تتطلبها عملية نجاح هذه المشاريع".

واختتم نجيب حديثه مؤكدا أن المشاريع العائلية تهدف للمساهمة في تقليل البطالة وتنمية الاقتصاد الوطني.

"الطبخ شاق ولكني أعشقه"

أمام حرارة الفرن الحارقة في مطبخها المستأجر في العاصمة صنعاء، تعمل صفاء حبيب لساعات طويلة برفقة سبع فتيات أخريات على طبخ وجبات الطعام الشرقية والغربية واليمنية أيضاً.

في العام 2019، افتتحت صفاء، 28 عاماً، التي درست تقنية معلومات في صنعاء، مشروعها الصغير: مطعم سفري تعمل على الترويج لوجباته على الإنترنت، فيما يعمل أربعة أشخاص على توصيل الطلبات إلى المنازل.

"العمل في المطبخ شاق، وهناك درجة حرارة مرتفعة، لكنني أعشق الطبخ كثيراً وهذا العشق هو ما دفعني إلى جعله مشروعي الخاص رغم مشقة العمل"، تقول صفاء لرصيف22.

"أعمل على إنتاج الوجبات حسب طلب الزبون، أي وجبة يطلبها نطبخها له، سواء كانت يمنية، عربية أو تركية، وشرقية وغربية، منها الزربيان، البرياني، السلتة، الفسحة، بنت الصحن، البريك، الاسباجيتي والعديد من الوجبات الأخرى".

كانت صفاء قد بدأت العمل بمشروعها في 2016 في المنزل، بإمكانيات بسيطة وبمشاركة فتاة أخرى، لكنها انسحبت من المشروع بسبب خلافات بينهما.

تركت صفاء العمل في تخصصها، تقنية المعلومات، وعملت في الطبخ.

وتواجه الشابة اليمنية انتقادات واسعة من المجتمع لتركها العمل في تخصصها، الذي درسته لسنوات في تقنية المعلومات، والعمل في مهنة تسيطر عليها نساء غير جامعيات في اليمن.

إقبال كبير على مطعم صفاء الذي أطلقت عليه اسم "نكهة البيت"، فما تطبخه من وجبات لذيذة صنع نجاحاً لمشروعها، وتمكنت من كسب الأموال، على الرغم من أنه ولد في ظل الحرب التي أكلت أخضر البلاد ويابسها.

وتتابع صفاء: "أطمح أن يكون لمشروع House Lunch للطعام السفري عدة فروع في العاصمة صنعاء وفي المحافظات الأخرى، فهناك الكثير من الطلبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من المحافظات الأخرى لفتح فروع فيها".

"هناك الكثير من المشاريع الأسرية التي ولدت من رحم الحرب خلال السنوات الماضية، إما في عمل المطاعم أو الخياطة أو إنتاج البخور والإكسسوارات، والعديد من المشاريع الأخرى"

ويقدر اتحاد عمال اليمن نسبة من فقدوا أعمالهم بنحو 80% من حجم القوى العاملة في البلاد.

مشاريع من رحم الحرب

ويوجد في اليمن نحو خمسة آلاف مشروع عائلي، نصفها ولد عقب اندلاع الحرب وانقطاع المرتبات، كما يقول المحلل الاقتصادي اليمني رشيد الحداد.

ويرى الحداد أن هناك الكثير من المشاريع الأسرية التي ولدت من رحم الحرب خلال السنوات الماضية، إما في عمل المطاعم أو الخياطة أو إنتاج البخور والإكسسوارات، والعديد من المشاريع الأخرى.

وتحدث الحداد لرصيف22 عن دور الفقر والنزوح في دفع الكثير من السكان إلى عمل مشاريع عائلية، مشيراً الى أن توقف المرتبات وسلسلة النزوح المستمرة لنحو أربعة ملايين يمني، جعلت من الحصول على لقمة العيش مهمة شاقة،

ولفت الحداد إلى أن المشاريع العائلية الصغيرة إذا ما نجحت وتوسعت، قد تتحول إلى شركات صغيرة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني.

ويرى الحداد أن المشاريع الصغيرة مساهمة حالياً في دعم اقتصادها الشخصي، حيث تمكنت تلك الأسر من تكوين نفسها وعملت لها دورة نقدية جيدة، لكي تتمكن من الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية المتفاقمة يوم بعد آخر.

ومع المحاولات الأسرية المفردة للنهوض من وحل الفقر، تتساقط عشرات الأسر بشكل يومي بسبب استمرار الحرب، تحليلات أجرتها وكالات أممية، أن 40% من سكان البلاد سيعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد مع نهاية العام الجاري، أي أن العدد سيرتفع من مليوني شخص إلى 3.2 مليون شخص ممن يعانون من الجوع.

وبحسب منسقة الشؤون الإنسانية فإن اليمن يمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج نحو 80% من السكان، أي أكثر من 24 مليون شخص، لشكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard