"التدريب والإرشاد المهني" تخصصان جديدان في العالم العربي... ضرورة أم رفاهية؟

الثلاثاء 17 أغسطس 202104:10 م

لم تجد شيرين مجدي (29 عاماً)، مفراً من الذهاب إلى مدرب مهني، عقب الاستغناء عن خدماتها في واحدة من شركات الطيران في إحدى الدول الخليجية، إذ قررت الشركة تقليص عدد العمال لديها، بعد تفشي فيروس كورونا، نتيجة التأثير الاقتصادي للجائحة.

عقب عودتها إلى مصر، كما أخبرت رصيف22، وجدت صعوبة كبيرة في التأقلم مع سوق العمل، خاصةً أن وظيفتها كمضيفة جوية، أتاحت لها حرية التنقل، والمقابل المادي المجزي، وكان من الصعب عليها التقدم لشركة طيران أخرى، والبديل هو العمل ثماني ساعات يومياً، في إحدى الشركات الخاصة، مقابل عائد مادي محدود، لذا وجدت أنه أمر لا يمكنها تحمله.

هنا، قررت الدخول إلى عالم الإعلانات، و"الموديلينج"، بناءً على نصيحة المدرب المهني. "جلستُ معه، وشرحت له طبيعة عملي السابق، والظروف التي دفعتني للعودة إلى مصر، والبدائل المتوافرة في سوق العمل حالياً، وما كنت أقوم به قبل عملي في مجال الضيافة الجوية. وتوصلنا معاً إلى أن مجال الإعلان قد يكون حلاً مناسباً، خاصةً أنه ليس بعيداً عما كنت أقوم به في أثناء الدراسة الجامعية، إذ كنت أحد أعضاء فرقة المسرح"، تشرح الشابة.


ما هو التدريب المهني؟

"التدريب، أو الاستشارة المهنية، ليستا أحد أفرع مجال التنمية البشرية". هكذا بدأت المستشارة المهنية، أو "الكارير-أدفايزر" إيمان عبد المعطي، حديثها لرصيف22، وتضيف أنها ليست ممن يملون على أسماع الآخرين عبارات تحفيزية فضفاضة، من دون تقديم مساعدة حقيقية على أساس علمي.

تخرجت عبد المعطي (39 عاماً) من كلية السياحة والفنادق في جامعة قناة السويس، ولكنها لم تعمل في هذا المجال. وعقب التخرج، تنقلت بين شركات عدة في وظيفة قطاع شؤون العاملين، الذي أصبح يُعرف بقسم الموارد البشرية.

التدريب المهني علم له أسس، يساعد الأفراد بناءً على التحليل النفسي لهم ولمهاراتهم، لإيجاد العمل المناسب.

ومن أجل العمل في مجال التدريب الوظيفي، التحقت إيمان بدبلوم التوجيه والإرشاد المهني في الجامعة الأمريكية في القاهرة، مدة ثلاث سنوات، حصلت بعدها على لقب "مستشارة مهنية".

"دراستي هذا الدبلوم، جعلتني أنظر إلى وظيفة التدريب المهني، كعلم له أسس، يساعد الأفراد، بناءً على التحليل النفسي لهم وللمهارات التي يجيدونها، لإيجاد العمل المناسب وفقاً لهذه المهارات"، تقول المدربة التي تعمل حالياً في مركز تنمية المهارات المهنية والتوظيف في جامعة قناة السويس، إلى جانب تقديم استشارات شخصية لحديثي التخرج، أو العاملين الذين يريدون تغيير مجال عملهم، في ما يُعرف بـ"الكارير شيفت".

"أجلس مع حديثي التخرج، أو مع من لهم باع في مجال ما، ونتناقش حول ما يريدون فعله في حياتهم العملية، وفقاً لمهاراتهم الحالية، أو حول إمكانية حضور ورش تدريبية لتطوير مهارة ما، وصقلها، قبل البدء بمجال مهني مختلف عن مجالهم الحالي". هكذا تلخص طبيعة عملها، إلا أنها تؤكد أن هناك معايير عدة تضعها نصب عينها، قبل أن توجه نصائحها إلى الأفراد، وعلى رأسها متطلبات سوق العمل.

وجاءت فكرة المدربين المهنيين، حسب ما تقول عبد المعطي، من المدارس الثانوية والجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، إذ توجد مدرب/ة تتلخص مهامه/ا كلها في الحديث مع الطلاب عن المواد التي يظهرون فيها تفوقاً خلال الدراسة، ومن ثم مساعدتهم على اختيار الجامعة الملائمة لهم، وفي الجامعات يساعدون الخريجين في التأهل لسوق العمل، وكتابة السيرة الذاتية، والتدريب على إجراء مقابلات التوظيف.

أما في مصر، فقد جذبت فكرة الاستثمار في الشباب، على المدى البعيد، هيئة المعونة الأمريكية، التي قررت عام 2012 افتتاح عدد من المراكز المهنية، في ثلاث جامعات مصرية، وهي جامعة أسيوط، وعين شمس، وقناة السويس.

"أجلس مع حديثي التخرج، أو مع من لهم باع في مجال ما، ونتناقش حول ما يريدون فعله في حياتهم العملية، وفقاً لمهاراتهم الحالية، أو حول إمكانية حضور ورش تدريبية لتطوير مهارة ما، وصقلها، قبل البدء بمجال مهني مختلف عن مجالهم الحالي"


انتشار عبر مواقع التواصل

بالإضافة إلى هذه المراكز، انتشرت عشرات الصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لأشخاص يعملون تحت اسم "كارير كوتشينج"، أو التدريب المهني، ويدعمون سيرتهم الذاتية بكونهم أعضاء في روابط واتحادات دولية في هذا المجال، على رأسها الجمعية الوطنية للتطوير المهني، أو NCDA.

واحدة من هذه الصفحات، على سبيل المثال، يتابعها ما يقرب من 18 ألف شخص، للمدربة المهنية آية الدغيدي، وتقدم دورات تدريبية للأفراد، وكذلك لمن يريدون العمل كمدربين ومستشارين مهنيين. صفحات كثيرة غيرها لمدربين آخرين، منهم محمد هاني، ووليد مهران، تستقطب آلاف المتابعين أيضاً.

وتتنوع عناوين دورات الدغيدي التي يشترك فيها المئات، ما بين "كيفية تجنب الاحتراق الوظيفي"، وتكلفتها 410 جنيهات (زهاء 26 دولاراً)، وأخرى بعنوان "دليلك لتحديد مسارك المهني بنجاح"، وتنقسم إلى 33 مقطعاً مصوراً، مدة كل منها نحو ساعتين، ويمكن التسجيل ومتابعتها عبر الإنترنت، بتكلفة 570 جنيهاً (زهاء 36 دولاراً).


قرارات التغيير الوظيفي

قبل أن تنصح عبد المعطي الفرد بتغيير مجال عمله، تراعي اعتبارات عدة، أبرزها وجود دعم مالي يمكّن الفرد من تدبير احتياجاته الأساسية، والثاني شبكة العلاقات الاجتماعية التي كوّنها خلال عمله السابق، ويمكنه استغلالها في المجال الجديد، أو تضمن وجود فرصة في المجال الذي يريد الانتقال إليه.

من المهم تطوير المهارات واكتسابها، دون أن يعني ذلك أن يترك الفرد ما حققه وبناه خلال سنوات، ثم يبدأ من جديد.

ولا تنكر المتحدثة الصعوبات في سوق العمل المصري في الفترة الحالية، والتي قد تجبر كثيرين على المضي قدماً في وظيفة ما، لتدبير احتياجاتهم اليومية فحسب، وتقول: "رأسمالية المجتمع، قد تجبر الفرد على تأجيل قرار تغيير الوظيفة، خاصةً أن بعض إعلانات التوظيف لا تخضع لأي رقابة، وقد نجد فيها عنصرية ضد فئات معينة، مثل طلب توظيف للذكور، أو الإناث فقط، والأغلب والأكثر انتشاراً هم صغار السن، ما يضعف فرص كبار السن الذين يريدون تغيير وظائفهم". في هذه الحالة، تنصح المدربة بتخصيص وقت لحضور ورش تدريبية لاكتساب خبرة في المجال الجديد، قبل المخاطرة بتقديم الاستقالة.

ومع التقدم في العمر، قد يصبح البدء في مجال مهني جديد مجازفة كبيرة، خاصةً في المجتمع المصري الذي ارتفعت فيه نسبة البطالة 7.4% في الربع الأول من عام 2021، حسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.


"أشبه بتنبؤات الأبراج"

محمود حسنين، الذي يعمل حالياً في مجال الموارد البشرية، حضر قبل أعوام عدة فعالية تكلفتها 200 جنيه (13 دولاراً)، لأحد مدربي "الكارير كوتشينج"، ويرى أن "الأمر لا يختلف كثيراً عن تنبؤات الأبراج، فنسبة لا تزيد عن 10% من محتوى هذه الدورات، مبنية على أساس علمي، والبقية وجهة نظر، ونصائح المدرب الشخصية التي قد لا تتوافق بالضرورة مع كل شخص".

ويتابع حسنين (24 عاماً) حديثه لرصيف22 قائلاً: "يتحدث المدرب معك حول المهارات التي تجيدها، ثم يوجهك إلى المجال المهني الذي يعتقد، حسب رأيه، أنه يتلاءم مع هذه المهارة، من دون الدخول في تفاصيل أعمق وأشمل حول سوق العمل، واحتياجاته".

الجمهور الأكثر حضوراً في هذه الفعاليات، حسب ما يقول محمود، هم الشباب حديثو التخرج، بسبب الشعور بالتشتت، وعدم القدرة على اتخاذ قرار سليم، الذي قد ينتاب كثيرين منهم، لنقص عامل الخبرة، بينما من يريدون تغيير وظائفهم، واختيار مجال آخر، عادة لا يلجأون إلى مدرب، أو مستشار مهني.


بين النظرية والتطبيق

الدكتور شريف عرفة، أحد أبرز كتاب التنمية البشرية، والباحث في علم النفس، يقول إن هناك فروقاً في التعريف النظري لمهنتي "المدرب المهني"، و"المستشار المهني"، حسب مركز مدربي مجلة "فوربس".

ويشرح مؤلف كتاب "ما بعد التنمية الذاتية: كيف تصبح إنساناً"، هذه الفروق لرصيف22 قائلاً: "الأول هو شخص تتلخص مهامه في تحفيز الأفراد، ومساعدتهم على ترتيب أفكارهم، أما في العالم العربي، فغالباً ما ترتكز وظيفته على تحقيق نجاح مهني يرتبط بشكل مباشر بأهداف الشركة، أو المؤسسة، وهو ما بات يُعرف بـ"قسم الموارد البشرية"، فهم مراقبون لتحقيق المهام الوظيفية، وأهداف المؤسسة، وتقييم العاملين، من دون أن يكونوا على دراية بالصناعة، أو بالمجال نفسه".

"الأمر لا يختلف كثيراً عن تنبؤات الأبراج، فنسبة لا تزيد عن 10% من محتوى هذه الدورات، مبنية على أساس علمي، والبقية وجهة نظر، ونصائح المدرب الشخصية التي قد لا تتوافق بالضرورة مع كل شخص"

أما المستشار المهني، حسب عرفة، فهو شخص لا بد أن يتمتع بخبرات طويلة في مجال، أو مهنة ما، حتى يستطيع تقديم استشارات، أو إرشاداً مهنياً لمن هم أقل خبرة، وربما خبرات تتعلق بمستقبل المهنة، أو طرق التطوير فيها، فالأمر لا يقتصر على التحفيز، بل يشترط وجود معرفة وخبرة في مجال ما يمكن تقديمهما للأفراد.


المهنة مقابل الهواية

عمر إبراهيم (37 عاماً)، يعمل حالياً في قسم خدمة العملاء في أحد البنوك الخاصة في مصر، خاض هو أيضاً تجربة الحضور في إحدى ورش التدريب المهني عام 2014، وكان دافعه لهذه التجربة، هو فقدانه الشغف بمهنته.

النصيحة الوحيدة التي عمل بها إبراهيم، من هذه الجلسة التي استمرت 30 دقيقة، هي أهمية تطوير المهارات واكتسابها، لكن هذه المهارات لا تعني بالضرورة أن يترك الفرد ما حققه وبناه خلال سنوات، خلف ظهره، ثم يبدأ من جديد.

"الروتين اليومي يجعل الفرد يشعر بالملل، لكن تجديد الحياة لا يعني البدء من جديد، هنا لا بد أن نفرّق بين المهنة كوسيلة لكسب العيش، وبين المهارات والهوايات المختلفة، التي تجعل حياتنا متجددة". ويضيف عمر أنه شق طريقاً طويلاً ما بين ممارسة الرياضة، وحضور ورش الكتابة، حتى وجد ضالته أخيراً في تعليم العزف على آلة العود.

مع تزايد الفجوة بين الدراسة النظرية في الجامعات، ومتطلبات سوق العمل الذي أصبح يشهد تغييرات كبيرة، وسريعة، في ظل التطور التكنولوجي، تزداد الحيرة لدى الخريجين حديثاً، للبدء في اختيار وظيفة ملائمة. هذه الفجوة، ربما هي ما أكسب هذه المهنة الجديدة أهمية، وساعد على رواجها، خاصةً مع ازدياد أعداد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard