طيب أو شرير أو قليل خبرة... صور متنوعة للجن في السينما المصرية

الثلاثاء 13 أبريل 202102:59 م

منذ عقود طويلة وحتى اليوم، أثارت فكرة "الجن" اهتمام كثيرين من صناع السينما في مصر، فارتأوا تقديمها بأشكال مختلفة، وتوظيفها لتحقيق أهداف فكرية ومجتمعية متباينة.

بعض هذه الأشكال والصور قد يكون مخيفاً، والبعض الآخر طريفاً، وقد لعبت الأساطير والخرافات دوراً كبيراً في هذا النوع من الأعمال الفنية، التي ناقشت مشكلات اجتماعية شتى يعيشها المصريون في حياتهم، كما تمت تأديتها بحرفية حيناً، وبمستويات متواضعة أحياناً أخرى، كما أشار عدد من النقاد الفنيين الذين تحدثنا إليهم أثناء إعداد هذا التقرير.


الجن المخيف

تتناول السينما عادة ظروفاً اجتماعية لها سمات خاصة تمر بها الشخصية المحورية، في أسلوب من أساليب الحبكة الدرامية للفيلم، وقد ظهر هذا في شخصية "عبد الخالق" التي جسدها فؤاد شفيق، في فيلم "سفير جهنم" (1945)، حيث تعاني الشخصية من أزمات اجتماعية مختلفة، ويستغل الجني –الذي أدى دوره يوسف وهبي- كثرة شكواه، فيغويه إلى طريق الشر وينتهي الأمر به لتفريق شمل عائلته.

منذ عقود أثارت فكرة الجن اهتمام صناع السينما في مصر.

وبحسب حديث الناقد الفني أحمد سعد الدين لرصيف22، فإن وهبي –وهو مخرج الفيلم وكاتبه أيضاً- استطاع تجسيد دور الجن المخيف بالشكل الذي يتصوره المصريون عن العالم غير المرئي، ما جعل الفيلم يصنف ضمن قائمة أفلام الرعب المصرية.

ما يشكله الجن أيضاً من حالة قلق وخوف لمصريين كثر، قدمه عادل إمام بشخصية الجن العاشق "جلال" في فيلم "الإنس والجن" (1985)، الذي يقع بغرام فاطمة التي كانت تعمل في أحد مراكز العيون وقد جسدت الممثلة يسرا شخصيتها، وفق ما تشير إليه الناقدة الفنية ماجدة خير الله في حديثها لرصيف22.

"فيلم الإنس والجن لم يحاول ترسيخ مثل هذه الأفكار لدى المشاهد بل قدّم ما يعتقد به الناس عن الجن، ففكرته مستمدة من خرافات مترسخة في أذهان المصريين، بأن الجن يهيم حباً بأحد من البشر، والفيلم قدم حلاً تقليدياً بسيطاً للخروج من المشكلة، بقراءة القرآن للتداوي"، تضيف الناقدة شارحة وجهة نظرها.

الجن الطيب

يعد فيلم "خلي الدماغ صاحي" (2002)، أحد الأفلام المصرية التي وظفت فكرة الاعتقاد بوجود الجن وقدرته على تحقيق الأمنيات في الإطار الصحيح، بحسب ماجدة خير الله، وهي ترى بأن الفيلم جاء بقالب كوميدي لكن بصبغة اجتماعية، فألقى الضوء على بعض المشكلات التي يجب على الفرد أن يحلها بنفسه وألا يبحث عن قوة خارقة لتساعده بذلك، "وربما أراد العمل أن يقول للمشاهد بأن الجن نفسه سيقف عاجزاً أمام حل مشكلاته، ما دام هو نفسه غير قادر على ذلك"، تقول.



قدم مخرج الفيلم محمد صلاح أبو سيف، شخصية الجن "مطمئن أفندي"، الذي سحبت أنفاسه رائحة أكلة شعبية في الأرض فوجد نفسه في منزل المحاسب البسيط شحاته "مصطفى شعبان"، الذي تدور الأحداث حوله، إذ يحب ابنة صاحبة الجزارة التي يعمل فيها، وكل محاولاته لنسيان مشكلاته كانت تتلخص في شرب المخدرات حتى يظهر الجن لمساعدته.

وجاءت شخصية مطمئن أفندي ابن ملوك الجن، التي جسدها سامي العدل، كي يفهم المشاهد بأن الجن نفسه قد لا يتمكن من مسايرة أموره وترتيب أوضاعه في واقع قد يجد نفسه داخله، فلا يعوّل على هذه الشخصية الخرافية التي لن تكون قادرة على القيام بأعمال خارقة للطبيعة.


الجن قليل الخبرة

يعتقد البشر أن الجن له قدرات خاصة خارقة وغير معقولة، ويعود السبب للأساطير القديمة وحكايات الجدات والموروثات الثقافية المتعلقة بالأديان، لكن فيلم "طير أنت" (2009) للمخرج أحمد الجندي كسر هذه القاعدة، وقدم الجني في صورة ضعيفة قليلة الخبرة وتحتاج مساعدة الإنسان. نرى فيه بهيج، الطبيب البيطري الذي يعيش وحيداً بعد رحيل جميع أفراد عائلته، ثم يظهر له الجني في يوم عيد ميلاده، ويحاول مساعدته لتحقيق أمنيته بالزواج من ليلى التي يحبها لكنه يفشل في كل محاولة للارتباط بها.

جاء تجسيد السينما المصرية لشخصية الجن كمحاولة للتقرب من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الناس، ولا يستطيع أحد علاجها غير الجن من منظور المشاهد، ثم بعد ذلك يتضح أنها مجرد وهم، وأن علاجها يتوقف على الرضا والقناعة بما يعيش فيه الإنسان من نعم عديدة

يقول المخرج والممثل عمرو رمزي، في حديثه لرصيف22، أن شخصية "مارد" التي جسدها ماجد الكدواني في الفيلم، كسرت قاعدة الإطار الفكري عما يعتقد به الناس عن الجن. بالرغم من كونه قادراً على تحقيق الأمنيات للإنسان، فهو نفسه لديه أمنية خاصة لن تتحقق إلا من خلال البشر، ولم يكن بوسعه مساعدة البطل بل كان يوقعه في مشكلة تلو الأخرى.

وعلى جانب آخر، قال المخرج أحمد خالد أمين لرصيف22، بأن فيلم "طير أنت" لم يكن تجسيداً للجن، بل يعتبره تجسيداً للخرافة بشكل ساخر وأدى غرضه بامتياز، ومن منظوره فإن هدف هذا العمل الفني كان الترفيه فقط، ونجح فيه بجدارة.




الممثلون وشخصية الجن

تتفق رؤية الناقدين ماجدة خير الله وأحمد سعد الدين، حول الجرأة التي دفعت عادل إمام إلى تجسيد شخصية الجن، التي لعبها في فيلم "الإنس والجن"، فقد اعتاد الجمهور أن يراه في أعمال كوميدية، وعندما لعب هذا الدور المخيف، نجح في تخويف المشاهد وفي إضحاكه قبل ذلك.

بينما جعل أداء ماجد الكدواني في فيلم "طير أنت"، المشاهد يشعر وكأن هذا الجن تربطه به صلة قرابة، ويحتاج الرأفة والمساعدة، وفق رأي الممثل عمرو رمزي، "فقدم شخصية الجن قليل الخبرة بصورة ودودة بالرغم من قدرته على جعل أحمد مكي يطير ونقله من حالة لأخرى، إلا أنه كان في بعض الأوقات يضعه في مواقف محرجة، وكلما حاول أن يحقق له أمنية أو يقدم حلاً كان يفشل، ما جعل الجمهور يتعاطف مع الجن ويحبه بل ويتفاعل معه كمشاهد ويتمنى لو كان بإمكانه مساعدته".

بينما جاء تعليق رمزي على شخصية "مطمئن أفندي"، التي لعبها سامي العدل، نابعاً من إتقان العدل للشخصية التي يجسدها في أي عمل فني، فهو يذاكر الشخصية بشكل جيد ويقدمها بطريقة تتناسب مع مرحلته العمرية وطبقة صوته وملامحه، ويستغل قدراته دون أن يسعى إلى تقليد فنان جسد نفس الدور، بل حاول أن يصنع من نفسه تجسيداً آخر لشخصية الجن.


هل الإمكانيات الفنية كافية؟

قد يرى البعض أن فيلم "التعويذة" من ضمن الأفلام التي عرضت تجسيداً ضعيفاً لشخصية الجن من ناحية البنية الفنية، غير أن المخرج أحمد أمين له رأي مختلف، إذ يقول: "عند تقديم نقد فني لعمل سينمائي علينا أن نضع في أذهاننا عامل الزمن، فالإمكانيات التي استغلها صناع السينما آنذاك كانت ضعيفة في مجملها وتحديداً في مصر. كلما كانت هناك إمكانيات متاحة أمام القائمين على العمل كلما زادت جودته، خاصة عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الأعمال الخارجة عن إطار الملموس والمألوف".

ويرى أمين بأن الأسباب التي تؤدي لعدم القدرة على إنتاج أعمال فنية سينمائية تستعرض شخصية الجن بشكل جيد هو تناول هذه الشخصية بنوع من السذاجة فلا تستطيع تخويف المشاهد، فمن منظوره الفكري للجني ملامح شريرة شديدة البشاعة ترعب أي شخص يراها، والجانب الآخر يتعلق بالانفتاح وكسر حواجز الحدود، فأصبح المشاهد، ومن خلال نوافذ الإنترنت، يتابع أعمال السينما العالمية التي تقدم ما هو أكثر تخويفاً ورعباً.

من جهته يرفض عمرو رمزي القول بوجود ضعف في الصياغة السينمائية المصرية لشخصية الجن، معللاً ذلك بأن صناع السينما قديماً حاولوا استغلال أبسط الإمكانيات من أجل تقديم هذا النوع من الأفلام التي رسخت في ذهن المصريين، والجميع كان يصدق ما يشاهده، إذ استخدمت السينما خلال تلك الفترة حيلاً جديدة لم يعتد الناس رؤيتها في الأفلام المصرية.

تناولت بعض الأفلام المصرية شخصية الجن بنوع من السذاجة فلم تستطع تخويف المشاهد، ومن منظوره الفكري للجني ملامح شريرة شديدة البشاعة ترعب أي شخص يراها، كما أن المشاهد يتابع أعمال السينما العالمية التي تقدم ما هو أكثر تخويفاً ورعباً

محاولة للتقرب من الواقع

جاء تجسيد السينما المصرية لشخصية الجن، كمحاولة للتقرب من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الناس في تقدير عمرو رمزي، ولا يستطيع أحد علاجها غير الجن من منظور المشاهد، ثم بعد ذلك يتضح أن هذه المشكلات ما هي إلا وهم، وأن علاجها يتوقف على الرضا والقناعة بما يعيش فيه الإنسان من نعم عديدة، وقد نجحت السينما في توصيل هذه الرسالة للجمهور.

وتتفق ماجدة خير الله مع هذا الرأي، إذ تشير إلى أن المقصود من تجسيد السينما المصرية لشخصية الجن، هو أن بطل الفيلم يواجه مشكلات كثيرة يصعب حلها من قبل إنسان عادي، فلا يمكن لشخص مثلاً أن يجد مليون دولار دون عناء، أو أن يتزوج من الفتاة التي يحبها بكل سهولة، وغيرها من الأمنيات صعبة التحقيق إلا في الخيال، وهنا جاء تجسيد هذا الخيال من خلال الجن الذي يمكنه فعل الخوارق وتحقيق ما يفوق قدرات الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard