الجن النكّاح والجنية العاشقة... خرافات الشارع والسينما المصرية

الثلاثاء 19 أكتوبر 202101:46 م

تنتشر في ريف مصر الكثير من الخرافات المتعلقة بالجن والأعمال السحرية؛ ويُنسب إليها تأخر سن الزواج، والمشكلات الزوجية، والعجز الجنسي، وعدم الإنجاب، والفشل، وحدوث الحرائق، بل يصل الأمر إلى التسبّب بالنزلات البردية.

ووفقاً لمركز البحوث الاجتماعية والجنائية، فإن نحو ثلاثمئة ألف شخص في مصر، يزعمون القدرة على تحضير الأرواح، وإخراج الجن من جسد الإنسان، وعلاج المرضى بآيات من القرآن، أو الإنجيل، مشيراً إلى أن المصريين، أنفقوا قرابة عشرة مليارات جنيه، على الدجالين والمشعوذين، مؤكداً وجود مافيا للسحر والشعوذة في مصر، تصل أرباحها إلى ثلاثة مليارات جنيه سنوياً.

وللسحر جذور راسخة في مصر؛ حيث ارتبط لدى قدماء المصريين بالدين، وشاع لديهم السحر الدفاعي، لطرد الأرواح الشريرة، بينما اقتصر السحر الأسود على الكهنة، لإنزال العقاب، واستخدموا السحر الأبيض لحل المشكلات الزوجية، وفقاً لكتاب "جنون اسمه الفراعنة"، لعالم الآثار المصرية، الدكتور زاهي حواس.

كثيراً ما سُلِّطت الأضواء على ظاهرة السحر في مصر، من خلال الإعلام، والسينما، والدراما.

ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون

"أفهم من كده إنك بتجهل المجتمع، وتتهمه بالجهل؟! لا بالضعف... الضعف ما بيفرّقش بين جاهل ومتعلم. هم اللي بيخلقوا الدجال، ويصنعوه بإرادتهم، زي ما صنعوا من الحجر تمثال، وعبدوه".

اقتباس شهير للفنان الراحل أحمد زكي من فيلم "البيضة والحجر"، الذي يُعدّ أيقونةً سينمائية جاءت لتطرح أزمة الدجل، والشعوذة، بصورة كاملة متكاملة، من دون التحيز إلى الدجل، أو إلى ضحاياه.

طرح الفيلم سيكولوجية الدجال، من خلال معلم فلسفة اسمه مستطاع (احمد زكي)، كان يحارب الغلاء بالاستغناء، كما ردّد أول الفيلم كثيراً. وكلما ضاقت به سبل العيش، بسبب ارتفاع المعيشة التي شهدتها القاهرة عام 1990، صرخ من قلبه محذّراً المجتمع من جهل مثقفيه، حين يرى تراجع الفكر والعلم في المجتمع، واقترابه من حافة الهاوية، بجملة: "ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون، وتبهيظ المثقفون".

أما فيلم "عتبة الستات"، الذي أُنتج عام 1995، فطرح كيفية تفوق الدجل على العلم، وصاحبته، حتى إن كانت لا تؤمن إلا به، من خلال قصة طبيبة نساء وولادة تُدعى سهير فاضل (نبيلة عبيد)، علم زوجها عقيد الشرطة حازم (فاروق الفيشاوي)، من التحاليل الطبية أنه عقيم، وقرر إخفاء تلك الحقيقة عن زوجته، وقدّم لها تحليلاً مزوراً يدل على سلامته. عانت الطبيبة من إحباط شديد، لعدم قدرتها على الإنجاب، واستطاعت بعدها خادمتها إقناعها باللجوء إلى الدجالة هناجا (صفية العمري)، التي استطاعت استدراجها من خلال اللعب على احتياجها، وخوفها، لتغسل دماغها تماماً، حتى أصبحت الطبيبة تتردد عليها، وتدفع لها مبالغ كبيرة في كل زيارة، وتخضع لحفلات "الزار" الجاهلة المرعبة برغبتها، والتي كانت تخدرها فيها هناجا الدجالة، وتنقل إلى رحمها "النطفة"، من خلال صوفة تحتفظ فيها بسائل منوي من ثلاثة رجال أشداء يعملون معها، فتحبل سهير بطفل مجهول الأب.

تقول الناقدة الفنية ميرا سليمان، لرصيف22، إنه كثيراً ما سُلِّطت الأضواء على هذه الظاهرة، من خلال الإعلام، والسينما، والدراما، وكثيراً ما تعمّد الصنّاع طرحها، من خلال توظيف أفكار قاسية يصعب تقبلها نفسياً واجتماعياً، لتضرب بها عرض الحائط، وتسبب ارتباكاً ينتج عنه وعي واضح ببشاعتها، وخطورتها، لإدراك أبعادها، ثم ضربت مثالاً عن طرح قاسٍ للصوفة جاء به مسلسل "السبع وصايا"، إذ تلجأ امرأة تُدعى إم إم (هنا شيحة)، إلى دجالة، من أجل الإنجاب، وكانت الدجالة تستخدم خدعة الصوفة، لحل مشكلات الإنجاب. وحسب ترتيبات أحداث السيناريو، كانت ستنقل إلى إم إم النطفة من شقيقها الذي يعمل مع هذه الدجالة، من دون أن يدري بقصة أخته.

للسحر جذور راسخة في مصر؛ حيث ارتبط لدى قدماء المصريين بالدين، وشاع لديهم السحر الدفاعي، لطرد الأرواح الشريرة، بينما اقتصر السحر الأسود على الكهنة، لإنزال العقاب، واستخدموا السحر الأبيض لحل المشكلات الزوجية

"البيضة والحجر"

يقول مدرّس الفلسفة في فيلم "البيضة والحجر"، في حصةٍ، لتلاميذه: "إذا فسدت البيئة، فلا بد للإنسان من أن يحتمي بعقله، لينجو من الفساد. لكن، كم تبلغ سعة العقل وطاقته، لتظل تحتمل محاولات الإنسان للنجاة من فساد بيئته؟ هل العقل كالمبادئ يجب أن يختبر أشد الاختبارات، أم أن هذا ليس دوره من الأساس؟".

عادةً ما تكون سمات التخلف رمزاً مهماً يفتح آفاقاً واسعة للتأمل في مقومات المجتمعات البشرية كلها، وما يمكن أن يولد منها، ولكن هل التخلف ضد التحضر، وضد الإنسان بشكل قطعي؟ هل هذه فكرة حقيقة، أم فكرة يمكن أن تخضع لأرقام، ونسب، وحدود معينة، ليصبح التخلف والخرافة، وما هو ضد الحضارة والعقل كله، محفزاً ليظل العقل باتّزانه؟

إن تأملنا فيلم "الطوق والأسورة"، الذي يُعدّ أيقونةً سينمائية بنظرة ثاقبة طرحت فكرة العجز الفكري، وعجز تقبل الحياة، بأكثر من صورة، ولو جئنا بالصورة المحورية للفيلم: حكاية الابنة فهيمة التي تزوجت من حداد عاقر يُدعى الجبالي، وبعد اجتهادات عديدة من الأم الحزينة، تذهب بابنتها إلى معبد الكرنك، ليباركها الشيخ هارون، حيث يختلط الإيمان بالفساد، ثم يأتي الحل على يد حارس المعبد الذي واقعها، وقام بإخصابها، لتموت بعدها فهيمة بحمّى النّفاس، بعد أن وضعت طفلتها "فرحانة"، بسبب العلاج الخطأ، وتخلي زوجها عنها، لعلمه بعجزه.

الأعمال القائمة على الرعب والغموض والتشويق، أصبحت موضة جماهيرية في الوقت الراهن، لكونها تحقق مشاهدات وإيرادات عالية.

إن تخلينا عن فلسفة الخير والشر، والصح والخطأ، وتغيرت نهاية قصة فهيمة، أي أنها لم تمت، ولم يتخلَّ عنها زوجها، هل ستكون وقتها الخرافة والدجل بهذا الشر كله، والرفض، أم يمكن أن تقبل النقاش والجدل؟

لو عدنا إلى تأمل صور أخرى من حياتنا اليومية، وتأملنا بحيادية خرافاتها الملتصقة بيومنا ومعيشتنا، سنجد فيها شيئاً من اللطف بالعقل، وكيف هي تلملمه لتحميه من بعثرته أمام العاصفة. فمثلاً، في القرى النائية في شتى البلدان العربية، وإلى يومنا هذا، المرأة كائن محّرم بتفاصيله كلها على الرجل، وتظل حلماً بعيداً مستحيلاً، فكيف يمكن أن يؤدي مهامه ليلة الزفاف، بشكل سلس وطبيعي؟ لا بد من خرافة تلملم الشتات، والنقيصة، والخطيئة، وتساهم في تلك الأزمة، وتساعده على تجاوزها، وإعادة تقبله اجتماعياً، من دون تعكير صفاء ماء وجهه، "فعمل سفلي من زوجة أبيه هو الحل بالتأكيد"، سواء بوعي منه لأبعاد ما يدّعيه، أو بجهل وثقة تامة بحقيقة الأمر.

سكة السفر التي أمامنا دائماً في الفنجان، هي أمل لألف طريق، إذ تضع الخرافة هنا لطفها. البكاء في الحلم سعادة، وزوال همّ، وفي الواقع ننتظر زوال ألف هم وهم، فتربط الخرافة هنا على القلوب. فضلات الحَمَام ثياب جديدة، والحذاء المقلوب نحس يمكن تجنّبه برفع الحذاء، وحظك اليوم الذي يتحكم بمزاج البعض، ليس قلة عقل، بل من فرط ما أُنهك العقل، وتنبؤات الأبراج كل عام برغبة بأي أمل يأتي لنسيان عام مؤلم قبيح، حتى التربح والنجاح اليوم ارتبط بشكل غير مباشر بالخرافات، فكتب القصص القائمة على طرح فكرة الأعمال، والخرافات، والسحر، تتصدر أرقام المبيعات سنوياً.

أساطير مرعبة من الأدب الشعبي

خلال السنوات العشر الأخيرة، كثرت تيمات السحر والجن في الدراما المصرية، وكان "أبواب الخوف" للنجم عمرو واكد، الذي عُرض في عام 2011، سبّاقاً في هذا المجال؛ إذ يُعدّ أول مسلسل رعب في تاريخ الدراما العربية.

ويتناول المسلسل أساطير مُرعبة من الأدب الشعبي، مثل الندَّاهة، ولعنة الثعابين، والجاثوم، ونبّاش القبور، والأرض المسكونة، والجن، والمس الشيطاني، عبر أحلام بطل العمل، ورؤاه، الصحافي آدم ياسين، المولع بالعوالم الأخرى.

وكان السحر محوراً لمسلسلات "كفر دلهاب" ليوسف الشريف ومحمد رياض وروجينا، و"ساحرة الجنوب" لحورية فرغلي وياسر جلال، و"المداح" لحمادة هلال، بينما تناول مسلسل "الكبريت الأحمر" قضية الدجل والشعوذة وخداع الناس، أما "الشارع اللي ورانا"، للنجمة درة والراحل فاروق الفيشاوي، فاتخذ من العالم الآخر، وأرواح الموتى، محوراً له، وكانت البيوت المسكونة، وأشباح الموتى، محوراً لمسلسل "شقة 6"، من بطولة روبي وأحمد حاتم.

وأثار اهتمام المشاهدين أيضاً عرض مسلسل الرعب "ما وراء الطبيعة"، للمخرج عمرو سلامة، من بطولة أحمد أمين ورزان جمال، والذي أنتجته نيتفليكس، والمأخوذ عن سلسلة روايات شهيرة للراحل أحمد خالد توفيق، وتدور أحداثه في حقبة الستينيات من القرن الماضي، إذ يعيش الدكتور رفعت إسماعيل، في عالم مليء بالأحداث الخارقة للطبيعة، كالجاثوم، والندّاهة، والأشباح، والتاروت، والنحس، ولعنة الفراعنة.

كما اقتبس صُناع مسلسل "زودياك"، من رواية "حظك اليوم" لأحمد خالد توفيق، وُتعد التيمة الأساسية له السحرة، واللعنة، والمومياء، والقرابين، والفراعنة.

إن تخلينا عن فلسفة الخير والشر، والصح والخطأ، وتغيرت نهاية قصة فهيمة، أي أنها لم تمت، ولم يتخلَّ عنها زوجها، هل ستكون وقتها الخرافة والدجل بهذا الشر كله، والرفض، أم يمكن أن تقبل النقاش والجدل؟

الجن النكّاح وقميص المأمون

حصد الفيلم المقتبس عن رواية "الفيل الأزرق"، بجزأيه جماهيرية واسعة؛ وجمع مؤلفه الروائي والسيناريست أحمد مراد، بين خرافات شعبية قديمة، كالجن النكّاح، وقميص المأمون، وعالم الغجر وساحراته، وبين جرائم غامضة حديثة، وجعل من السحر والمس الشيطاني محوراً رئيسياً، إلى جانب وجهة نظر الطب النفسي، ومخدر الـ"دي. إم. تي"، وتأثيراته العجيبة على العقل البشري.

بينما تناول "الدسّاس" قصص المنازل المسكونة، والعفاريت، في إطار كوميديا الرعب، وتمحور "عزازيل" حول صراع الإنسان مع الشيطان، واستلهم فيلم "وردة" أحداثاً حقيقية وقعت في قرية مصرية، واستفاد مخرجه من تقنيات الأفلام الوثائقية، وكان محور أحداثه فتاة استحوذت على جسدها شقيقتها المتوفاة، ثم دفعتها لارتكاب جرائم مروّعة بحق أسرتها.

أما فيلم "الحارث"، وهو من بطولة أحمد الفيشاوي، وياسمين رئيس، وباسم سمرة، وعمرو عبد الجليل، فيدور حول ليلة ميلاد الشيطان، أو "ليلة الحارث"، التي يختار فيها إحدى النساء اللواتي وُلدن في اليوم نفسه، لينجب منها ذرية.

وكان للسحر الأسود حضور طاغٍ في فيلم الرعب "قبل الأربعين"، من بطولة بسمة، وإيهاب فهمي، وهالة فاخر؛ وتدور الأحداث حول مراهق يعاني من صدمة قوية بعد الموت الجماعي لأسرته، عقب تسميم والدته الساحرة لوالده، وشقيقته، ثم انتحارها شنقاً، وفي يدها كتاب سحري، ثم تتكرر حالات القتل والاختفاء في العائلة، ويتضح امتلاك فريد لقدرات شيطانية تزداد قوتها باستكماله لمسيرة أمه مع السحر.

موضة الرعب في السينما والمسلسلات

من جهتها، تعتقد الناقدة الفنية، علياء طلعت، أن الأعمال القائمة على الرعب والغموض والتشويق، أصبحت موضة جماهيرية في الوقت الراهن، لكونها تحقق مشاهدات وإيرادات عالية، وهي اتجاه يختلف عن السائد خلال العقد الماضي، الذي طغت خلاله الأعمال الكوميدية والأكشن، نظراً إلى وجود قدرة إنتاجية أعلى، وتشوق الجمهور لأعمال مختلفة، ونرى تنوعاً واضحاً في هذا الموسم السينمائي، مثل "ماكو"، و"موسى"، و"شقة 6"، الذي أقبل الناس على مشاهدته على الرغم من وقوع مشكلات تخصه.

وتوضح علياء طلعت، لرصيف22، أن هناك خلافاً حول كون تناول الدراما والسينما المصرية لأمور السحر، والجن، يعزز من معتقدات الدجل والشعوذة، أم لا؟ وهل تناول أي ظاهرة سلبية في المجتمع يكرّسها، أم ينقدها؟ وهل يجب على الأعمال الفنية تجنّب سلبيات المجتمع لعدم تكريسها؟ مشيرةً إلى أن هناك رأياً يرى أن التأثير على المجتمع يتوقف على طريقة التناول والطرح؛ فلو تم تقديم السحر والشعوذة على أنهما أمر عادي، فسيتقبلهما الناس، وبذلك يعززهما. أما إذا تناول العمل الفني ذلك من باب النقد، فإنه أمر مقبول، ولكن تبقى تلك مسألة خلافية بين النقاد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard