الاعتقال والتجسس وتقييد الحريات... هيومن رايتس ووتش تتهم الرباط بالتضييق على الحريات في تقريرها السنوي

الأربعاء 26 يناير 202203:57 م

تقييد الحريات، والتضييق على الناشطين واللاجئين، واستمرار التمييز ضد المرأة، من أبرز قضايا حقوق الإنسان التي رصدتها منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية في المغرب خلال عام 2021، في تقريرها السنوي لعام 2022، بالإضافة إلى أحداث تتعلق بنظام العدالة القضائية، وإقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها السنوي، إن الحكومة المغربية تستمر في قمع الصحافيين والمعارضين، من خلال ملاحقات قضائية بجرائم جنائية تبدو ذات دوافع سياسية، مع الإبقاء على القوانين المقيدة للحريات الفردية، ومواصلة تقييد نشاطات ناشطي جبهة "بوليساريو" تقييداً شديداً.

محاكمات "سياسية"

قالت هيومن رايتس ووتش، إن المغرب تجنّب اعتقال العديد من المنتقدين ومحاكمتهم، بسبب ما قالوه بشكل مباشر، موظفاً بدلاً من ذلك جرائم تتعلق بالجنس أو الاختلاس، لافتةً إلى أن "الأدلة إما كانت ضعيفةً، أو مشكوكاً فيها، أو أن المحاكمات انتهكت بوضوح شروط المحاكمة العادلة".

ومن أبرز هذه القضايا، الحكم على المؤرخ، المعطي منجب، في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي، بالسجن سنةً واحدةً بتهمة "تلقّي أموال من منظمة أجنبية من أجل المس بالأمن الداخلي للمغرب"، إذ كان أساس الاتهام أن منظمةً غير حكومية أنشأها منجب للدفاع عن حرية التعبير، تلقّت منحاً من منظمات أوروبية لتنظيم دورات تدريبية للصحافيين المحليين بطريقة "تمس بالأمن الداخلي للبلاد".

وأُفرِج عن منجب في 23 آذار/ مارس الماضي، بعد أن أضرب عن الطعام 19 يوماً.

وفي 9 تموز/ يوليو الماضي، أدين الصحافي سليمان الريسوني، المعروف بمقالاته الافتتاحية التي تنتقد السلطات، بالسجن خمس سنوات بتهمة "الاعتداء الجنسي"، بعدما وُضع رهن الحبس الاحتياطي منذ أيار/ مايو 2020، إثر اتهامه من قبل شاب من مجتمع الميم، في منشور على فيسبوك، بالاعتداء عليه جنسياً، ليمضي الريسوني سنةً كاملةً في الحبس الاحتياطي، من دون أن تقدّم المحكمة أي أساس موضوعي لرفض الإفراج عنه بكفالة في هذه الفترة الطويلة.

وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القاضي رفض طلب الريسوني، الذي تجاوز إضرابه عن الطعام مئةً وعشرة أيام، احتجاجاً على ظروف محاكمته، ونُقل إلى قاعة المحكمة في سيارة إسعاف، مع حضور الجلسات على كرسي متحرك تحت إشراف طبي.

في الـ19 من الشهر ذاته، تم الحكم على الصحافي الاستقصائي عمر الراضي، بالسجن ست سنوات بتهم متعددة، من بينها التجسس، واغتصاب زميلة له في العمل.

تقييد الحريات، والتضييق على الناشطين واللاجئين، واستمرار التمييز ضد المرأة، من أبرز قضايا حقوق الإنسان التي رصدتها منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية في المغرب خلال عام 2021

وحُكم على زميله الصحافي عماد ستيتو، في القضية نفسها، بالسجن سنةً واحدةً مع ستة أشهر موقوفة التنفيذ، بتهمة "المشاركة" في الاغتصاب المزعوم، لأنه "لم يتدخل لمنع حدوثه"، بينما يشدد عمر في إفادته على ممارسة الجنس مع صاحبة الشكوى بالتراضي.

ومن خلال فحص وقائع القضية التي تستند إليها تهم التجسس الموجّهة إلى الراضي، وجدت هيومن رايتس ووتش، أنها "لا تعدو كونها عملاً صحافياً عادياً، وأبحاثاً أجراها لحساب شركات بصفته استشارياً مدفوع الأجر، واجتماعات روتينية مع دبلوماسيين أجانب"، كما لم يتضمن ملف القضية، الذي اطّلعت عليه المنظمة أي دليل على أن الراضي قدّم معلوماتٍ سريةً لأي شخص، أو حتى أنه تمكن من الوصول إلى هذه المعلومات.

ولم تقدّم المحكمة أي مبرر موضوعي لاحتجاز الراضي سنةً كاملةً على ذمة المحاكمة، ورفضت الاستماع إلى شهود الدفاع، واعترفت بإفادة خطية من شاهد إثبات، لكنها رفضت استدعاءه، وبذلك حرمت الدفاع من حقه في استجوابه، حسب منظمة هيومن رايتس ووتش التي راقبت المحاكمة، وسجلت انتهاكات عدة للإجراءات القانونية الواجبة في أثنائها.

تقول الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خديجة الرياضي، في حديث إلى رصيف22، إن "الدولة تلجأ إلى تهم الحق العام، في محاولةٍ منها لإخفاء الطابع السياسي للاعتقال والمحاكمة"، مشددةً على أن القضاء المغربي "يُستعمَل شرّ استعمال، لاستصدار أحكام ظالمة في متابعات غابت عنها كل معايير المحاكمة العادلة".

وتشير الرياضي إلى أن "الحرمان من الحرية هو أكبر انتهاك تعرّض له المعتقلون السياسيون، لأن الحق في الحرية هو أسمى الحقوق، وهو حق مقدس لا يمكن المس به في الدول الديمقراطية"، ولا تتقبل الحقوقية المغربية الزج بالشخص في السجن، لأن مدّعياً وضع شكايةً ضده فحسب، من دون وجود حالة تلبّس، أو إثبات، يدينانه قطعياً. "فكلّ من تابع محاكمات المعطي منجب، وسليمان، وعمر، وعماد، والعواج، ومعتقلي الريف، وغيرهم"، تضيف المتحدثة: "وقف على حجم التعسف الذي مورس ضدهم".

محاكمات جنائية لحرية التعبير

وفي قضايا أخرى، حاكمت السلطات صحافيين وأشخاصاً بتهم تتعلق بالتعبير عن آرائهم على منصات التواصل الاجتماعي، وخطابهم النقدي غير العنيف، لكنها محاكمات تمت بموجب القانون الجنائي إثر خطابهم النقدي السلمي، في الوقت الذي لا ينص فيه قانون الصحافة والنشر الجديد على عقوبة السجن.

ومن بين هؤلاء، ذكرت المنظمة الناشط المغربي الأمريكي على يوتيوب، شفيق العمراني، والحقوقي نور الدين العواج، اللذين أدينا بالسجن ثلاثة أشهر وسنتين على التوالي، بتهمة "إهانة المؤسسات الدستورية"، بعد انتقادهما الملك محمد السادس، فيما أدين مصطفى السملالي، المعروف باسم "علال القادوس"، بالسجن سنتين، بتهمة "إهانة المؤسسة الملكية"، بعد أن زُعم أنه أهان شقيق الملك، الأمير مولاي رشيد.

استغلال قضايا جنسية وأخلاقية لتشويه سمعة المنتقدين للسياسات الحكومية من أبرز النقاط التي ركز عليها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش حول الحريات في المغرب خلال عام 2021

كما حُكم على الطالبة المغربية الإيطالية، إكرام نزيه، بالسجن ثلاث سنوات، بتهمة "المساس بالدين الإسلامي"، بعد أن نشرت على فيسبوك منشوراً عدّته السلطات استهزاءً بسورة من القرآن، قبل إطلاق سراحها لاحقاً، بعدما خففت محكمة الاستئناف حكمها إلى شهرين، وعلى المعلقة على يوتيوب جميلة سعدان، بالسجن ثلاثة أشهر، بتهمة "المس بالمؤسسات ونشر ادّعاءات كاذبة"، بعد اتهامها للسلطات بحماية أنشطة السياحة الجنسية في مراكش.

التشهير... القيد الناعم

لفتت المنظمة الحقوقية الدولية الانتباه إلى أنه بينما ناضل عمر الراضي، في المحكمة لشهور من أجل الحصول على ملف قضيته، حصلت مواقع صحافية لديها ارتباط وثيق بأجهزة الأمن على نسخ مسرّبة حتى قبل بدء المحاكمة؛ وهو ما خوّلها بناءً على تلك التسريبات، نشر عشرات المقالات التي تجرّم الراضي، من دون احترام مبدأ سرّية التحقيق.

وتعرض منجب والريسوني وآخرون أيضاً، لحملات تشهير هدفت إلى تشويه سمعتهم في مقالات عبر مواقع معروفة محلياً باسم "صحافة التشهير"، بسبب اعتداءاتها المستمرة والمنسقة على من ينتقد السلطات.

وقالت هيومن رايتس ووتش، إن هذه المواقع "معروفة بقربها من الأجهزة الأمنية، وقد نشرت في السنوات الماضية آلاف المقالات التي تتضمن معلوماتٍ خاصةً عن الأفراد المستهدفين، تضمنت معلوماتٍ حول سجلات مصرفية، وسجلات ممتلكات، وصور لمحادثات إلكترونية خاصة، ومزاعم حول علاقات جنسية، وتفاصيل شخصية حميمة".

ويعيش المعارضون الذين اختاروا التغريد خارج السرب، وانتقاد سياسات السلطة، هاجس تعرّضهم لحملات تشهير، مع وجود وسائل إعلام تصلها معطيات عن شخصيات محددة، لتقوم بالتشهير بهم، ومشاركة تفاصيل من حياتهم الخاصة.

ويقول أحدهم، رفض ذكر اسمه لرصيف22: "لم أعد أجرؤ على الانتقاد من هول ما أصبحت أصادف من معطيات خاصة على بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي"، ويضيف: "أخاف من أن تُستهدف عائلتي".

انتهاكات لحقوق سكان الصحراء

لم تغب الصحراء الغربية عن التقرير السنوي لمنظمة هيومن رايتس ووتش، إذ تحدثت الأخيرة عن "منع السلطات المغربية للتجمعات المساندة لحق الصحراويين في تقرير المصير، وعرقلتها لعمل بعض المنظمات الحقوقية المحلية غير الحكومية"، بما في ذلك عن طريق منعها من التسجيل القانوني، بالإضافة إلى "ضرب الناشطين والصحافيين في أثناء احتجازهم، وفي الشوارع، أو مداهمة منازلهم، وتدمير متعلقاتهم، أو مصادرتها".

وقالت المنظمة إنها وثّقت بعض عمليات الضرب والمداهمات، بما في ذلك مداهمة منزل الناشطة حسنة دويهي، في أيار/ مايو 2021، مشيرةً إلى أن هذه السنة شهدت أيضاً استمرار سجن 19 صحراوياً، بعد إدانتهم في محاكمتَين عامي 2013 و2017، بقتل 11 عنصراً من قوات الأمن، خلال اشتباكات اندلعت "بعد أن فككت السلطات بالقوة مخيماً احتجاجياً في أكديم إزيك عام 2010".

وأثار الشق المتعلق بقضية الصحراء حفيظة السلطات المغربية، التي انتقدت الإثنين 24 كانون الثاني/ يناير، تقرير هيومن رايتس ووتش، وعدّته دليلاً على انخراط المنظمة الحقوقية في "حملة سياسية ممنهجة مضادة" للمغرب.

وقالت المندوبية الوزارية، المكلفة بحقوق الإنسان في المغرب، إن الفقرات الواردة في تقرير المنظمة لسنة 2021 بـ"خصوص الصحراء المغربية، تُعدّ أكبر حجة على انخراطها في حملة سياسية ممنهجة مضادة لبلدنا... وأكبر دليل على عدم انسجامها مع منهجها، بخصوص التعامل مع الإنسان".

وأشارت المندوبية الوزارية، في رد مفتوح، إلى أنه بعدم تسليم المنظمة بطبيعة النزاع، بأنه نزاع إقليمي معروض على أنظار مجلس الأمن منذ عقود، "وإصرارها على ترديد أطروحة تجاوزها الزمن، وعدم القدرة حتى على الإشارة، إلى المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي، تكون "قد أخلّت بقواعد الحياد المفروض في منظمة معنيّة بحقوق الإنسان".

قضايا أخرى بارزة

وفي قضايا اللجوء، تحدّث تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عن تأييد محكمة مغربية، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، طلب التسليم المقدّم من الصين في حق الناشط الإيغوري إدريس حسن، مشدداً على أنه في حال سلمت السلطات المغربية حسن للصين، "فسيكون ذلك انتهاكاً لالتزامات المغرب بموجب 'اتفاقية اللاجئين لعام 1951'، و'اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984'، اللتين تحظران إرسال أي شخص قسراً إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر التعذيب".

واستنكر التقرير عدم تجريم القانون المغربي صراحةً للاغتصاب الزوجي، وتعريض النساء اللواتي يبلّغن عن الاغتصاب للمتابعة القضائية، بسبب مشاركتهن في علاقة جنسية خارج إطار الزواج، إذا لم تصدقهن السلطات، بالإضافة إلى منع دخول النساء المغربيات غير المصحوبات بأزواجهن أو ذويهن إلى الفنادق.

كما نبّه إلى استمرار معاقبة القانون المغربي على ممارسة الجنس بالتراضي بين البالغين غير المتزوجين في المغرب، بالسجن لمدة تصل إلى سنة، مع تجريمه أيضاً، ويُعَرف في نصوصه بـ"أفعال الشذوذ الجنسي" بين أفراد من الجنس نفسه، في إشارة إلى المثلية الجنسية بشكل عام، ويعاقبهم بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

يُذكر أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو هيئة أسستها الدولة، أوصى في مذكرة نُشرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بإلغاء تجريم ممارسة الجنس بالتراضي بين البالغين غير المتزوجين، وأعربت أكثر من 25 منظمةً غير حكومية عن دعمها لهذه التوصية، التي تعمل بها الحكومة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard