“إما أن أقبل بالعبودية وإما الموت جوعاً“... هواجس مغربيات عاملات ومعيلات

الخميس 12 نوفمبر 202003:52 م

تغامر، وتقتحم الخطر، وتعانق الموت في كل يوم تخرج فيه إلهام، بحلول الخامسة صباحاً تنزل إلى الشارع الرئيسي لتنتظر الحافلة الخاصة بنقل العمال إلى المعمل أو الشركة المتخصصة في صناعة أسلاك تستعمل أثناء تركيب السيارات، في الحي الصناعي بالدار البيضاء، المعروفة في المغرب بشركات " الكابلاج".

يعرف من ينزل إلى الشارع هذه الأيام أن أزمة "كورونا" لم تحد من الاعتداءات التي يتعرض لها المواطنون من أجل السرقة، إذ تشهد كبرى المدن المغربية كمدينة الدار البيضاء تنامياً مستمراً لظاهرة السرقة، حيث تسجل يومياً حالات اعتداء في الشارع العام، وكثيراً ما تخلّف هذه الاعتداءات عاهات مستديمة أو جريمة قتل.

"أقبل حتى لا أموت"

"أفواه إخوتي تنتظر اللقمة، وصاحب البيت ينتظر ثمن الكراء، مع فواتير الماء والكهرباء وحاجات أخرى أتكفل بها بنفسي، متعبة أنا، أكابد ليل نهار كي أكسب لقمتي، ولا معيل لعائلتي غيري"، تقول إلهام، ذات الـ 31 ربيعاً.

وتضيف إلهام لرصيف22: "لا يمكنكم أن تتصوروا حجم المعاناة، التي يمكن أن تعيشها السيدة داخل هذه الشركات بدءاً من خروجها من بيتها في الخامسة صباحاً، تكون عرضة للكثير من المخاطر، من السرقة والنشل والتحرش، مروراً بالمعاملة السيئة داخل الشركة من طرف بعض المسؤولين. إلى جانب تعبها النفسي، هناك تعب جسدي، لكوننا نقف ساعات طويلة متعبة وشاقة، مقابل تعويض مادي بالكاد يسد رمقنا".

ترى إلهام نفسها في وضع أشبه بـ"العبودية"، لا مفر منه، تقول: "لا بديل في الأفق يقينا المعاناة التي نكابدها، إعالة إخوتي ووالدي العاجزين تجعلني أتحمل"

تعيش إلهام، كالكثير من النساء اللواتي يعلن أسرهن في دوامة من الضغوط اليومية من أجل توفير لقمة عيش لأسرتها ومصاريف إخوتها.

ترى إلهام نفسها في وضع أشبه بـ"العبودية"، وتحاول البحث عن بديل بلا جدوى، تقول لرصيف22: " لا بديل في الأفق يقينا المعاناة التي نكابدها. إعالة إخوتي ووالدي العاجزين تجعلني أتحمل هذه العبودية، والاستمرار في هذه المهنة المتعبة جداً".

"أنا الآن أعاني من آلام في الظهر والساقين بسبب إصابتي بالدوالي، نتيجة الوقوف الدائم ساعات طويلة، لكن لا بديل، لا بديل عنها في الوقت الراهن وفي هذه الأزمة الاقتصادية في ظل الجائحة، نقبل بهذه العبودية حتى لا نموت جوعاً"، تكرر إلهام كلماتها، مؤكدة على معانيها.

في خضم الأزمة الصحية العالمية، باتت المرأة المغربية من أبرز الفئات المتضررة، لتمثيلها الواسع في قطاعات الخدمات وأنشطة القطاع غير الرسمي، وبحسب الإحصاءات، أكثر من مليون أسرة مغربية تعيلها النساء، وواحدة من كل ست أسر ترأسها امرأة. ووفقاً لإحصاءات كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة النساء اللواتي يترأسن أسرهن بالوسط الحضري بنسبة 18.6%، في حين لا تتجاوز هذه النسبة 11.6% بالوسط القروي، في حين تشكل النساء اللواتي يعشن بمفردهن نسبة 20.9% من ربات الأسر، وبلغت نسبة الأرامل والمطلقات من بين النساء اللواتي يترأسن أسراً 55% أي حوالي 650 ألفاً.

نتيجة الإجراءات الاحترازية لمواجهة الأزمة الصحية، أصبح العبء أثقل اليوم على نساء يعانين من البطالة والتوظيف غير الآمن وغير اللائق، وهذا ما نتج عنه انتكاسة في المكاسب الاقتصادية التي تحققت للنساء والفتيات على مدى عشرات السنين، إضافة إلى مخاطر كبيرة تتمثل في عدم توفير الجو اللائق لحمايتهن من العنف النفسي والجسدي، والاستغلال بجميع أنواعه وأشكاله.

"كورونا قيّدت حركة النساء"

تكافح لمياء، ذات الـ30 ربيعاً، تسكن في الدار البيضاء، خلال ساعات النهار الطويلة لأجل لقمة العيش في عمل شاق لا يليق بها لصعوبته داخل الشركة التي تعمل بها إلهام، فتنطلق في رحلة يومية تكابد فيها العناء والقهر لتأمين لقمة عيش مغمسة الشقاء، بحسب قولها لرصيف22.

تحكي لمياء: "أترك منزلي الساعة الرابعة فجراً، أتوجه إلى الشارع الرئيسي حيث تمر حافلة العمال والعاملات الذين يتوجهون للعمل في الشركة".

"لو قاومت الشابين المسلحين سأتعرض للضرب المبرح".

وتقول لمياء إنها تتعرض لانتهاكات عديدة في طريقها للعمل في الخامسة صباحاً، ومرة اوقفها شابان يحملان الأسلحة البيضاء وسرقا هاتفها وحقيبة نقود، حتى أنها كانت معرضة للضرب المبرح في حال مقاومتها لهما. تضيف: "وبمجرد وصولي للشركة أباشر العمل الذي يتطلب مني الوقوف عشر ساعات متواصلة، إذ ممنوع الجلوس أو أخذ قسط من الراحة إلا في الوقت الذي تحدده الشركة وهو لا يتجاوز 15 دقيقة".

وترى لمياء أن تدابير الإقفال والحجر الصحي المعتمدة في البلد، والهادفة إلى التصدي للوباء، أدت إلى تقييد حركة المرأة، وإغلاق الخدمات التي تنشط فيها، ما نتج عنه تدهور أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، وتفاقم الكثير من مخاطر العنف ضدها.

"زاد العبء على قدمي"

"أرغمت على تحمل مسؤولية عائلتي بمفردي، منذ خمسة أعوام، بعدما انفصلت عن زوجي، وأصبحت المسؤولة الوحيدة عن رعاية أبنائي مادياً ومعنوياً، أعمل طوال الأسبوع"، تقول سعدية زرودي (38 عاماً)، لرصيف22. وهي تعمل "في تنظيف المنازل من أجل الحصول على 100 درهم (10 دولارات) لليوم لكل بيت قمت بتنظيفه أو مساعدة صاحبته في تنظيفه، هذا العمل ليس مستقراً، خصوصاً أنه قلّ مع الجائحة. وبعض الزبونات استغنى عني خوفاً من نقل المرض".

تقول لمياء إنها تتعرض لانتهاكات عديدة في طريقها للعمل في الخامسة صباحاً، ومرة اوقفها شابان يحملان الأسلحة البيضاء وسرقا هاتفها وحقيبة نقود، حتى أنها كانت معرضة للضرب المبرح في حال مقاومتها 

وتتابع سعدية: "في زمن الكورونا، أشعر بأن العبء زاد على قدمي الوحيدتين، لم يعد ما أتحصل عليه من أجر مقابل التنظيف كافياً، بسبب كثرة المصاريف ومتطلبات معيشة الأبناء في ظل قلة الطلب من قبل النساء اللواتي كنت أساعدهن باستمرار قبل الجائحة".

"النساء يعشن في متاهة من المشقة والقلق".

وتكمل: "الكثير من النساء مثلي يعشن في متاهة من المشقة والقلق بشأن المستقبل الذي ينظرن إليه على أنه بات مجهولاً، ليس لدينا ما نخاف خسرانه سوى قدرتنا على العمل من شروق الشمس حتى غروبها لجني دخل مادي محدود، قد نكون قادرات على الشراء به كل ما نتمناه، وتأمين ظروف معيشية كريمة. في بعض المرات نعجز عن تأمين الفواكه واللحوم".

تعلق ماريا الشرقاوي، الكاتبة والباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، شارحة لرصيف22 أوضاع المرأة المغربية هذه الأيام: "نجد المرأة بمختلف الفئات  في زمن كورونا قد أثقل كاهلها بأشغال البيت، التي تتطلب مجهوداً جباراً ومضافاً للأيام العادية نظراً لضرورة النظافة بشكل زائد عن العادي، وضرورة التعقيم التي تتطلبها الوقاية من الوباء".

وانتقدت الشرقاوي نظرة المجتمع المغربي للمرأة، في تكليفها قسراً وحصراً  بالأعمال المنزلية، تقول: "نحن كمجتمع مغربي نعتبر أشغال المنزل من المهام المنوطة بالمرأة، سواء كانت زوجة أو بنتاً أو أختاً. ومما زاد من حدة المشكلة أن الأسر التي كانت تعتمد على مساعدات البيوت تخلت عنهن خوفاً من العدوى".

وفي النهاية، كانت المرأة المغربية العاملة والمعيلة  تعاني من قبل كورونا، ولكن بعد ظهور تبعات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن توقف الكثير من الأنشطة بسبب الإجراءات الاحترازية المشددة، زادت معاناتها، واتسعت لتشمل نساء أخريات من طبقات اجتماعية أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard