"لن ينقذك أحد"... عن غربة تختارها الأمهات العازبات بحثاً عن أوطان تقبلهن

السبت 27 فبراير 202110:56 ص

تتخذ بعض الأمهات قراراً واعياً رغم صعوبته ليكن أمهات عازبات، لعديد من الأسباب، ضمن غربة لا تكون اختيارية في معظم الأحيان، وفي مجتمعات، رغم "تقدمها"، لا زالت تؤطر الأمومة وشكل الأسرة، وتُشيد بالتضحيات بدلاً من الاعتراف بالصعوبات. 

وبالرغم من أن مصطلح "الأم العازبة" لا يقتصر على حالة بعينها، ولكنه يظل موضع نقاش. فكلّ امرأة اتخذت قرار الإنجاب، التبنّي أو تربية الأولاد بمفردها، هي أم عازبة. وتكافح الأمهات المنفصلات عن شركائهن أو أزواجهن كثيراً من أجل حياة كريمة لهن ولأطفالهن، وفي الحالات التي يتخلى فيها الشريك السابق عن كافة مسؤولياته تجاه الأولاد، تطلق المرأة على نفسها مجازاً لقب "الأم العازبة"، وذلك لقيامها بجميع المهام المتعلقة بالأمومة وتحمل المسؤوليات العاطفية والمادية، دون أي مساندة من الشريك السابق.  

تتعرّض الأمهات العازبات للتمييز، ضمن المجتمعات المتقدمة والأقل تقدماً على حدّ سواء. فحقوق المرأة لازالت تعتبر قاصرة أمام احتياجاتها، ولا تتوانى القوانين العالمية والمحلية عن إجهاض المحاولات الحثيثة للنساء بشكل عام، وللأمهات بشكل خاص، بالحصول على حقوق عادلة ومتساوية مع أقرانهن من الذكور. 

تأتي حالات التمييز ضد المرأة في المجتمعات عامة، من النساء أيضاً وليس فقط من الرجال، على أن هذا التمييز يبدو ممنهجاً أكثر ضمن الدول الشرق أوسطية، فهذه المنهجيات مُضمّنة في قانون الأسرة والنظم القضائية في البلدان العربية. تلك النظم المعقدة للغاية، والمنظمة بشكل هرمي ووصائي، مبني في أغلب الأحيان على القوانين الدينية المختلفة التي تحكم كل منطقة، والتي تؤثر بشكل أساسي على المجتمعات، سواء في البلد الأم أو المجتمعات التي تحمل كل ما سبق معها إلى بلدان إقامتها الجديدة.

وتتميز بلدان اللجوء عن غيرها من البلدان العربية بإيلائها الاهتمام بالحقوق الأساسية للنساء، كحق الحضانة، إجازة الأمومة وتحصيل الدعم المادي البسيط لبعض الحالات. بينما يختلف الأمر تبعاً لسياسات الدول العربية المختلفة، التي لا زال للذكر فيها سلطة أعلى، تمكنه في حالات كثيرة من حرمان الأمهات من حضانة أولادهن، من حقوقهم المادية الأساسية وحتى من حق الإقامة أو السفر. 

ولأن التمييز المُمنهج ضد الأمهات العازبات أحد الأسباب الرئيسية لمشاكلهن الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية، فإن هذا يشجع الكثيرات منهن لينتقلن إلى بلدان جديدة، إلى ما تُسمى بالغربة، خارج دائرة الدعم الاعتيادية من أهل وأقارب، إلى دولة أوروبية قد تضمن حقوقهن الرئيسية في الحضانة، في حالة الانفصال عن الشريك، وفي العدالة الاقتصادية والحقوق المحفوظة.

تتميز بلدان اللجوء عن غيرها من البلدان العربية بإيلائها الاهتمام بالحقوق الأساسية للنساء، كحق الحضانة، إجازة الأمومة وتحصيل الدعم المادي البسيط لبعض الحالات. بينما يختلف الأمر تبعاً لسياسات الدول العربية المختلفة، التي لا زال للذكر فيها سلطة أعلى

حق الحضانة الذي ناضلت من أجله ثماني سنوات كاملة

ديانا هي ناشطة سورية وأم عازبة لطفلين 13 و15 سنة، مقيمة في هولندا منذ ست سنوات.

تزوجت ديانا في سن السابعة عشر زواجاً تقليدياً دام أربع سنوات، تم الطلاق بعد ذلك، وكانت تريد أن تحتفظ بحق حضانة طفليها معها.

ديانا، والتي كانت في الثالثة والعشرين حينها، لم تكن حاملة لشهادة الثانوية، ولم يتوفر لها دعم من الأسرة للمساعدة في مصروف الأطفال. بينما اشترط الأب أن يمتنع عن رؤية أطفاله إلا في حال أخذه الحضانة الكاملة. 

تقول ديانا في حديث لرصيف22: "أخد الحضانة وحسّيت بيومها إنه روحي راحت مني، ومن يومها كان هدفي في الحياة أن أسترجع أولادي".

لم تدرك ديانا حينها أن ذاك الفراق سيدوم لثمانية أعوام وعشرة أشهر.

 بعد بداية الثورة السورية، وخاصة في 2012، قرّر شريك ديانا السابق السفر إلى الأردن مع الأطفال، واضطرت ديانا أن تسافر إلى تركيا. تقول ديانا: "كل ما كنت أكبر كنت أدرك كم كانت قرارات أهلي مؤثرة على حياتي، في تركيا كان لدي الصراع للوصول إلى مكان يجمعني مع أطفالي، كان لدي صراعي مع نفسي وكان لدي أيضاً صراعي مع أهلي. في يوم من الأيام، قررتُ أن أغير كل شيء وأن أحل المشكلة من جذرها، بحثتُ عن أكثر دولة يمكن أن تحترم حقوق المرأة والطفل حيث سأجد قانوناً يدعمني ويجمعني مع أطفالي. أخذتُ طريق البحر ووصلت هولندا في نيسان 2015".

من أكثر المصاعب التي قد تواجه الأمهات العازبات هو تحصيل حقهن في أن يكُنّ في مكان واحد مع أطفالهن، وحقهن في ممارسة أمومتهن، وحقهن في ألا تكون هناك آلاف الكيلومترات وعشرات الحدود التي تفصل بينهن وبين أطفالهن.

قامت ديانا بعدها بتقديم أربعة طلبات عن طريق المحكمة في هولندا، جاء 3 منها بالرفض ليأتي الرابع بالموافقة بعد جهود هائلة منها، وسفرها إلى الأردن لاستصدار الأوراق اللازمة لأطفالها. خلال رحلتها إلى الأردن، اكتشفت ديانا تسجيل شريكها له وللأطفال في مفوضية اللاجئين. ضمن الملف الذي قام الأب بتقديمه، قرأَت ديانا: "الأم، غير معلوم"!

اليوم، بعد ثمانية سنوات وعشرة شهور. لدى ديانا كل ما أرادت، وجودها مع طفليها في مكان واحد، الشعور بالأمان واستقلاليتها بعد معركة دامت طويلاً، تقول: "تمنيتُ لو أن أحداً قال لي من قبل: اسمعي صوتك الداخلي فقط. التغيير يبدأ مني لا أحد سيغير شيئاً لو لم أبدأ أنا وأفرضه بنفسي".

"الحديث عن تجارب النساء العازبات هو فعل مُقاوم، مقاوم للعائلة، للمجتمع والظروف التي تحاول أن تتحكم بمصائرنا".

تعمل ديانا اليوم مع مؤسسة باكس في هولندا، ضمن مبادرة تستهدف المدارس والجامعات من سن 13 لسن 23، حيث تتحدث فيها عن قصتها وعن نشاطها في الثورة السورية. تقول: "أقوم بالتركيز على حقيقة أنني أم عزباء وأحمل نفسي مسؤولية إيصال هذه الرسالة، فالحديث نفسه عن تجارب النساء العازبات هو فعل مُقاوم، مقاوم للعائلة، للمجتمع والظروف التي تحاول أن تتحكم بمصائرنا". 

لربما كانت الحياة الاجتماعية في سوريا قد تؤمن لديانا ولولديها خيارات أكثر، بينما في المقابل في هولندا لا يوجد العديد من الأصدقاء لها ولأولادها. عن هذا تقول ديانا: "في سوريا لن نشعر بالوحدة، والأهم سيكون لدي شخص أو عدة أشخاص أتصل بهم في حالات الطوارئ. هنا في هولندا لا يمكنني أن أتصل بأحد أو أن أقول: أنا في المشفى وبحاجة ماسة إلى المساعدة!". 

ولكن بالنسبة لديانا ما زالت الإيجابيات التي تؤمنها هولندا تطغى على ما سبق: "هذه البلاد تضمن حقوقك وحقوق أطفالك كأم عازبة. بالنهاية سأكون فخورة بأني وضعت حجر أساس مهماً في حياة أولادي ومستقبلهم".  

تفشل الأنظمة الأوربية أيضاً في دعم الأمهات العازبات

زينة، 36 عاماً، صحفية وناشطة سورية مقيمة في التشيك، وأم لطفلين. تشير بأن المجتمعات الأوروبية رغم انفتاحها نوعاً ما وتوفيرها الدعم للأمهات، إلا أن هذه المجتمعات والمؤسسات التي تحكمها ما زالت لا تفكر بحاجات الأمهات العازبات.

وتتابع: "المجتمعات ما زالت قاصرة عن التعامل مع حاجات الأمهات العازبات، في حال كنت أماً عازبة لطفلين مثلي، فما هي الحلول المتوفرة لك في حال أصبت بالمرض؟ لا شيء. لا يمكنك حتى الدفع لمربية منزلية لمساعدتك حيث تُعتبر هذه المهنة من أكثر المهن غلاء في أوروبا. وهذه هي فقط البداية".

تتحدث زينة عن سلسلة من المهام التي لا تنتهي التي يتوجب على الأم العازبة الاهتمام بها، وتقول: "اجتماعات الأهالي في المدرسة، في كل مرة عليّ أن أختار، هل يتوجب عليّ أن أحضر اجتماع ابنتي أو اجتماع ابني. وفي كل عام عليّ أن أقرر مَن منهما سأرافق إلى الصف في أول يوم دراسي؟"

الكثير من القرارات والأسئلة المحيرة التي تواجهها الأم العازبة، بالإضافة إلى حاجتها إلى عمل بدوام كامل لتؤمن احتياجات أطفالها واحتياجاتها الأساسية، وكل هذا يبدو مهمة صعبة التنفيذ، فكل ما سبق من مهام الأم العازبة هو وحده عمل بدوام كامل. بما في ذلك الطهو والتبضّع لحاجيات المنزل والتنظيف، وكل هذه الأعباء التي يتوجب على الأم العازبة أن تقوم بها بشكل دوري لوحدها.

وتواصل زينة: "دائماً أفكر بهذا النظام الذي يواجه خللاً، كيف عليّ أن أعتني بطفلين وأنا بحاجة لراتب كامل، دون أي خدمات تقدم لي كأم عازبة، للمساعدة في أي من مهامي، أو فرصة العمل بدوام جزئي وبراتب مقبول كي أتمكن من إتمام جميع مهامي".

تغرق الأمهات في هذه التفاصيل اليومية، وتُجبِر الأم العازبة نفسها على الاحتراق في محاولة لتحقيق كل شيء. بينما يبدو أن الأنظمة الأوروبية تفشل بدعم الأمهات العازبات في التطور مهنياً.

وتتابع زينة: "أحاول دوماً أن أشرح لطِفلَيْ بأن الحياة ليست مثالية، ولا أحد يحصل على كل شيء يتمناه. وأن وضعنا هو وضع طبيعي، كما أسعى جاهدة ألا يساهم أي شيء في تعزيز شعورهما بالنقص". 

رغم كل الصعوبات التي تمر بها زينة وعملها الدائم بأن تكون "الأم الأخطبوط" تحت كل الضغوطات المحيطة، ولكنها ما زالت ترى الجانب الإيجابي كونها تعيش في التشيك، وتختم حديثها: "ببساطة، الفرص التي حصلت عليها في التشيك لم أكن لأحصل عليها في سوريا أو في أي بلد عربي. للأسف، ما زالت الوصاية الذكورية أعمق بكثير في البلدان العربية". 

مع بداية كورونا، ازداد قلق الأمهات العازبات من كونهن بمفردهن. تقول زينة: "أصابني قلق مزمن في الموجة الأولى لوباء كوفيد-19. لم أتمكن من النوم ليلاً وأنا أفكر: ماذا لو أصبت بكورونا وأُخِذتُ للحجر، من سيهتم بأولادي هنا؟ مجدداً أشعر بأن النظام المؤسس للدول الأوروبية لا يدعمني في هذه الاحتياجات البديهية كأم عازبة".

تناضل الأمهات العازبات لتحصيل حياة أفضل لهن ولأطفالهن، وتواجهن المجتمعات في البلد الأم والمجتمعات نفسها في بلاد الاستقرار الجديد، لكنهن ينتزعن حقهن بالحياة وبالسعادة وبالبدايات الجديدة، بالرغم من كل ما يواجهنه من صعوبات

 حكايات ما قبل النوم عن أُسرة سعيدة ومثالية

 تحاول رنيم جاهدة ألا تبخل بشيء على طفلها، تحاول أن تكون الأم والأب والخالة والخال والجدة والجد.

وتقول في حديث لرصيف22: "لا ينجح الأمر دائماً، لدي طاقة محدودة ومسؤوليات كبيرة لأقوم بها مع طفلي. أحياناً أفكر بأنه لا يلتقي أحداً غيري، وبأنه ربما هناك أمور إدراكية ونفسية لا يمكنني تعويضها وحدي". 

تبلغ رنيم من العمر 30 عاماً، وهي طالبة جامعية تدرس الفنون في جامعة لايبزيغ في ألمانيا، وأم عازبة لطفل.

لا تتوقف الصعوبات التي تواجه رنيم عند هذا الحد، تتحدث عن العاصفة الثلجية مؤخراً في ألمانيا، وعن اضطرارها للخروج من المنزل في درجة حرارة 16-، فتقول: "كان عليّ أن أخرج من المنزل مع توقف المواصلات العامة، ولا أستطيع أن أجعل طفلي يمشي كل المسافة على قدميه، وفي نفس الوقت أحتاج لشراء البقالة. أعتقد في كثير من اللحظات بأنني قادرة على كل شيء، ولكنني فجأة أحس بأني مشلولة تماماً. تمنيتُ لو أن هناك أحداً يمكنه البقاء مع طفلي، أو شخص ما يمكنني أن أطلب منه شراء الأشياء لي".

مع كل ما سبق، ما زالت رنيم تؤكد بأنها تفضل أن يكبر طفلها في ألمانيا بدلاً من سوريا. تقول رنيم: "التعليم فاشل في سوريا والتربية فاشلة. ستُعامَلين كأم عازبة في أي مكان تدخلينه، سينظر الناس إليك ويقولون ضمنياً: يا حرام. هنا في ألمانيا، الغالبية لن تقف عند هذا التفصيل". 

تشعر رنيم بشكل عام بأن هناك الكثير من حالات الانفصال/الطلاق في ألمانيا، ولكن يظل لديها هاجس واحد: "ماذا سيشعر طفلي في حال التقى مع طفل لديه أم وأب، كيف رح يحس إنه بابا بعيد؟".

رغم تقدم المجتمعات وانفتاحها، لكن هناك طرحاً دائماً ومستمراً عن شكل العائلة المثالية، وكيف يجب أن تكون حياة الطفل، رغم أنه في معظم الحالات من الأفضل أن يعيش الطفل مع والدين منفصلين، بدل الحياة في بيئة مسمومة لا يسودها التفاهم. تتابع رنيم: "في القصص التي أقرأها لطفلي قبل النوم، تتحدث القصة عن الفأر الصغير الذي يأخذه والده ووالدته ليضعاه في سريره قبل النوم، قصص الأطفال هي قصص حالمة ومثالية، وهي لا تمثل الواقع الحقيقي للأطفال".

تستمر رنيم أيضاً في التفكير بتفاصيل العمل، بالطموح وبأن تكون أماً مثالية لطفلها، تقول: "كنت أريد أن أكون أماً مثالية، وفكرت كثيراً بعدها بأن طفلي لا يحتاج أماً مثالية بل هو يحتاج لأم سعيدة".

حال رنيم حال الكثير من الأمهات العازبات اللواتي يمررن بثقل مضاعف من الشعور بالذنب وجَلد الذات. تقول رنيم: "في كثير من الأحيان أظن أن الأم ليست كائناً بشرياً، بل تتحول إلى آلة لجَلد الذات، منذ اللحظة التي تنجب فيها طفلها الأول إلى أن ترقد إلى نومها الأخير".

تعبر رنيم عن مشاعرها وأفكارها بالفن، وكانت قد عملت خلال هذه المرحلة على لوحة أسمتها "الأم الراقصة"، تُظهر اللوحة أماً ترقص وحولها أشباح ترقص مُمثلة المجتمع، يظهر طفلها وراءها يدق لها على الدف.

تختم رنيم حديثها: "عملتُ على هذه اللوحة لأنها موجهة لي قبل أن تكون موجهة لغيري، لقد سئمت من صورة الأم الباكية، صورة الأم في الكنائس وصورة مريم العذراء المثالية الحانية لرأسها. سئمتُ أيضاً على حد سواء من صورة الأم الشيوعية المناضلة المكافحة، التي تحمل السلاح بيد وطفلها باليد الأخرى. أرهقتني هذه النماذج واستنفذت مني ومن كل النساء والأمهات ما يكفي، أريد اليوم نموذجاً آخر، أريد الابن الذي يعزف لأمه وهو فخور بها وبرقصها".

عن يوميات لا نهائية من النضال 

تناضل الأمهات العازبات لتحصيل حياة أفضل لهن ولأطفالهن، وتواجهن المجتمعات في البلد الأم والمجتمعات نفسها في بلاد الاستقرار الجديد، لكنهن ينتزعن حقهن بالحياة وبالسعادة وبالبدايات الجديدة، بالرغم من كل ما يواجهنه من صعوبات. 

ويحضرني هنا قول الكاتبة والناشطة النسوية غلوريا آنزالدوا: "لن ينقذك أحد. لن يخلصك أحد أو يقطع الأشواك من حولك. واجهي الأمر. سيكون عليك القيام بذلك، افعليها بنفسك إذن". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard