السجن لمغربية نشرت "سورة الويسكي"... حرية التعبير في مواجهة حرّاس الدين

السبت 31 يوليو 202101:40 م

لم تكن طالبة مغربية إيطالية تبلغ من العمر 23 سنة، وتتابع دراستها في إيطاليا، تعلم أن ضغطها على زر النشر لمنشور "سورة الويسكي"، سنة 2019، قد يحجز لها مكاناً داخل السجن، بعد عامين ونصف العام، بتهمة "المس بالمقدسات الدينية، ونشر الإساءة للعموم".

الحكم الصادر من محكمة ابتدائية في مراكش، الثلاثاء 29 حزيران/ يونيو الماضي، والذي قضى بسجن الشابة ثلاث سنوات سجناً نافذاً، مع غرامة مالية نافذة قدرها 50،000 درهم (نحو 5593 دولاراً)، بعد متابعتها من طرف النيابة العامة وهي معتقلة، خلّف جدلاً واسعاً، وفتح نقاشاً فكرياً وقانونياً في المغرب.

لن تفلت من زنازين الحكومة

والد الفتاة المتهمة بـ"تحريف" السورة القرآنية "الكوثر"، بعد نشرها نصاً ساخراً بعنوان "سورة الويسكي"، رفض في تصريح مقتضب لرصيف22، التعليق على الحكم، مشيراً إلى أن الدفاع طلب استئنافه، وأن ابنته تعيش حالة نفسية "متأزمة"، وأن أسرتها تخاف نشر اسمها الكامل، أو صورتها، بعد الجدل، مؤكداً أن حبس ابنته عقب وصولها إلى المغرب، جاء بعد تقديم جمعية "دينية" شكوى في 2019، وأن هدف ابنته من نشر النص الساخر لم يكن "الإساءة" إلى الدين الإسلامي، لأنها لم تدرس اللغة العربية من الأساس.

نشرت نصا حاكي القرآن عن 'الويسكي' فوجدت نفسها في السجن. خلف هذا الحكم، سؤال حرية الضمير والتعبير تطرح من جديد في المغرب

تحفّظ والدها عن التعليق على الحكم، لم يكن موقف حقوقيين، وإعلاميين، وناشطين مغاربة، على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أدانوه، وعدّوه ردّة عن الحريات. وكتبت الصحافية المغربية هاجر الريسوني على صفحتها في فيسبوك: "قضية شابة إيطاليا تحيلنا على نقطة خطيرة جداً، تخيلوا أن تكتب تدوينة تعبر فيها عن رأي لم يتقبله شخص، أو جهة ما، فتقدم في حقك شكاية، وعند عودتك إلى أرض الوطن يتم اعتقالك!... كيف يمكننا أن نعود لوطنا ونحن مطمئنون أنه ليس ضدنا أي بلاغ أو شكاية؟".

ولم يكتفِ الرافضون للحكم في القضية التي صارت تعرف بـ"سورة الويسكي"، بتدوينات غاضبة، بل دعا بعض الناشطين إلى إعادة نشر ما نشرته الطالبة المغربية، إلا أن آخرين رأوا أنه "ليس من الحكمة" القيام بهذه الخطوة، ومن بينهم الناشط المغربي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية سعيد بنجبلي الذي كتب: "لا أعتقد أنه من الحكمة أن يعرّض الشباب أنفسهم للسجن، والنفي، لمجرد إثبات وجهة نظر"، مضيفاً: "ليست لدينا أي وسيلة لمساعدة البنت في السجن، أو إخراجها منه. وبالتالي فكل ما يمكنني القيام به هو التوجيه بالتزام الحذر اللازم أثناء النشر على الإنترنت. إذ يبدو واضحاً أنك قد تفلت من سيوف داعش ورصاصها، ولكنك لن تفلت من زنازين الحكومات وعقوباتها".

حكم "ظالم"

وقارن بعض الناشطين المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحكم الصادر في حق الطالبة المغربية، وبين قضايا أخرى لعل أبرزها حكماً قضت به محكمة الاستئناف في مدينة بني ملال، بالحبس سنتين مع وقف التنفيذ، في حق متهم أربعيني توبع بتهمة اغتصاب شابة في العشرينات من عمرها، أدى إلى فقدانها عذريتها.

" يقدّم المغرب نفسه دولة حديثة، وعصرية.  من العيب والعار يحكم على فتاة تبلغ  23 سنة لمجرد أنها كتبت تدوينة تهكَّمت فيها على معتقد" ما قضية فتاة "سورة الويسكي"؟

وفي السياق نفسه، كتب الصحافي المغربي محمد أحداد: "طبعاً الفتاة التي حُكمت ثلاث سنوات سجناً، بسبب تدوينة "طائشة" حول سورة الويسكي، والتي يتداولها نصف المغاربة على واتساب، هي المسؤولة عن إطلاق سراح عليوة (مسؤول سابق) من السجن، لحضور جنازة والدته، ثم لم يعد إليه. وعن هدر 17 مليار درهم (1.7 مليار دولار) من طرف شركات للمحروقات، وعن زعيم سياسي معروف بنى فيلا خارج القانون، وعن زعيم سياسي سرق أموال البرلمان".

وأضاف "هي مسؤولة عن وزير لم يدفع مستحقات موظفيه في صندوق الضمان الاجتماعي، وما يزال يُنظّر في الديمقراطية، وعن زعيم سياسي خرق الطوارئ الصحية، وما زال وزيراً، وزعيم آخر اختفى سنوات عن البرلمان، ولم يطرده أحد، وعن وزير عدَّل قانون المالية ليربح المليارات جراء بيع شركته، وعن مذيع طالب بقطع شمل الريفيين في حلقة مباشرة، ولم يحاسبه أحد، وعن فقيه سلفي يدعو دائماً لإبادة الأمازيغ".

وختم أحداد بسخرية لا تخلو من مرارة: "هي المسؤولة عن ذلك، ويجب إبادتها، واغتيال مستقبلها، لأن جمعية غبية تركت الفساد المنتشر في البلاد كله، لتنتبه لفتاة مراهقة على وسائل التواصل الاجتماعي".

حكم مسيء إلى صورة المغرب

الباحث في الشأن الديني محمد عبد الوهاب رفيقي، عدّ في تصريح لرصيف22 الحكم "صادماً جداً، أولاً من الناحية الإنسانية، فهو حكم لم يراعِ لا سن الفتاة، ولا إمكانية كتابة التدوينة في لحظة طيش، أو تهور، أو عدم انتباه، ولا الحالة التي كتبت فيها ما كتبت. فالفتاة في مقتبل العمر، وفي بداية سنواتها الدراسية، والواقعة مرّت عليها أكثر من سنتين ونصف السنة، والنظر في هذه الحيثيات كلها كان كافياً لتجاوز الموضوع، وعدم الوقوف عنده. وشخصياً أستغرب بشدة التدقيق في الأمر، وألاّ يأخذ القاضي بهذه الاعتبارات كلها، وحتى لو أخطأت، فكان يمكن تنبيهها بوسائل عدة من دون تحطيم مستقبلها".

وتابع الباحث: "ثانياً من الناحية السياسية، الحكم مسيء إلى صورة البلد حقوقياً، فالمغرب الذي يقدّم نفسه دولة حديثة، وعصرية، وتراعي حقوق الإنسان، من العيب والعار أن يثبت في سجله أنه حكم على فتاة تبلغ من العمر 23 سنة لمجرد أنها كتبت تدوينة تهكَّمت فيها على معتقد من المعتقدات، فهذه أحكام تعود بنا إلى القرون الوسطى، ومن العيب أن تصدر في هذا الزمن. وعلى الرغم من أني أرى أنه من الواجب مراعاة مشاعر الناس، وعدم استفزازهم، لكن هذه حادثة قديمة، ونُسيت، ولا يعرفها الناس، لذلك كان أولى أن يُتعامل معها وفق ما يراعي مستقبلها، وبما لا يخدش صورة المغرب حقوقياً أمام الدول الأخرى".

وفضل رفيقي عدم الخوض في "حكم" التحريف في الإسلام، ورأى أن "لكُلٍّ قناعاته واختياراته، والنقاش يجب أن يكون في ما هو أكبر من حكم ديني في قضية اختُلف فيها فقهياً، هل يمكن استبدال كلمات من القرآن بكلمات أخرى، وهل يمكن استعمال كلمات من القرآن في سياق حديث عادي. الحديث في هذا كله يطول، لكن ليس هذا ما يهم، المهم من وجهة نظري هو أن يتوافق المجتمع على مقاربة معينة يمكن الجمع فيها بين احترام الأديان، وعدم السخرية من المقدسات، وفي الوقت نفسه فتح الباب أمام النقد".

وأردف الباحث في الدراسات الإسلامية: "الأديان لغير معتنقيها (وهذا حق لا يمكن منعه عن الناس، فلا إكراه في الدين)، هي مجموعة من الأفكار يمكن أن تتعرض للنقد، ويحق للإنسان أن يجهر بمخالفته لها، لذلك من الضروري البحث عن مقاربة لا تهدد السلم الاجتماعي داخل المجتمع، وفتح نقاش حول حدود حرية التعبير، والمقصود بحرية الأديان، الأديان كلّها، وليس الدين الإسلامي وحده، ولا الديانات التوحيدية فحسب، بل حتى المعتقدات الوثنية، واللا دينية أيضاً، والبحث عن إجابة لسؤال مفاده: كيف سنؤسس لاحترامها جميعاً من دون المس بأي طرف ديني، أو مذهبي، أو لا ديني؟".

وختم تعليقه على قضية فتاة "سورة الويسكي"، قائلاً: "يكتسب الدين قوته من قدرته على الإقناع، والحجج والأدلة التي يكتسبها، وطريقة وصوله إلى قلوب الناس وعقولهم، وليس بإكراه الناس على الالتزام به، أو إكراههم على عدم انتقاده، والسخرية منه، فالدين لا يحتاج إلى حراس، ولا إلى محامين، وليس من حق البشر أن ينصبوا أنفسهم مدافعين عنه، وهذا ما يجب أن يتم ترسيخه في المجتمع تفادياً للكثير من الإشكاليات، في ظل ما يقع حالياً من انفتاح معلوماتي، وتطور تكنولوجي، وهو ما ساعد الكثيرين من الشباب على الاطلاع على أفكار، وديانات، ومعتقدات، أخرى، لذلك فالإسلام معرّض اليوم للمساءلة، ولا يجب أن نتحرج من ذلك، أو نمنعه".

سيخضع للتصحيح؟

بدوره قال الباحث في علم النفس الاجتماعي ومؤلف كتاب "وعد الآخرة" عادل الحسني، في تصريح لرصيف22: "يبدو أن الدولة المغربية في هذه القضية نشزت عن تفاعل ظل يعطي أولوية للنص الدستوري الحامي للحريات، بالنظر إلى حجم تسامحها، عقوداً طويلة، مع أشكال نقد الدين، حتى الساخر منها. وهذا التسامح ليس جديداً، بل كان حتى في سنوات توصف بأنها أقل انفتاحاً من عهد محمد السادس، وظل المتطرفون وحدهم المحتجين على أشكال نقد الدين، وظلت الدولة حاجزاً لحفظ هذا الجدل من الترجيح السلطوي. من الضروري النظر إلى أن هذه القضية قد برزت وسط توزيع مذكرات بحث قضائية ضد معارضين راديكاليين للمؤسسات، ومسؤوليها، وفي رأيي هذه الفتاة سقطت ضحية شطط في نشر مذكرات بحث قضائية جاءت في سياق رد الاعتبار إلى المؤسسات المغربية التي نفذ صبرها من الانتقاد".

وأضاف الحسني: "لو افترضنا أن القضية تعكس عقل الدولة، فسنكون أمام الآلاف من قضايا التعبير الجدي، أو الساخر، من الدين، وتالياً أمام صدمة تطهير جماعي، واعتقال موسع، وهذا لا يمكن أن يُتصور وقعه المأساوي في المغرب. لكنني أعتقد أن إثارة هذه القضية المؤسفة سيكون موقتاً، وسيخضع للتصحيح، وبالنظر إلى أن تسريع إخراج الحكم ضد الفتاة (على قسوته)، يرجع إلى رغبة في التصحيح، والفتاة وقعت ضحية تسرب عقليات متفردة ومتطرفة إلى داخل الدولة، وهي محدودة على أي حال، بالنظر إلى الصورة العامة لتفاعل الدولة المغربية مع حرية التعبير من هذا النوع".

جمعيات تدخل على الخط

منظمات حقوقية أعلنت بدورها تضامنها مع قضية الفتاة، لعل أبرزها "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" (فرع مراكش)، التي طالبت بأن يتم "فتح تحقيق نزيه في مصدر النص ومحتواه، مع مراعاة أقصى تأويل حقوقي، ومع ما يترتب عن ذلك من إسقاط التهمة عن الشابة، خاصةً أنها تشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان، ومبنية على تدوينة إبداعية تدخل في خانة النشر والصحافة، تم تكييفها طبقاً لفصول من القانون الجنائي".

وعبَّرت الجمعية عن تخوفها من "أن يشكل تقديم شكاوى في مواجهة حرية الرأي والفكر والوجدان، من طرف أشخاص أو جمعيات، إلى فتح الباب لنظام الحسبة، بالشكل الرقابي والتضييقي على الحقوق والحريات في كونيتها وشموليتها".

يشار إلى أن القانون المغربي يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين "كل من أساء إلى الدين الإسلامي"، بموجب الفصل 267 من القانون الجنائي المغربي. وقد تُرفع العقوبة إلى خمس سنوات إذا ارتكبت "الإساءة" بوسيلة علنية، بما فيها الوسائل الإلكترونية". ويُستخدم هذا القانون أيضاً للمعاقبة على "الإساءة إلى النظام الملكي، والتحريض ضد الوحدة الترابية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard