دي ميستورا في الصحراء الغربية... هل ينجح المبعوث الأممي في حل الصراع؟

الأربعاء 13 أكتوبر 202104:24 م

منذ أن أعلنت الأمم المتحدة في 23 أيار/ مايو 2019، عن أن مبعوثها إلى الصحراء الغربية، الرئيس الألماني الأسبق هورست كوهلر، قد قدّم استقالته من منصبه "لدواعٍ صحية"، ظل هذا المنصب شاغراً، حتى يوم الأربعاء 6 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، حين أُعلِن عن تعيين الدبلوماسي المخضرم الإيطالي ستافان دي ميستورا، مبعوثاً خاصاً إلى الصحراء الغربية للأمين العام للأمم المتحدة.

تعيين دي ميستورا، أتى بعد رفض المغرب، وجبهة البوليساريو، أكثر من 12 مرشحاً لتولي منصب المبعوث الأممي الخاص إلى الصحراء الغربية. وعلى الرغم من أن المغرب رفض تعيين دي ميستورا بدايةً، إلا أنه تراجع عن قراره، وقبل به، تحت ضغوط أمريكية، وفق ما كشفت عنه جهات دبلوماسية. ويُفترض أن يتسلم دي ميستورا مهامه، في بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، على أن يكون مقرّه في العاصمة البلجيكية بروكسل.

البحث عن وسيط مخضرم

شغل دي ميستورا (1947)، العديد من المناصب داخل أروقة الأمم المتحدة، وفي مختلف وكالاتها، فخليفة كوهلر يتمتع بخبرة تزيد عن أربعين عاماً في الدبلوماسية، والشؤون السياسية، وسبق له أن كان عضواً في الحكومة الإيطالية.

كما كُلّف بالعديد من الملفات الحارقة عبر العالم، التي شغلت الرأي العام الدولي، إذ مثَّل الأمين العامَّ للأمم المتحدة كمبعوث خاص في سوريا بين عامي 2014 و2018، وممثلاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في العراق بين 2007 و2009، وفي أفغانستان بين عامي 2010 و2011.

تعيين دي ميستورا في منصب المبعوث الخاص إلى الصحراء الغربية، في جو إقليمي يسوده التوتر في العلاقات بين المغرب وجبهة البوليساريو من جهة، وبين المغرب وجارته الشرقية الجزائر من جهة أخرى، يطرح الكثير من التساؤلات حول دوره المستقبلي، وقدرته على حلحلة الوضع.

بعد تعيين الدبلوماسي المخضرم ستافان دي ميستورا مبعوثا أمميا في الصحراء الغربية. هل ينجح في حل نزاع دام لأكثر من أربعين عاما؟

بالنسبة إلى البشير الدخيل، وهو مهتم بالشؤون الصحراوية، وأحد مؤسسي جبهة البوليساريو قبل أن يقرر الالتحاق بالمغرب، إن تعيين ستافان دي ميستورا، بعد فراغ في منصب المبعوث الأممي إلى الصحراء الغربية، دام مدة تزيد عن سنتين، يضعه أمام مهمة صعبة، بحكم أن فترة الفراغ هذه شهدت تغييرات كبيرة في المعالم الجيوسياسية للمنطقة ككل.

وأكد الدخيل في حديثه على أن "اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء، وتعبير الدولة ذاتها عن مدّها يد المساعدة لإيجاد حل للنزاع المفتعل في الصحراء، بالإضافة إلى توتر العلاقات بين المغرب والجزائر، يجعل من مهمة المبعوث الأممي الجديد صعبة جداً، ومعقدة".

وأضاف: "هناك زوبعة غير مريحة للوساطة في الوضعية الراهنة، بين أطراف النزاع حول الصحراء. أنا لست متشائماً، لكن الوضع الحالي صعب جداً، خصوصاً إذا لاحظنا الوضع الداخلي لمغرب ما بعد الانتخابات، واستمرار الاحتجاجات في الجزائر، وتعقيد الوضعية في مخيمات تندوف".

لا يرى الدخيل، المطّلع على مجريات الأحداث في مخيمات تندوف، وفي العاصمة الجزائر، أن هناك حلاً قريباً لملف النزاع، كما لا يمكن للأطراف، بمواقعهم الحالية، الدخول في مفاوضات تأتي بجديد، لكنه يؤكد أننا "وصلنا إلى المرحلة الحاسمة في طي هذا الملف المعمِّر"، حسب تعبيره.

ورأى الدخيل أن مشكلة الصحراء الغربية، هي مشكلة "قديمة، وغير مرتبطة بالإعلان عن جبهة البوليساريو فحسب، بل هي مرتبطة بمخلفات الحرب الباردة، ووجود الاستعمار (الإسباني/ الفرنسي)، وتقسيم الحدود"، مبرزاً أن " أطراف الأزمة اليوم متعددة ومتشعبة، وفيها ما هو ظاهر، وما هو خفيّ. وبما أن الأطراف لم تكشف عن جميع أوراقها بعد، فإن الحل يظل بعيداً جداً".

وشدد المتحدث على أن "ما يجب أن يحدث مستقبلاً، هو جلوس الأطراف جميعهم على طاولة الحوار، من دون أي خلفيات، وأن يمتلك الجميع روحاً قوية للنقاش الجاد والمسؤول، والالتزام بمخرجات قرارات مجلس الأمن"، مستدركاً: "وهذا الدور بالتحديد، هو الذي أرى أنه من الصعب أن يقوم به دي مستورا، أمام التعقيدات الجيوسياسية التي يفرضها الوضع في المنطقة حالياً".

خلط الأوراق في الصحراء

من جانب آخر، يرى الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، الشرقاوي الروداني، أن "دي مستورا دبلوماسي مخضرم، له خبرة كبيرة على مستوى تدبير الأزمات، خصوصاً في أفغانستان، والصومال، والعراق، وسوريا".

الروداني صرّح قائلاً: "إن السياقات الإقليمية اليوم، تختلف عما كانت عليه في السابق، خصوصاً بعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، وفتح مجموعة من القنصليات في الأراضي الصحراوية، وهذا يظهر اعتراف المجتمع الدولي بمغربية الصحراء".

"أطراف الأزمة اليوم متعددة ومتشعبة، وفيها ما هو ظاهر، وما هو خفيّ. وبما أن الأطراف لم تكشف عن جميع أوراقها بعد، فإن الحل يظل بعيداً جداً". ستافان دي ميستورا أمام امتحان الصحراء الغربية

وشدد الروداني على أن "محددات التداول في قضية الصحراء، على المستوى الدولي، تغيرت بشكل كبير، فأنطونيو غوتيريش في تقريره الأخير، دعم الخطوات جميعها التي اتّخذها المغرب لتنمية المناطق الجنوبية، وأشار بالحرف إلى الميناء الأطلسي في الداخلة، والذي عدّه ذا أبعاد جيو-قارية، وجيو-اقتصادية دولية، كما تكلم غوتيريش عن تنمية الأوضاع الاجتماعية، والبنية التحتية والاقتصادية في الصحراء".

ومن بين السياقات التي يأتي فيها تعيين المبعوث الأممي الجديد، يضيف الروداني: "التطورات التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، وجنوب الصحراء، من تنامي الإرهاب، وانعدام الاستقرار في مجموعة من النقاط الرمادية"، لافتاً الانتباه إلى أنه "لا يمكن الحديث عن حل ملف الصحراء، وخلق قرارات جديدة في الجنوب المغربي، بإغفال التحولات الأمنية التي تعرفها دول غرب إفريقيا، والدول الأطلسية في شمال القارة".

وبالنسبة إلى الروداني، فإن المبعوث الأممي دي ميستورا يقف اليوم "أمام قضية تقتضي الكثير من الوضوح، انطلاقاً من إحصاء سكان مخيمات تندوف، وتحمل الجزائر كامل مسؤوليتها في النزاع، والرجوع إلى القرار الأممي الأخير 25-48، الذي أظهر أن الجزائر طرف يجب أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، والأخلاقية، والإنسانية، مما يفيد بأن الجزائر هي طرف رئيسي في النزاع".

الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية ذاته، شدد على أنه "يجب على دي ميستورا أن يأخذ كل هذه العوامل بعين الاعتبار، من أجل خلق فرص نجاح مشاوراته بين أطراف النزاع جميعهم، من دون استثناء"، مؤكداً على أنه "إذا استطاع فهم جميع الجوانب المحيطة بالملف، سيكون من السهل عليه الوصول إلى حل سياسي جدي، وبراغماتي، يرضي أطراف النزاع جميعهم".

التعيين لا يعني حل الصراع

من جهة أخرى، رأى مبارك سيد أحمد مامين، وهو إعلامي صحراوي، أن "تعيين مبعوث أممي جديد إلى الصحراء الغربية، ليس غاية، بقدر ما هو وسيلة، لأن تعيينه لا يعني حل الصراع".

وأشار مامين المساند لجبهة بوليساريو، إلى أن "تعيين المبعوثين بدعة ظهرت ما بعد 1991، على الرغم من أن طرفي النزاع، جبهة البوليساريو والمغرب، اتفقا على تنظيم الاستفتاء من دون أن يكون هناك مبعوث له هالة، كما الآن"، مردفاً: "أعتقد أن تعيين دي ميستورا جاء متأخراً جداً، بعد مرور سنتين على استقالة المبعوث الألماني هرست كوهلر".

"إذا كان المبعوثون السابقون لم يستطيعوا إيجاد حلول في مناخ يطبعه الهدوء، فلا أعتقد أن المبعوث الحالي سيجد حلاً في ظل المناخ الراهن"

وشدد المتحدث نفسه على أن "هذا التعيين، فرضه الوضع الميداني الجديد في الصحراء الغربية، بعد واقعة 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، وإعلان جبهة البوليساريو العودة إلى حمل السلاح، بعد أكثر من 30 سنة من الانتظار الذي لم يجدِ نفعاً، وعليه أعتقد أن هناك تطورات ميدانية تتجاوز المجهود الذي سيقوم به أي مبعوث أممي سيتم تعيينه في هذا المنصب".

وعن إمكانية حلحلة الوضع من لدن دي ميستورا، يرى مبارك سيد أحمد مامين، أن "مبعوثين أكثر وزناً، وأفضل سمعة من دي ميستورا، شغلوا هذا المنصب، وعلى الرغم من الإمكانات التي أتيحت لهم، ودعم مجلس الأمن لهم، إلا أنهم فشلوا في إيجاد حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، في إطار مخطط التسوية الأصلي الذي اتفق عليه الطرفان سنة 1991، وتالياً لا يمكن لِدِي ميستورا أن يضيف أي جديد إلى الملف، خصوصاً أن تعينه يأتي في ظرف مغاير، وأكثر تعقيداً من المراحل السابقة، وفي ظل عودة الحرب إلى الصحراء الغربية، وهذا باعتراف المغرب نفسه، إذ كشف غوتيريش أن الدولة المغربية أبلغته عن أكثر من ألف نشاط قتالي قام به الجيش الصحراوي في الجدار العازل".

وشدد الإعلامي على أنه "إذا كان المبعوثون السابقون لم يستطيعوا إيجاد حلول في مناخ يطبعه الهدوء، فلا أعتقد أن المبعوث الحالي سيجد حلاً في ظل المناخ الراهن"، مؤكداً على أن "الحل لملف الصحراء الغربية، ستمليه التطورات الميدانية المستقبلية".

وتُعد الصحراء الغربية، محل نزاع منذ عقود، بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهي منطقة تصنفها الأمم المتحدة ضمن "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي".

ومنذ نهايات القرن الماضي، عاشت المنطقة تحت مراقبة دولية، بإشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، إذ تم تعيين العديد من المبعوثين الأمميين إلى الصحراء الغربية، إلا أن النزاع لم يجد طريقاً نحو الانفراج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard