"أخوض حروباً مع الجن الكافر"... العالم السحري للمشعوذين و"الملبوسين"

الخميس 1 أبريل 202106:57 م

هم أشخاص عاديون، ولكن يشير إليهم الناس كما لو أنهم "مكشوف عنهم الحجاب"، أي يستطيعون أن يشعروا بأشياء لا نشعر بها، حتى أصبح منهم المعالج الروحاني بالقرآن، والعراف، ومن يقرأ الكف أو الفنجان.

نحاول في هذا المقال الاقتراب من تلك الشخصيات، وفهم سيكولوجيتها، ودورها في منظومة اجتماعية يغذيها القهر، والخوف، والجهل في أحايين كثيرة.

للعالم الآخر سلطة تسمى "الكاتو"، تمنع بل تحرم التواصل مع البشر.

ربما من أشهر الروايات الفلسطينية التي جسدت خيالياً هذا الجانب، رواية المقدسي فوزي عبده "زوجتي من الجن"، وافترض في روايته أن للعالم الآخر سلطة تسمى "الكاتو"، تمنع بل تحرم التواصل مع البشر لأي سبب كان، وإلا يتعرض الجن للسجن في مكان يدعى "قبة النور"، حيث لا حياة ولا موت.

تتحدث شخصيات هذا المقال عن التواصل مع العالم الآخر في تفاصيل تشبه إلى حد ما روايات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، ولكن أصحابها، والمجتمع المحيط بها يتعاملون معها باعتبارها حقائق لا تقبل الشك، ويضعون تصنيفات أخلاقية تخص اختصاصات كل روحاني، فيقبلون ويباركون المعالج بالقرآن مثلاً، ويلعنون الذي يتعامل بالسحر الأسود مع كائنات خرافية تتربص بالبشر، وتريد بهم الشر.

من اللافت تشبع الروحانيين الذين تحدثنا معهم بالتعاليم الدينية الإسلامية المحافظة، وتصنيف عالم الجان تصنيفات مشابهة لتصنيفهم للبشر على أساس ديني أكثر منه أخلاقياً، وبالتالي هناك طقوس وآليات تخص كل شخص منهم بحسب عقيدته.

يقول أحد المشعوذين (70 عاماً) من الضفة الغربية: "الجن المسلم لا يتم تحضيره، بينما الكافر يتم تحضيره بطقوس معينة لا يمكننا البوح بها".

"بدأ الفنجان يتحرك"

كان أبو إسماعيل (44 عاماً) شاباً عادياً في بواكير حياته، ولكنه أولع بحضور الدروس الدينية، ينتظرها بشغف، وينصت لها بخضوع.

أبو إسماعيل لا تظهر عليه علامات تدين، مثل اللحية، كمعظم الروحانيين وهو موظف في غزة، يؤدي دوره كمعالج قرآن في مجتمعه، ويعتقد أنه تعرض للسحر في صغره، واكتشف ذلك عندما أصبح "معالجاً".

مخلوقات أسطورية يقابلها أبو إسماعيل، يصنفها على أساس ديني، المسلم الخير والكافر الشرير، تأتي له بأشكال غريبة، تدعو إلى الرهبة، وكلما حارب "أهل الكفر"، يرسل الجن المسلم له مدداً وعوناً

يحكي أبو إسماعيل: "قبل عشر سنوات، سمعت صوت الأذان يُتلى في أذني بشكل مفاجئ، وكان مصحوباً بصوت يطلب مني القيام للصلاة وقراءة القرآن، وتكرر الأمر على مدار شهرين، وأنا لا أدري ماذا أفعل، وفي يوم من الأيام أصبحت أراهم (مخلوقات من الجن) بل وأتحدث إليهم، وأصبحوا يعلمونني كيف أساعد الناس، وكيف أعالجهم من الإصابات الروحانية (مس أو سحر أو عين أو تسليط)".

ويكمل: "بفضل الله أصبحت خبيراً في العلاج بالقرآن، فهم من يخبروني بكيفية فك السحر عبر تلاوة آيات معينة من القرآن إذ يمتلكون قدرات خارقة نجهلها نحن لأنهم خلقوا قبلنا وبالتالي لهم أسرار كبيرة في القرآن يعالجون بها".

تلك المخلوقات التي يقابلها أبو إسماعيل، تأتي له بأشكال غريبة، تدعو إلى الرهبة، وكلما حارب "أهل الكفر" منهم، يرسل الجن المسلم له مدداً وعوناً، ويرى القرآن سرهم الكبير والمعجز.

يقول أبو إسماعيل: "أحياناً يأتوني على هيئة مشايخ أحبهم، وذات يوم سألوني إذا كان في الإمكان أن أستقبلهم كما خلقهم الله، فقلت نعم، ولم أخف رغم أن أشكالهم غريبة إلى حد كبير، وتدعو للرهبة، ولكنني لم أخف، فلدي قلب قوي وإيمان أقوى".

" قابلتهم في مكان خال مهجور، رائحته قذرة، وأديت طقوساً مخيفة لا أستطيع شرحها، وبعدها أصبحت أقرأ الفنجان، والكف بعد إطلاق أنواع معينة من البخور، وقد تعلمت منهم الكثير عن عالم الجن والسحر"

يحظى المعالج الروحاني بقبول اجتماعي كبير، فيأتي كثير من الناس لأبو إسماعيل، يتلو عليهم القرآن، ليخلصهم من اضطرابات ذهنية، يرون أنفسهم واقعين فريسة للجان الأشرار "عالم الكفر".

أما بالنسبة للساحر برطوش (50 عاماً) كما يطلق على نفسه، من بدو سيناء المصرية، فلا يكتفي بالتلاوة، ولكن يحضر بخوراً معيناً، ويؤدي طقوساً معينة، ويقرأ طلاسم ملغزة، أو ينطق بأسماء معينة، ويسمي ذلك "رياضة"، هكذا يستحضر برطوش الكائنات الأسطورية الشريرة، أو الجن الكافر.

يحكي عن تلك الأجواء لرصيف22، قائلاً: "أحضر فنجاناً، وأضعه على الطاولة، أكتب عليه حروفاً باللغة العربية، وحين أضع يدي على الفنجان، يبدأ الفنجان بالتحرك نحو الحروف التي على الطاولة، وهنا يحضر الشيطان، فإذا قلت له من أنت؟ يكتب "أنا الشيطان"، ووقتها يبدأ التواصل والحوار والمطالب بيننا".

"قابلتهم في مكان مهجور"

العراف أبو الفتوح (50 عاماً)، يقول عن نفسه أنه مختص بقراءة الكف والنفجان، ويستعين بتلك الكائنات الأسطورية لتعينه على ذلك، يقول ساخراً: "أستعين بهم في قراءة الفنجان والكف ولا يعرف الزبائن أن نسبة الخطأ لديهم تصل 60%".

طقوس لقاءات أبو الفتوح مع تلك الكائنات لا تخلو من إثارة ورعب هي الأخرى، وكأنه يعيش في صفحات رواية "زوجتي من الجن"، يقول: "قبل سنوات استطعت تحضير الجن في مكان خال مهجور، رائحته قذرة في طقوس مخيفة لا أستطيع شرحها، وحين حضر كبيرهم (الجن) طلب مني قراءة القرآن في بيت الخلاء، وهو ما قمت به كي يلبي ما أطلب منه، وبعدها أصبحت أقرأ الفنجان، والكف بعد إطلاق أنواع معينة من البخور، وقد تعلمت منهم الكثير عن عالم الجن والسحر".

يرى أبو الفتوح نفسه بارعاً في "معلومات العقل الباطن"، يمتلك مهارة معرفة الشخص من خلال لغة الجسد، ويعرف ما يدور في عقل الزبائن، من مخاوف وأحلام، وأحياناً تأتي إحدى تلك الكائنات الأسطورية لتهمس له في أذنه عما يفكر به الآخر.

"شعرت بيد توقظني"

ربما لا يوجد شخص لم يسمع عن صديق أو صديقة أو أحد أقربائه، تنتابه هلاوس، يقابل كائنات أسطورية، تحاول أن تؤذيه، أو تلهمه، توجهه لممارسة أشياء.

أم كامل (50 عاماً) ربة بيت من الأردن، تشعر عندما تنام، خاصة بعد منتصف الليل بيد توقظها، وهي راكعة في صلاتها، تسمع صوتاً يأمرها بأن تردد كلمات غامضة، وأوامر مثل عدم ترك الغرفة لوقت معين، وممنوع الضوء، واختلط الخيال لديها بالواقع، إلى الدرجة التي تقول إنها كانت تأكل طعاماً لا تدري مصدره.

وبعد مرور 15 يوماً على تلك الاضطرابات، بدأت تظهر لها كائنات أسطورية بالزي الأبيض، وبدأت تتكلم معها، وتصحب ظهورها دقات قلب عنيفة، متسارعة.

يعلق حسام دحلان (44 عاماً) طبيب نفسي، قائلاً: "هي هلاوس سمعية وبصرية".

يؤمن الكثير من المشايخ وأساتذة الدين في جامعتنا بوجود تلك الكائنات، ولكنهم يحرمون التواصل معها، ويعتبرونها "كفراً بالله، واستطلاعاً للغيب"، بحسب حديث أستاذ الشريعة محمد نواص من غزة لرصيف22.

ويقول: "يجب أن نعيد الثقة بالطبيب النفسي وأن نمحو عقدة أنه دكتور مجانين، فقد يكون الشخص يعاني من تغيرات ليس لها علاقة بالعالم الآخر بل بأمراض نفسية".

أحاسيس وخيال ورغبة

اجتماعياً، يقول أستاذ علم الاجتماع أحمد اسكاف (44 عاماً) من غزة: "هناك من يستغل حاجة الناس لمعرفة الغيب أو معرفة الماضي، وأن هذه الممارسات من التعامل مع العالم الآخر هي شعوذة، وتنتشر في المجتمعات التي تؤمن بالخزعبلات تماماً كمن يؤمن بالخرزة الزرقاء ومسك الخشب".

ويضيف اسكاف: "معظم من يتعامل في هذه الأفكار نصابون، ويجب ملاحقتهم إلا من رحم ربي فهم يسعون إلى جمع الأموال واستغلال حاجة الناس للعلاج".

ودعا إلى ضرورة نشر الوعي وتثقيف الجمهور بالابتعاد عن هذه الأمور، وعدم ربط كل تعب أو مشكلة يتعرض لها الإنسان بأنها مشكلة روحانية بل قد تكون نتيجة ضغوط الحياة.

ويختم: "كلما انتشر الجهل انتشرت هذه الأفكار، والحل يكون بالقراءة والمعرفة والاعتماد على الحقائق لا على توافه الأمور".

في بدايات القرن الماضي، عندما كان يهاجر للتعليم مثقفون عرب، في جامعات بريطانية وفرنسية، ثم يعودون، سادت صورتان متوازيتان، الآخر الغربي العلمي الواقعي، ومجتمعاتنا العربية التي لا يذهبون فيها إلى الأطباء، ولا يحاولون تغيير واقعهم بشكل علمي، ولكن إلى السحرة والمشعوذين، وظهرت روايات مثل "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، التي جسدت اجتماعياً هذا العالم، وهي الرؤية التي تسود حتى الآن في تناول تلك الظواهر، رغم انتشار مذهب التحليل النفسي، وتسليم مؤسسيه بقوة العقل الباطن "اللاوعي"، وتوغل البعض منهم مثل كارل يونغ في الحديث عن دور تمثلات نفسية غامضة، هو نفسه كتب قصته مع كائن أسطوري يدعى "فيلمون"، وتحدث عن هلاوس بصرية في "الكتاب الأحمر"، أحدها تنبأت بالحرب العالمية الثانية.

وإلى الآن، تبتعد كلمات السحرة و"الملبوسين" عن الحقائق الموثوق بها في التقاليد العلمية، ولكنها تقترب كثيراً، من أحاسيسنا وخيالنا، ورغبتنا الجارفة أحياناً بأن نعيش مغامرة كونية، نحارب فيها الكائنات الأسطورية الشريرة، التي تنشر الخوف والأمراض والنزاعات، وننتصر عليها، ويصفق لنا في النهاية الأصدقاء والأحباء والأقارب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard