"تحمي الطلاب والمعلمين من الكورونا"... منصات افتراضية بالعربية للتعليم عن بُعد

الخميس 19 مارس 202002:38 م

"كورونا علّق كل ما نقوم به في حياتنا، لكن هل يمكننا أن نتوقف عن كل شيء فعلاً؟ ماذا عن التعليم، وقد يكون النشاط الأكثر أهمية في كل مكان؟"، أسئلة طُرحت بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الفائتة، مع توجه معظم بلدان العالم، يوماً بعد آخر، لإعلان حظر التجمعات وإغلاق معظم الأنشطة بما فيها المدارس والجامعات، لمنع انتشار الفيروس المستجد.

وبعيداً عن حصد آلاف الأرواح حتى اليوم، وإصابة المئات وربما الآلاف حول العالم بشكل يومي وبتواتر متسارع، كنتائج مباشرة لهذا المرض الجديد، برزت الحاجة لدعم النظم التعليمية في العديد من البلدان، بهدف الاستفادة من شبكة الإنترنت، كي يستمر الطلاب بالانخراط بفعالية في المنظومة التعليمية دون أن يضيعوا أياً من دروسهم وواجباتهم.

وبالتوجه نحو المنطقة العربية، والتي لا يعتبر التعليم عن بٌعد شائعاً فيها، شهدت الأيام الماضية إطلاق عدد من المبادرات لبناء منصات افتراضية تتيح للمدرسين والطلاب متابعة التدريس بشكل منظم، كتعويض عن إغلاق المدارس، وبشكل مجاني تماماً.

الحاجة أمّ الاختراع

قبل حوالي أسبوع، أعلن مهندس البرمجيات السوري المقيم في اسطنبول، وليد الشايب، عبر صفحته على فيسبوك، عن إطلاق منصة vTeahcer للتعليم عن بعد وبشكل مجاني للمدرسين في كافة البلدان العربية، وشرح من خلال منشور مفصل المزايا التي تتيحها الصفوف الافتراضية التي يمكن إنشاؤها عبر هذه المنصة، ومنها إضافة الدروس على شكل تدوينات أو مقاطع فيديو، وإنشاء استطلاعات واختبارات ومنتديات للنقاش، ومتابعة الواجبات.

وفي حديث لرصيف22، بيّن وليد بأن المنصة الجديدة هي مبادرة شخصية واستجابة مؤقتة للوضع الحالي، مع توقف المدارس في مجمل المنطقة العربية بسبب انتشار فيروس كورونا، الأمر الذي لا يمكن تجاهله، إذ سيؤثر بشكل سلبي على المسار الأكاديمي للصغار والكبار، وقد تمتد فترته الزمنية لأسابيع أو حتى أشهر: "لاحظت خلال الأسابيع الفائتة شعور كثير من المعلمين بالعجز لعدم وجود أدوات أكاديمية بين أيديهم كي يتواصلوا مع الطلاب بالشكل الأمثل، فلجأ بعضهم لمجموعات فيسبوك أو مكالمات واتس آب، بشكل عشوائي، ألقى عليهم المزيد من الأعباء"، يضيف.

وبالتزامن مع إطلاق vTeacher، أعلن الفريق التقني المسؤول عن موقع "الحل نت" في سوريا والعراق، عن تحضيره لإنشاء منصة للتعليم عن بعد باللغتين العربية والكردية، تحت اسم "زانكو"، مع إعطاء أفضلية التسجيل للمؤسسات التعليمية الأقل قدرة مادية والمتواجدة ضمن مناطق النزاعات، وفق ما كتب المتطوع المؤسس للمنصة، دلشاد عثمان، على صفحة فيسبوك الخاصة به.


ويشرح دلشاد، وهو خبير معلومات سوري مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، بأن منصة زانكو تتوجه للمدرسين والطلاب المتضررين من عدم القدرة على اللحاق بالصفوف والدروس وجهاً لوجه، واشتق اسمها الذي يعني باللغة الكردية "مكان التعليم"، من كلمة "زانكوي" وهي الجامعة، كما يقول في حديث لرصيف22.

في المنطقة العربية، لا يعتبر التعليم عن بٌعد شائعاً فيها، مع ذلك، شهدت الأيام الماضية إطلاق عدد من المبادرات لبناء منصات افتراضية تتيح للمدرسين والطلاب متابعة التدريس بشكل منظم، كتعويض عن إغلاق المدارس، وبشكل مجاني تماماً

ميزات وتحديات

تستخدمان المبادرتان المذكورتان برمجية Moodle مفتوحة المصدر، والتي توفر بيئة تعليم افتراضية وتتيح تنظيم عملية التعليم عن بعد، وتُستخدم حتى في نظم تعليمية واقعية لتنظيم الوظائف ونقاشات الطلاب بعد انتهاء دوام المؤسسات التعليمية، كما أنها تتميز بإمكانية استخدامها بشكل سهل ودون الحاجة لاتصال إنترنت سريع جداً، حيث لا تحتاج مكوّناتها لحجم كبير، وتتوافر باللغة العربية بشكل مجاني بالكامل، مع كون المبادرتين أيضاً غير ربحيتين. وتستفيد منصة زانكو من تطبيق Jitsi Meet مفتوح المصدر، لإنشاء صفوف تسمح للمدرسين بالتواصل المباشر مع طلابهم، من خلال غرف يمكن أن تستوعب أعداداً تصل حتى خمسين شخصاً في الوقت نفسه.

وبعد أيام من إطلاق المنصتين، سجل عشرات المعلمين من عدة بلدان، على رأسها سوريا، لبنان ومصر، طلبات للانضمام، وبدؤوا بالتحضير لإضافة طلابهم الذين سيتجاوز عددهم، وفق التقديرات المبدئية للمتحدثين، الألف طالب، كما أعلن المؤسسان عن الحاجة لمتطوعين للمساعدة في الترجمة ودعم المدرسين والطلاب، حيث يتمثل أحد التحديات الأساسية لهذا النوع من المبادرات، في الحاجة لتحويل المناهج لصيغ إلكترونية، وتدريب المدرسين كي يتكيّفوا مع منصة جديدة لم يختبرها معظمهم من قبل، وبوقت قياسي.

ووصل اليوم عدد من قدم طلباً لهذا التطوع إلى أكثر من 500 شخص لمنصة vTeacher من بلدان عربية مختلفة، تركيا والولايات المتحدة، سيشكلون خلال فترة عمل المنصة وحدة دعم فني متكاملة تستجيب لأي طلب خلال وقت سريع، وذلك بمساعدة المدرّسين على إضافة الطلاب والدروس وخلق الامتحانات، بما يضمن أن تكون عملية التحول إلى التعليم عن بعد أسهل ما يمكن، كما تطوع العشرات في منصة "زانكو" لمساعدة المستخدمين وتكييف المناهج مع البرمجية المستخدمة.

من تحديات هذه المنصات أيضاً، وفق ما يقوله دلشاد عثمان، إمكانية الوصول لجميع الطلاب، الأمر الذي قد يتعثر مع بنى الانترنت التحتية غير المؤهلة في بعض المناطق، إضافة لتأمين المخدّمات التي تحتاجها المنصة، خاصة عند توسّع استخدامها ودخول عدد أكبر من الطلاب، وهو ما يعمل المتحدث على تلافيه بتركيب المنصة على مخدّمات متعددة، تستخدم نظماً تسمح بالتوسع لتحمّل أعداد كبيرة من المستخدمين.

"التعليم عن بعد مستخدم في العالم المتقدم لمن لديه عائلة يحتاج للاهتمام بها ولا يمكنه الالتزام بدوام معين، أو لمن يرغب بإكمال تعليمه وتحقيق توازن معين بين العمل والدراسة"... منصات بالعربية للتعليم عن بٌعد في ظروف خطيرة فرضها فيروس كورونا 

ما هو مستقبل هذه المنصات؟

يرى وليد الشايب بأن انتشار فيروس كورونا بهذا الشكل والسرعة يمثّل تحدياً كبيراً للجميع، وفي الوقت نفسه وجّه أنظار العالم بأسره وبقوة نحو التعلّم عن بعد، فبيّن أهميته كمهارة لا بد من الاستفادة منها، للاطلاع على مواضيع مختلفة من مصادر متنوعة وبوقت قياسي، سواء خلال فترات الأزمات أو خارجها.

ويضيف دلشاد عثمان أن عدم معرفة المدة التي يمكن أن يستغرقها الوضع الحالي والحجر الصحي الذي فرضه انتشار كورونا، بيّن عدم استعداد المعلمين والطلاب والأهالي على حد سواء لإضاعة أي وقت إضافي، فالمدرّسون يريدون الاستمرار في عملهم، والطلاب لا يرغبون بخسارة هذه الفترة من حياتهم: "فلمَ لا نتوجه للتعليم عن بعد، خاصة وأن التكنولوجيا موجودة لمساعدتنا؟".

ويخطط كل من وليد ودلشاد، بعد الانقضاء المرتقب لأزمة هذا الفيروس، لإتاحة المجال لاستفادة مستخدمي المنصتين من كل ما أنجز خلال فترة الاستخدام، عن طريق ترحيل المحتوى وتركيب المنصة بشكل مستقل كما يقول دلشاد، أو أرشفة الحسابات بعد إعلام أصحابها، وتحويل المنصة لتكون مساحة لمبادرات تهتم بجوانب تعليمية أخرى، كتقوية المهارات اللغوية، كما يشرح وليد.

ويضيف دلشاد بأن هذا المشروع، رغم مهمته الطارئة الحالية، قد يعطي مجالاً للمدرسين والطلاب للتفكير بالاستمرار فيه على المدى الطويل، سواء بشكل جماعي أو بمبادرات فردية، في حال تعقد الأمر بيروقراطياً واحتاج للحصول على موافقات رسمية لذلك.

"التعليم عن بعد مستخدم في العالم المتقدم لمن لديه عائلة يحتاج للاهتمام بها ولا يمكنه الالتزام بدوام معين، أو لمن يرغب بإكمال تعليمه وتحقيق توازن معين بين العمل والدراسة"، يقول دلشاد، ويضيف بأن هذه العوامل تتخذ أبعاداً أكبر خلال الأزمات، حيث "يتجاوز التعليم عن بعد حدود الحروب، ويوفر بديلاً يحمي الطلاب والمدرسين من التعرض للخطر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard