"جلب الحبيب ع النصيب"... إعلانات في مصر تستهدف الراغبات بالزواج

الأحد 14 فبراير 202112:02 م
"أنا معمول لي عمل"... هي من الأفكار الأولى التي تطرأ على ذهن بعض الفتيات المصريات اللواتي يتأخرن بخطوة الزواج، وهو أمر تزداد نسبته عاماً بعد آخر في مصر، لأسباب على رأسها الأعباء الاقتصادية المرافقة لتأسيس عائلة.

ولطرد مفعول هذا "العمل"، تنتشر إعلانات في التلفاز وعلى مواقع التواصل، لفكّ السحر عن الفتيات المتأخرات بالزواج. عناوين جذابة لجمهور يتطلع لحل مشكلاته بطرق بدائية، منها "جلب الحبيب"، "سلب الإرادة"، "فتح قسمة الزواج" أو "فكّ السحر"، وتقع بعض الفتيات في فخّها. وقد ذكر موقع الوطن المصري منذ حوالي عام، نقلاً عن رئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، سعاد عبد الرحيم، أنه "يجري إنفاق ما يتراوح ما بين 10 و25 مليار جنيه سنوياً في مصر، لفك الأعمال والسحر".

في هذا التقرير، يرصد رصيف22 حكايات مصريات قررن اللجوء للسحر والشعوذة لزيادة فرصهن في الزواج.


أكذوبة سحر المقبرة

تقول دعاء محمود، ولها اليوم من العمر أربعون عاماً، إنها لجأت لطريق الدجالين والسحر والشعوذة منذ حوالي عشر سنوات، وذلك تحت ضغط عائلتها: "كانت أمي تقول لي إنه من الممكن أن يكون هناك شخص عمل سحراً أو عملاً يمنع عني الزواج".

بين الحين والآخر تقع فتيات مصريات ضحية إعلانات نصب واحتيال توهمهن بالقدرة على فك السحر والعمل الذي يتسبب بتأخرهن بالزواج.

قصدت دعاء شخصاً في طنطا، له صيت واسع الانتشار بكشف الأعمال والسحر ومساعدة الفتيات الراغبات بالزواج. وتصف لنا ما شاهدته هناك: "قام بعمل حركات غريبة عن طريق بيضة، وأوهمني بوجود امرأة من عائلة أبي نفذت سحراً مدفوناً في مقبرة مهجورة بمكان بعيد"، وتستكمل بالقول: "للأسف صدقته، وكانت حالتي النفسية سيئة حينها".

استمرت دعاء بالتردد لهذا الرجل لمدة عامين "دون جدوى"، على حد تعبيرها، وبعد ذلك قررت التوقف، مقتنعة بأن "الزواج من عدمه هو رزق الله"، واتجهت نحو طريق الانتظام بالصلاة والتقرب من الله، بعد أن استهلكت نفسها في طريق خاطئ كما تصفه، وصرفت مئات الجنيهات على رجل نصاب استغلها.

"أنصح أي فتاة بالابتعاد عن وهم الزواج من خلال إعلانات جلب الحبيب، والاهتمام فقط بنفسها وبناء شخصيتها وعملها، وأن تجعل موضوع الزواج آخر همها"، تقول الفتاة وهي اليوم غير متزوجة، وتمضي وقتها بين العمل والرياضة والخروج مع زميلاتها.


طريق الزواج مقابل 33 دولاراً

رغم أن أميرة جمال لم تبلغ من العمر الثلاثين بعد، تعتبر أسرتها بأنها اصطفت ضمن طوابير النساء المتأخرات بالزواج، وهو أمر شائع إلى حد ما في المجتمع المصري وفقاً لعاداته وتقاليده. أميرة حاصلة على مؤهل علمي عالٍ وتعمل بمجال السياحة، وحتى اليوم لم تلتق برجل يمكن أن تكمل معه أي مشروع زواج محتمل.

"اعتقدت لفترة بأنني يمكن أن أكون مسحورة، أو أن أحداً عقد عملاً لي كيلا أتزوج، وهو تفكير منتشر بعض الشيء هنا"، تقول أميرة، مضيفة بأنها ذهبت لسيدة يشاع عنها بأنها تتقن أمور الشعوذة والسحر وخلافها، وقد طلبت منها جلب عدة أعشاب بأسماء غريبة لم تسمع عنها من قبل، وأن تضيفها على مياه، ثم تسكب هذه المياه على جسمها.

ونظراً لأنها لم تعرف من أين تحصل على هذه الأعشاب، طلبت أميرة من السيدة شراءها، ودفعت 500 جنيه (أي ما يعادل 33 دولاراً) لكن دون جدوى كما تقول: "في نهاية الأمر قررت الابتعاد عن هذا الطريق. للأسف يوجد الكثير من المدعين الذين ينصبون على الفتيات، مستغلين حاجاتهن العاطفية وتوقهن لتكوين أسرة والاستقرار في منزل مع زوج وأولاد".


نصب أونلاين

تقول ريهام محمد، وهي فتاة تبلع من العمر 35 عاماً، إنها لجأت لطريق السحر بهدف الزواج، ولكن "أونلاين"، من خلال الإعلانات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدعي قدرتها على مساعدة الفتيات على الزواج. "أنا غير متزوجة ولم يسبق لي أن خطبت، وما جعلني أفكر بهذه الطرق هي حكايات سمعتها من صديقاتي، وكن على اعتقاد بأنها ناجعة بكل تأكيد".

في نهاية المطاف شعرت ريهام بأن كل هذه ما هي إلا خرافات ومحاولات نصب، إذ يُطلب من الفتيات دفع عدة مئات من الجنيهات، نصفها يجب أن يصل لصاحب الحساب قبل استكمال "العلاج"، فلم تنفذ أياً من التعليمات بل حظرت الحساب نهائياً

تواصلت ريهام بدافع الفضول مع حساب على فيسبوك يدعى "محبة يس"، وطلب منها صورة أو مقطع فيديو لعينيها حتى يستطيع مساعدتها، وهو ما فعلته حقاً، وتستكمل: "فاجأني صاحب الحساب بأن قال لي: 'عندك سحر وقف حال ومعاك عشق، وفي واحدة شعرها أشقر وسمينة متسلطة عليك'". وطلب منها أن تشتري قفلاً وتسخنه على النار وهو مقفول، ثم يفتحه أحد أقربائها في يوم جمعة فوق رأسها.

في نهاية المطاف شعرت ريهام بأن كل هذه ما هي إلا خرافات ومحاولات نصب، إذ يُطلب من الفتيات دفع عدة مئات من الجنيهات، نصفها يجب أن يصل لصاحب الحساب قبل استكمال "العلاج"، فلم تنفذ أياً من التعليمات بل حظرت الحساب نهائياً، وتتابع بالقول: "هناك الكثير من محترفي النصب على مواقع التواصل، وللأسف تلجأ لهم فتيات ظناً منهن أن الأمر سينجح وسيجلب لهن الزوج المناسب. الموضوع لا يعدو كونه تجارة".


الرقابة ضرورية

يقول الدكتور عبد الوارث عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر في مصر، إن السحر حقيقة واقعة في كتاب الله وسنة رسوله، وله تأثير كما بينه القرآن الكريم، وهو بأمر الله ولا يخرج عن إرادته.

ويضيف في حديثه لرصيف22: "المشكلة الآن ليست في وجود السحر والمسحورين، وإنما في أن كثيرين بدأوا يدعون بأنهم سحرة ويفهمون في هذه الأمور، وهم في الأساس نصابون يستغلون حاجة الناس، فيستهدفون المطلقين الراغبين بالعودة لبناء أسرتهم من جديد، والفتيات غير المتزوجات الراغبات بإيجاد شريك الحياة، كما أن أشخاصاً كثيرين باتوا يهربون من مشاكل الحياة بعبارة 'أنا معمولي عمل'".

ويشير عثمان إلى أن الله حذر في القرآن من السحر، ويتابع: "من يدعي أنه ساحر هو إنسان جاهل، وما يبحث عنه الناس لا يجب أن يكون لدى هؤلاء الذين لا يهدفون سوى للنصب، وإنما بالتوجه لله مباشرة".

اللجوء لإعلانات جلب الحبيب والزواج ما هو إلا نتيجة الأفكار المسمومة التي رسخها المجتمع المصري في ذهن الفتاة، فهي إن وصلت لسن الثلاثين دون زواج تصبح في عداد المتأخرات، وعليها أن تقبل بأي شخص حتى لو كان غير مناسب

ويرى المتحدث بأن الأسباب الكامنة وراء انتشار إعلانات "جلب الحبيب أو الزوج"، هي في المقام الأول استغلال رغبة الفتيات بالزواج وزيادة نسبة تأخر بعضهن بذلك، نظراً لصعوبات الزواج اليوم، وأبرزها ارتفاع تكاليفه وضيق الحالة الاقتصادية، وأيضاً رفض التعدد الذي يجعل الفتاة تبحث عن رجل غير متزوج.

وضمن هذا السياق، ترى الناشطة النسوية، هادية عبد الفتاح، بأن اللجوء لإعلانات جلب الحبيب والزواج ما هو إلا نتيجة الأفكار المسمومة التي رسخها المجتمع المصري في ذهن الفتاة، فهي إن وصلت لسن الثلاثين دون زواج تصبح في عداد المتأخرات، وعليها أن تقبل بأي شخص حتى لو كان غير مناسب، ويزداد الأمر وطأة في المناطق الريفية، حيث يشيع زواج الفتيات قبل بلوغهن سن العشرين.

وتضيف الناشطة في حديثها لرصيف22 بأن الكارثة الكبرى حالياً تتمثل بعدم وجود رقابة على المواقع الإلكترونية والصفحات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي: "تقع الفتيات فريسة هذه الصفحات التي تنتشر عليها إعلانات الزواج، وقد وصلت هذه الإعلانات حتى إلى التلفاز دون وجود أي رقيب، الأمر الذي يفترض أن تتولاه الجهات الرسمية ذات الصلة".

يفترض أن تتولى الجهات الرسمية الرقابة على إعلانات النصب والاحتيال، سواء عبر مواقع التواصل أو التلفاز.

ويقول المحامي أيمن محفوظ، بأن القانون المصري خصص لممارسي هذه الأفعال شرطة مكافحة الآداب للقبض عليهم، إذ إن معظم الدجالين يربطون ما يقومون به لفك السحر والأعمال عن النساء بممارسة الجنس معهن. ويضيف في حديثه لرصيف22: "العقاب وفقاً لقانون العقوبات المصري هو الحبس لمدة ثلاث سنوات، وإذا تطورت القضية تصل للحبس حتى 7 سنوات".

وبمطالعة الأخبار التي تنشر بين الآونة والأخرى على مواقع محلية، نلاحظ العديد من حالات إلقاء القبض على أشخاص يدعون وجود قدرات لديهم لإبطال مفعول أعمال سحر تكتب للنساء، وذلك لقاء مبالغ مالية ضخمة، ضمن محافظات مصرية مختلفة.

وعن انتشار الصفحات التي تروج للأمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم وجود رقابة عليها، يقول محفوظ: "عدد هذه الصفحات كثير جداً، وكل يوم تظهر صفحات جديدة، ويعمل فريق رصد تابع لوزارة الداخلية المصرية على ضبطها وإغلاقها بشكل دوري".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard