من طالبٍ للحرّية في المغرب إلى مهددٍ بالترحيل إلى الصين... هل تسلّم الحكومة ناشطاً إيغوريّاً إلى بكين؟

الأحد 19 ديسمبر 202103:22 م

"أخشى ألّا أرى زوجي مجدّداً، إذا سلّموه إلى الصين. تستيقظ ابنتي كلّ يوم، وهي تبكي وتقول إنها حلمت بأبيها". تخوّفات مستمرّة منذ اعتقال السلطات المغربية للناشط الإيغوري، يديريسي أيشان، في 19 من تموز/ يوليو الماضي، تحكيها زوجته زينورا لمنظمة العفو الدولية، وتضيف: "ستكون انتكاسةً كبيرةً لنا جميعاً، إذا لم يتمّ الإفراج عنه".

"أنا مرعوب. كلما سمعت خطواتٍ في بهو السجن، ينتابني شعور بأنهم قادمون لترحيلي إلى الصين". يقول الناشط الإيغوري يديريسي أيشان الموقوف في المغرب 

ويكاد يتحول هذا القلق إلى حقيقةٍ مرعبةٍ لعائلة أيشان، بعد موافقة محكمة النقض المغربية، الأربعاء 15 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، على تسليمه إلى الصين، حيث يواجه تهماً بممارسة أنشطةٍ إرهابية، تنفيها منظّمات حقوقية تقول إن بكين تلاحق يديريسي، بسبب نشاطه في الدفاع عن حقوق أقلّية الإيغور المسلمة، في إقليم شينجيانغ.

وأوقفت السلطات المغربية، يديريسي أيشان (33 سنةً)، المعروف أيضاً باسم إدريس حسن، قبل خمسة أشهر، بناءً على نشرةٍ حمراء صادرة عن منظمة الشرطة الجنائية الدولية (إنتربول)، بعد وصوله إلى الدار البيضاء قادماً من تركيا، وأبقت عليه موقوفاً منذ ذلك الوقت، على الرغم من إلغاء الإنتربول النشرة الحمراء المتعلّقة بقضيته، بناءً على معلوماتٍ جديدةٍ تلقّتها أمانتها العامة.

وقال ميلود قنديل، محامي الناشط الإيغوري، لموقع رصيف22: "إن قرار المحكمة لا يزال مجرّد رأيٍ قضائي"، موضحاً أن القرار الأخير والسيادي يعود إلى الحكومة المغربية، وأشار إلى أنه "لم يتسلّم بعد تفاصيل قرار الحكم بحقّ موكّله"، الذي من المتوقّع أن يكون قد صدر بناءً على معاهدة التعاون القضائي، وتسليم المجرمين بين الصين والمغرب.

"لا لترحيل إدريس"

"لا لترحيل إدريس حسن". وسم تصدّر التراند المغربي على موقع تويتر، لليوم الثالث على التوالي، يطالب من خلاله حقوقيون ومحامون وناشطون مغاربة، بالإفراج عن الناشط الإيغوري، بهدف حثّ المغرب على عدم تسليمه إلى السلطات الصينية.

ويلفت عضو هيئة المحامين في الدار البيضاء، محمد النويني، في حديثٍ إلى رصيف22، إلى أن قرار محكمة النقض القاضي بتسليم الناشط الإيغوري إلى دولة الصين، مخالف للقانون المغربي، ومناقض لما ذهب إليه الاجتهاد القضائي في الباب، بحكم أنه ناشط سياسي ينتمي إلى الأقلية الإيغورية المسلمة المضطهَدة من قبل النظام الصيني.

"قرار محكمة النقض القاضي بتسليم الناشط الإيغوري إلى دولة الصين، مخالف للقانون المغربي، ومناقض لما ذهب إليه الاجتهاد القضائي في هذا الباب، بحكم أنه ناشط سياسي ينتمي إلى الأقلية الإيغورية المسلمة المضطهَدة من قبل النظام الصيني"

ويشير المتحدث إلى المادة 720 من قانون المسطرة الجنائية في المغرب، التي تقول إنه "لا يمكن الموافقة على التسليم من أجل جرائم سياسية، أو بناءً على طلبٍ له طابع سياسي"، كما تُطبَّق هذه القاعدة الخاصّة أيضاً، "إذا اعتقدت السلطات المغربية، لأسبابٍ جدّية، أن طلب التسليم المستند إلى جريمةٍ من الجرائم العادية، لم يقدَّم إليها إلا بقصد متابعة شخصٍ، أو معاقبته، من أجل اعتبارات عنصرية، أو دينية، أو تتعلق بالجنسية، أو بآراء سياسية، أو أن وضعيةً قد تتعرّض من جرّاء إحدى هذه الاعتبارات، لخطر التشديد عليه".

وناشد المحامي الباحث في القانون الدولي الإنساني، المنظّمات والهيئات الحقوقية، لـ"تكثيف جهودها في اتجاه التعريف بمظلومية يديريسي، والضغط على الحكومة من أجل حملها على عدم تسليمه إلى السلطات الصينية، على اعتبار أن قرار التسليم قرار سياسي وسيادي، في حين أن قرار محكمة النقض هو رأي قانوني يُستأنَس به في اتّخاذ القرار النهائي من قبل رئيس الحكومة".

"اعتقال تعسّفيّ"

يرى المحامي ورئيس منظمة إفدي الدولية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عبد المجيد مراري، أن حبس الناشط الإيغوري يديريسي أيشان، منذ تموز/ يوليو الماضي، يُعدّ "اعتقالاً تعسّفياً"، خاصّةً بعد شطب شرطة الإنتربول اسمه من النشرة الحمراء، بعد مراسلته من قبل منظمة إفدي الدولية، وإطلاعهم على وضع أيشان الحقوقي.

وتحدث مراري إلى رصيف22، عن معطياتٍ إضافيةٍ من المفترض أن تحمل المغرب على عدم تسليم الناشط الإيغوري، تتمثّل في اتفاقيات مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللا إنسانية، أو المهينة"، والتي تنصّ على أنه "لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أيّ شخصٍ، أو أن تردّه، أو أن تسلّمه إلى دولةٍ أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرّض للتعذيب".


وأشار المتحدث أيضاً، إلى وجود حُكمَين بالبراءة على المتّهم نفسه، في دولة تركيا، يقضيان بعدم تسليمه إلى سلطات الصين، قبل شطب اسم الناشط من النشرة الحمراء، وهو ما قد تستعين به السلطات المغربية في قرارها النهائي، بالإضافة إلى الضغط الأمني والأوروبي على المغرب، والمناشدات الحقوقية الواسعة، "وأهمّ عامل هو تغليب الجانب الإنساني، لأن الإيغور أقلية مضطهَدة، والمغرب يدرك هذا جيداً".

يرى المحامي ورئيس منظمة إفدي الدولية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عبد المجيد مراري، أن حبس الناشط الإيغوري يديريسي أيشان، منذ تموز/ يوليو الماضي، يُعدّ "اعتقالاً تعسّفياً"، خاصّةً بعد شطب شرطة الإنتربول اسمه من النشرة الحمراء

وأبدى مراري، تخوّفه من أيّ مؤشرٍ على صفقةٍ دبلوماسيةٍ بين الجانبين، تتجاوز هذه العوالم كلها، قد يكون أحد شروطها تسليم الناشط الإيغوري، يديريسي أيشان.

ودعت منظمة إفدي الدولية، رئيس الحكومة المغربية، إلى عدم تسليم الناشط الإيغوري، وإطلاق سراحه، "حتى وإن كان المغرب موقِّعاً على اتفاقيةٍ أمنيةٍ مع الصين، بموافقة البرلمان، فهو مطالَب بالالتزام بمقتضيات الفقرة الأولى من المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب".

وأشارت المنظمة، التي يقع مقرّها في بروكسل، إلى أن قرار محكمة النقض يشكّل خطراً على سلامته، ويُعرّض حياته للخطر، خاصةً وأنه من مسلمي الإيغور الذين يتعرّضون للاضطهاد من قبل بكين، محملةً مسؤولية أمن المواطن الصيني، وسلامته، حتى بعد تسليمه، للسلطات المغربية.

تحرّك أممي

ودعا خبراء حقوقيون في الأمم المتحدة، حكومة المغرب، في 16 كانون الأول/ ديسمبر، إلى وقف قرار تسليم الناشط الإيغوري إدريس حسن، إلى الصين التي تنتظره فيها "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال التعسّفي، والاختفاء القسري، أو التعذيب".

جاء ذلك في بيانٍ مشتَركٍ، أصدره خبراء، بينهم المقرّر الخاص المعني بالتعذيب، نيلز ميلتسر، والمقرّرة الخاصة المعنيّة بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، والمقرّر الخاص المعني بشؤون الأقليات، فرناند دي فارنس، والمقرّرة الخاصة المعنيّة بتعزيز حقوق الإنسان في سياق محاربة الإرهاب، فيونولا إي أولاين.

وقال الخبراء: "إن عملية التسليم هذه، تتمّ من دون أيّ شكلٍ من أشكال التدقيق الفردي، وتقييم المخاطر، التي تنتهك بشكلٍ صارخٍ الحظر المطلق للإعادة القسرية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقانون اللاجئين"، مشدّدين على أن وجود اتفاقٍ ثنائيٍّ بشأن التسليم، أو الضمانات الدبلوماسية عند توفّرها، لا يعفي الدول من التزاماتها الدولية، وخاصةً مبدأ عدم الإعادة القسرية.

ولفتوا إلى أنهم يواصلون الحوار مع السلطات المغربية، لضمان الامتثال الكامل للحظر المطلق للإعادة القسرية، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقانون اللاجئين.

الجحيم البائس للأقليات

ويتعرّض الإيغور، والكازاخ، وغيرهم من الأقليّات العرقية ذات الأغلبية المسلمة، في إقليم شينجيانغ ذي الحكم الذاتي، لحملة "تنظِّمها الدولة الصينية من الانتهاكات الممنهَجة التي تشمل السجن الجماعي، والتعذيب، والاضطهاد، وتبلغ حدّ الجرائم ضد الإنسانية"، حسب تقريرٍ أصدرته منظمة العفو الدولية، في حزيران/ يونيو الماضي.

وأورد فريق الاستجابة للأزمات، التابع لمنظمة العفو الدولية، عشرات الإفادات التي أدلى بها معتقلون سابقون، يصفون فيها بالتفصيل التدابير المفرطة التي تتّخذها السلطات الصينية منذ عام 2017، لتحقيق هدفٍ أساسي، "وهو استئصال العادات والتقاليد الدينية والثقافية، واللغات المحلية، للطوائف العرقية المسلمة في الإقليم"، مشيراً إلى أن السلطات الصينية ترتكب هذه الجرائم تحت ستار مكافحة "الإرهاب"، مستهدفةً طوائف الإيغور، والكازاخ، والهوي، والقرغيز، والطاجيك.

وقالت الأمينة العامة لمنظّمة العفو الدولية، أنياس كالامار، إن السلطات الصينية "خلقت جحيماً بائساً على نطاقٍ مذهلٍ في إقليم شينجيانغ؛ فقد باتت الأقليات المسلمة تواجه جرائم ضد الإنسانية، وغير ذلك من الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان التي تهدّد بمحو هوياتها الدينية والثقافية".

ولفتت كالامار، إلى أنه "ينبغي أن يهتزّ ضمير البشرية لأن أعداداً هائلةً من البشر يخضعون لغسل الدماغ، والتعذيب، وغيره من صنوف المعاملة المهينة في معسكرات الاعتقال، بينما يعيش ملايين آخرون في خوفٍ مستمرٍ في ظلّ جهازٍ ضخمٍ للمراقبة".

وتتّهم الولايات المتحدة، ودول غربية أخرى، السلطات الصينية بارتكاب انتهاكاتٍ على نطاقٍ واسعٍ بحق الإيغور، واحتجاز أكثر من مليون مسلمٍ في معسكرات اعتقال تزعم بكين أنها مراكز تدريب مهني لمساعدة السكان على إيجاد عملٍ، والابتعاد عن "التطرّف الديني".

"أنا مرعوب. كلما سمعت خطواتٍ في بهو السجن، ينتابني شعور بأنهم قادمون لترحيلي إلى الصين". هذا كلام يديريسي أيشان لصديقه عبر الهاتف من داخل السجن. فهل تقوده الخطوات القادمة التي تُخرِجه من الزنزانة، إلى "جحيم التعذيب"، أو إلى الحرية؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard