هل نشر السيرة المهنية على "لينكد إن" وطلب مشاركتها "تسوّلٌ" للوظائف؟

الأحد 27 يونيو 202105:56 م

ضاقت بهم السبل وتقطعت، فبعد أن كان لهم دخل ثابت، فجأة توقّف كل شيء وتمّ الاستغناء عن خدماتهم، لكن فواتير الكهرباء والمياه لم تتوقف. وبعد فترة من المعاناة، أتاهم ضوء من آخر النفق، فوجدوا في منصة "لينكد إن" المهنية بارقة أمل، فهرعوا إليها، وبدأوا في نشر سيرهم المهنية، مطالبين مستخدمي المنصة بمشاركتها لتصل إلى أكبر عدد ممكن من أصحاب الأعمال والمؤسسات، أملاً في العثور على وظيفة.

انتشرت هذه الظاهرة مؤخراً، وغزت السير المهنية المنصة التي انطلقت عام 2003 كشبكة تواصل للبحث عن الوظائف، وأغلب مستخدميها من أصحاب الأعمال ومسؤولي التوظيف. وتزايد الأمر بشكل ملحوظ مع الإغلاق وقلّة فرص العمل بسبب جائحة كورونا، إذ تتوقع تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية بأن "فجوة فرص العمل الناجمة عن الأزمة العالمية بعد جائحة كوفيد-19 ستصل إلى 75 مليون فرصة في عام 2021، ولن يكون نمو فرص العمل كافياً لتعويض ما لحق بسوق العمل من خسائر حتى عام 2023 على أقل تقدير"، كما تشير إحصائيات أممية إلى أن معدل البطالة يبلغ 29% في شمال أفريقيا و25% في الشرق الأوسط.

لكن هل ما يفعله مستخدمو "لينكد إن" من نشر سيرهم المهنية صحيح؟

البعض يدعم نشر السير المهنية على لينكد إن وطلب مشاركتها، وآخرون يرفضونه مشيرين إلى أنه يعتبر "تسوّلاً" للوظائف.

تباينت الآراء حول الأمر، فالبعض يدعم ذلك، وآخرون يرفضونه مشيرين إلى أنه يعتبر "تسوّلاً" للوظائف وأشبه بطلب إحسان، وأنه من الأفضل كتابة سيرة مهنية قوية واستهداف أصحاب الأعمال بطريقة لائقة وصحيحة.


تقليل من قيمة الأشخاص

يرفض الدكتور محمود الشريف، وهو صحفي وأكاديمي مصري، هذه الظاهرة موضحاً أن ذلك ابتذال لقيمة الشخص ويعتبر تسوّلاً وليس طلب وظيفة على حد قوله.

ويضيف الشريف (41 عاماً) لرصيف22: "تحكم سوق العمل آليتان أو قوتان، وهما العرض والطلب. وبالتالي يعرض الباحثون عن العمل أنفسهم، لكن يجب أن يكون استهدافهم صحيحاً على حسب تخصصهم. يجب أن يكون الدخول لمواقع التواصل الاجتماعي بغرض عرض ما نقوم به من أعمال، وإبراز إمكانياتنا وقدراتنا بشكل مباشر، وسيبدأ الناس في ملاحظة ما نقدمه ويتفاعلون معنا، ومن هنا تبدأ مرحلة اصطياد الوظيفة".

يرى الشريف بأنه من الأفضل نشر الخبرة والمعرفة وتقديم قيمة مضافة وعدم طلب الإحسان: "عندها سيبدأ المتطلعون للمنتج الذي لديك بمتابعتك، وستحصل على طلبات عمل".


عدم المشاركة "ظلم"

بشكل معاكس، يتحدث محمد عبد المعز، وهو مدقّق لغوي وكاتب من مصر ومقيم في الإمارات: "مَنْ يرفضون نشر السير المهنية، هذا حقهم، لكنهم يظلمون غيرهم، لأن العمل مشروع، وطلب المساعدة في الرزق الحلال واجب، وليس استجداءً ولا إحساناً، بل حق للمحتاج، وواجب على أصحاب الشركات ورؤوس الأموال. النشر في مصلحة صاحب العمل ومَنْ يبحث عن عمل، ويختصر الوقت والجهد، بل والمال كما أظن".

ويتابع عبد المعز (56 عاماً) في حديثه لرصيف22: "دخلت لينكد إن ككثيرين غيري للبحث عن وظيفة، ورغم أن تجربتي عمرها عام واحد، فإنني تعرَّضت للعديد من الأحداث والمواقف. كثيرون وقفوا بجانبي ودعموني، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وعدد لا يستهان به صدَّني، بل صدمني بردود قاسية، حاولت الرد عليها بالحِكمة تارة، وبالدعاء لهم ولي وللجميع بالتيسير والرزق الحلال مرات أخرى".

يعرض الباحثون عن العمل أنفسهم، لكن يجب أن يكون استهدافهم صحيحاً على حسب تخصصهم. يجب أن يكون الدخول لمواقع التواصل الاجتماعي بغرض عرض ما نقوم به من أعمال، وإبراز إمكانياتنا وقدراتنا، وسيبدأ الناس بملاحظة ما نقدمه ويتفاعلون معنا، وهنا تبدأ مرحلة اصطياد الوظيفة

"لست صاحبة شركة. لا أعمل في الموارد البشرية. حالي من حالك. أبحث عن وظيفة. الوضع صعب. هذا العام عام إنهاء الخدمات لا التعيينات". يقول عبد المعز أن هذه بعض الردود التي وردته، متابعاً: "أصابوني بالإحباط، سامحهم الله. حتى الآن لم أحصل على وظيفة، للأسف الشديد، وما زلت أنتظر فرج الله، ومعظم العروض كانت لا تساوي قيمة الكهرباء ولا الإنترنت، ناهيك عن المجهود، لو أردت تجميع 100 دولار مثلاً، كم من الساعات أو الأيام عليَّ أن أعمل؟".

ويختتم: "لينكد إن -كموقع افتراضي- يتباين فيه الناس، وكذلك الآراء، وتبقى للكلمة الطيبة قيمتها، وللدعوة الصادقة أثرها، في العالمين الافتراضي والواقعي".


"أنا لقيت شغل الحمد لله"

أما ماريو أشرف، مهندس ميكانيك مصري (27 عاماً)، فكانت له قصة مختلفة، إذ كان يعمل في مكتب هندسي، لكنه فُصل تعسفياً، فشارك سيرته المهنية على منصة "لينكد إن"، أملاً في الحصول على وظيفة، "لأن موظفي الموارد البشرية الموجودين على المنصة لما بيشوفوا السير المهنية بيرشحوهم للشركات اللي هم فيها، أو بيكلموهم"، وفق حديثه لرصيف22.

ويضيف ماريو: "عندما نشرت سيرتي المهنية، حصلت على 10 مقابلات عمل، وهناك أشخاص رشحوني لشركات يعرفونها أو يعملون فيها. بعض المقابلات كان زائفاً، والبعض الآخر كان غير ملائم، لكني في نهاية المطاف حصلت على عرض مناسب".

ويحكي عن تجربة نشر سيرته المهنية، موضحاً أنه لم يتعرض لأي مضايقات، وكثير من مستخدمي المنصة ساعدوه، سواء بمشاركة السيرة المهنية أو وضع إعجاب وتعليق، أو ترشيحه للشركات، ما دفعه لتوجيه الشكر لهم عندما حصل على الوظيفة، "كونهم خدوا من وقتهم علشان يساعدوا دا كفاية بالنسبة لي".

ويختتم: "هناك أشخاص يستخدمون طريقة التسول والاستعطاف بالفعل خلال نشرهم السير المهنية، ولا يوضحون ما يبحثون عنه، وهي ربما وسيلة للتغطية على ضعف قدراتهم المهنية، أو نتيجة ظروف صعبة حصلت معهم. نشر السيرة الذاتية أمر طبيعي في منصة كهذه، لأنها في الأساس أُنشئت لذلك، أشخاص يبحثون عن عمل وشركات تبحث عن موظفين".


المنصة فرصة حقيقية

يرفض خالد حمزة، مؤسس صفحة "Best of LinkedIn Arabic" من الجزائر، نشر السير المهنية على منصة "لينكد إن" ومشاركتها، مبرراً ذلك بأنها لا تجلب أي إضافة سوى الإعجابات والتعليقات، وأن الطريقة التي يتم النشر بها ليست لائقة، لأن السير المهنية لها خصوصية ويجب أن تكون في المكان المناسب وليس للعامة.

نشر السير المهنية على لينكد إن وطلب مشاركتها لا يجلب أي إضافة سوى الإعجابات والتعليقات.

ويتابع الرجل الأربعيني في حديثه لرصيف22: "حين تُنشر هذه السير تفقد قيمتها، فمسؤول التوظيف دائماً ما يبحث عن العملة النادرة، كما أن السيرة المهنية الموحدة لا تجلب وظيفة، وكما نعلم هناك اختلاف في مضمون عروض الوظائف بين الشركات بما يخص المهارات المطلوبة، فبالرغم أن الاختصاص واحد إلا أن السيرة المهنية تحتاج إلى إعادة تحديث وفق كل عرض".

ويحكي حمزة تجربته على المنصة: "منذ تسجيلي، عرفت أن هذه المنصة فرصة حقيقية لكل من يريد أن يجد وظيفة. لحصول ذلك، يجب أولاً أن تكون قد درست كيف تعمل هذه المنصة، وعرفت أسرارها والخوارزميات التي تعمل بها، وهناك الكثير من المنشورات من أصحاب الاختصاص تعطيك نظرة شاملة وتختصر لك طريق فهم لينكد إن جيداً قبل الخوض فيه.

ثانياً عليك أن تعرف كيف تسوق نفسك، وهذا ما ركزت عليه. البداية تكون بإعداد سيرة احترافية تشمل ما تتميز به، ويجب أن يكون الحساب الخاص بك مميزاً، يتضمن المستوى التعليمي والمهارات الموجودة لديك لكي يجذب أصحاب التوظيف".

بعد إعداد حجر الأساس من بروفايل مميز وسيرة مهنية احترافية، ركز حمزة على إضافة أشخاص يعملون في الموارد البشرية والمدراء وكل من له علاقة بالتوظيف أو له سلطة القرار، ثم آتت كل هذه الجهود بثمارها بعد أشهر: "بدأت بتلقي الاتصالات، وأول اتصال جاءني بفضل شخص كنت قد أضفته في شبكتي، فطلب سيرتي المهنية ثم المقابلة الوظيفية، وبها حصلت على أول وظيفة عام 2013. بعد عامين تلقيت أيضاً اتصالاً من مسؤول توظيف في شركة أجنبية، وحصلت على وظيفة بعد المقابلة، وتلتها اتصالات أخرى من مختلف الشركات، رفضت بعضها لأنها لا تتناسب مع طموحاتي. السر يكمن في أن تكون حاضراً في الوقت والمكان المناسبين".

عليك أن تعرف كيف تسوق نفسك. البداية تكون بإعداد سيرة احترافية تشمل ما تتميز به، ويجب أن يكون الحساب الخاص بك مميزاً، يتضمن المستوى التعليمي والمهارات الموجودة لديك لكي يجذب أصحاب التوظيف


السر في تطوير المهارات

أما سالي أبو علي، الخبيرة الأردنية في إدارة الموارد البشرية والتطوير الوظيفي، فتقول إنها لا تؤيد فكرة نشر السيرة المهنية على منصات التواصل الاجتماعي، وأنها رأت سيراً مهنية كثيرة "مؤلمة" بسبب طريقة كتابتها والشكل العام لها ككثرة الألوان والمعلومات غير المنظمة، إذ يسبب هذا الشكل النفور من قبل المسؤولين في الموارد البشرية، وعدم الاطلاع عليها، ما يتسبب في إصابة من يبحث عن وظيفة باليأس أكثر مما هو عليه.

وتضيف أبو علي لرصيف22: "الطريقة التي يقوم بها مستخدمو المنصة بنشر سيرهم المهنية غير لائقة، حيث تتضمن عبارات من قبيل: ساعدوا هذا الشخص لأنه مريض، أو أنه متزوج ويعيل عائلته. يجب عدم الظهور بمظهر البائسين، وعلى الأشخاص العمل على أنفسهم أكثر من خلال تطوير مهاراتهم وإنشاء سير مهنية قوية ومكتوبة بطريقة صحيحة. ما يؤثر في هذه المنصة العلاقات المهنية، ويجب لفت النظر للمهارات والخبرات في المقام الأول".

وتوجه الخبيرة بعض النصائح لمستخدمي المنصة: "لا يجب وضع السيرة المهنية الكاملة على المنصة، بل يجب ملء المعلومات الخاصة بالحساب. إضافة لذلك، يجب أن تكون شخصاً نشيطاً بشكل مهني وأن تحاول إظهار مهاراتك، وتتابع بعض الشركات التي تعلن دائماً عن حاجتها لموظفين. كلما كانت سيرتك بسيطة كانت أفضل، فالصورة يجب أن تكون مهنية ولائقة، والخوض في نقاشات مهنية يظهر نقاط قوتك. قبل التقديم للوظائف يجب أن نكون مستعدين، ويجب تحديث السيرة المهنية وكتابتها بشكل صحيح في كل مرة نتقدم لوظيفة جديدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard