أعنف الحروب في الوجود حروبنا ضد مخاوفنا وقلقنا

السبت 6 مارس 202111:51 ص

بعد أن أمضيت حوالي خمس سنوات في التحليل النفسي، السؤال الذي أطرحه على نفسي الآن: هل كنت سأبقى أعاني من الأزمة النفسية التي أصابتني لو أنني لم أخضع للتحليل النفسي؟ أحب أن أجيب: لا.

خلال الأشهر الستة الأولى من التحليل، كانت معظم الجلسات تدور حول شعوري بالوحدة وعدم الأمان والخوف، وكان سبب ذلك المباشر تعرّضي خلال شهر واحد لأزمات مالية وعاطفية وفقدان للأصدقاء بسبب الحرب. من الموجع جداً أن تفقد الشعور بالأمان العاطفي والاجتماعي والعائلي والمالي دفعة واحدة. في تلك المرحلة كنتُ أشعر بالوحدة كذئب وحيد في ليل بارد.

عجزت عن إسكاته

قبل جلوسي مع المحلل النفسي بثلاثة أشهر تقريباً، بدأت أزمتي حين ظهر في داخلي شخصٌ عجزت عن إسكاته وخاصة في الليل. كان يتحدث طوال الوقت بأمور سلبية ومزعجة يكررها عشرات المرات ويحرمني من النوم حتى الفجر، ويرغمني على القيام من الفراش عدة مرات لأتأكد من أنّي أغلقت صنبور الماء، وعلى غسل يديّ عدة مرات خلال وقت قصير، وحين أغفو كان يأتي ويفسد راحتي في المنام، وفي الصباح حين أغادر المنزل يجعلني أعود أكثر من مرة لأتأكد إنْ كان الباب مقفلاً، وأحياناً كان "ابن الحرام" يرغمني على فتح الباب والذهاب إلى المطبخ للتأكد من أن مفاتيح الغاز مغلقة.

كنتُ بسببه أيضاً أعاني بين الحين والآخر من تسارع في دقات القلب، ووخز مؤلم فيه، وضيق في التنفس، وخدر بيدي اليسرى، وترافق ذلك أفكار سوداوية ورعب من الموت. كنت أشعر بأنني سأموت في أية لحظة. عدة مرات تمنّيتُ الموت لأرتاح.

لأكون صادقاً، ولا مرة تمنيت الموت فعلاً، فالحياة جميلة وممتعة جداً! صحيح أنّي كنت أعاني ولكن كل إنسان لديه معاناته وأزماته، وإذا لم يستسلم لها يمكنه حلها بغير الموت. الموت يمكنه إنهاء مشاكلنا وأزماتنا وفرحنا بلمح البصر ولكنّي لا أرى فيه خياراً صائباً. الآن عندما أفكّر في ما كتبته في الفقرة السابقة، أشعر بأنّي أوردت جملة "تمنيت الموت لأرتاح" لأعبّر عن مدى تعبي لا أكثر.

في تلك الفترة، لم يكن يمضي يومان إلا وأذهب للمستشفى لإجراء تخطيط للقلب وأحياناً تحليل للدم، فيخبرني الأطباء بأنّي معافى جسدياً وما أعانيه مجرد ضغوط نفسية. لم أستطع تفسير ما يحدث معي. أحسستُ بالعجز والإنهاك على المستوى النفسي والجسدي، وبدأت أبحث عن شيء ما لأعلن له أنني استسلمت فافعل بي ما تشاء، ولكنّي لم أجد سوى المجهول، ما جعل الأمر مصدر رعب حقيقي.

طوال الوقت، كنت خائفاً من أن أجن فجأة أو أصاب بجلطة أو أدخل في دوامة من الوساوس والمخاوف... الشيء الوحيد الذي كان يريحني قليلاً هو المطالعة وسماع الموسيقى الهادئة ومشاهدة الأفلام وممارسة اليوغا وكتابة نصوص إبداعية. حتى هذه الأمور لم تكن تريحني بما يكفي. قال كتابة نصوص إبداعية! هه. هذه الأشياء تفيد للتخفيف من الضغوط اليومية ولكنها لا تحلّ الأزمات التي تجعلك تشعر بالوحدة والإحباط وعدم الأمان.

"أنت الآن في حرب يمكن اعتبارها من أصعب الحروب وأعنفها في الوجود، حرب ضد مخاوفك وقلقك، والمواجهة هي سلاحك الوحيد، الأمر ليس بهذه السهولة ولكن يجب عليك أن تحاول"

على أرض الواقع، كان الشيء الوحيد الذي يخفف عني قليلاً -أكرر قليلاً- هو المشي ليلاً. كنتُ أجوب شوارع وأزقة اللاذقية وحيداً لساعات طويلة، وأحياناً أتحدث لنفسي، نعم أتحدث لنفسي وبصوت يمكن لمَن يمرّ بقربي أن يسمعه، وكان بعض المارة ينظرون إليّ بتعجب، وربما يقولون في سرهم "يا حرام مو مبيّن عليه إنو مجنون". بالطبع لم يكن يبدو عليّ الجنون. كنتُ أضع العطر وأهتم بأناقتي وتسريحة شعري وأمشي. بصراحة لم أكن آبه للآخرين. "الجحيم هو الآخرون"، كما يقول جان بول سارتر.

دوّامة الوساوس

بعد ثلاثة أشهر من المعاناة، وبالمصادفة، أخبرني أحد الأصدقاء بأنه يجلس مع محلل نفسي، وعلى الفور اتصلت به، وفي إحدى الجلسات أخبرته عن الأعراض الجسدية والنفسية التي تدفعني للذهاب إلى المستشفى بين الحين والآخر. ابتسم وقال: ما يحدث معك سببه الضغط النفسي، فحين تكون مرهقاً ومتعباً نفسياً يتحوّل هذا الضغط إلى أعراض جسدية تسبب لك الخوف، فيزيد معدل القلق في داخلك وهذا يجعلك تفترض أنك ستموت، والافتراض يشوش تفكيرك ويُغيّب المنطق العقلي، وهذا بدوره يدخلك في دوامة من الوساوس والأفكار السوداوية وحين تذهب للمستشفى ويخبرك الأطباء بأنك معافى جسدياً تشعر بالطمأنينة المؤقتة.

بالطبع، هذه الأعراض ستعود للظهور مرة أخرى، أكمل المحلل، والسبب أنك لم تعالج جذر المشكلة بل عالجت النتائج، فالذهاب إلى المستشفى هو مجرد مخدر مؤقت يزول مع الوقت. في هذا الكون الفسيح هناك الكثير من البشر يعانون من القلق والتوتر ويظهر لديهم في حالات كثيرة، بعضها يشبه حالتك والآخر مختلف عنها، فالموروث والتربية الدينية والاجتماعية والأسرية وما يترافق معها من احتياجات عاطفية ونفسية وفقدان لعوامل الأمان والحماية والخلل في العلاقة مع الأم والأب والأخ، إضافة إلى المواقف التي يتعرض لها الإنسان في الطفولة من حرمان وقسوة وتعنيف وغير ذلك الكثير، كل هذا يجعل معظم البشر يعانون على المستوى النفسي.

"الموروث والتربية الدينية والاجتماعية والأسرية وما يترافق معها من احتياجات عاطفية ونفسية وفقدان لعوامل الأمان والحماية... كل هذا يجعل معظم البشر يعانون على المستوى النفسي"

حين شرح تأثير كل هذه الأشياء على الحالة النفسية أحسست بالراحة، لأنه أصبح معلوماً لديّ السبب أو مجموعة الأسباب التي جعلتني أعاني، بينما قبل ذلك كان كل شيء مجهولاً ومخيفاً بالنسبة إليّ. وبالطبع نصحني بعدم الذهاب إلى المستشفى مرة أخرى مؤكداً أنه يجب عليّ مواجهة الأمر.

بعدها بعدة أسابيع أصبتُ بنوبة من القلق مترافقة مع الأعراض الجسدية نفسها. ربما تظنون بأنني ببساطة قلت لنفسي: لن أذهب للمستشفى! في الحقيقة، لم أستطع منع نفسي من ذلك، وحين أخبرت المحلل بالأمر طلب منّي الاتصال به في المرة القادمة.

أعنف الحروب

في أحد الأيام، ومع بداية المساء، شعرت بالأعراض الجسدية والنفسية اللعينة. اتصلت بالمحلل وأنا أمشي باتجاه المستشفى، ليلتها قال لي: أنت لن تموت بالجلطة وكل ما في الأمر أنك تمر الآن بنوبة من القلق والتوتر والخوف، وعليك المواجهة، أنت الآن في حرب يمكن اعتبارها من أصعب الحروب وأعنفها في الوجود، حرب ضد مخاوفك وقلقك، والمواجهة هي سلاحك الوحيد، الأمر ليس بهذه السهولة ولكن يجب عليك أن تحاول، وإنْ استطعت منع نفسك من دخول المستشفى هذه المرة كُن على ثقة في أنك لن تدخله أبداً بهدف إجراء تخطيط للقلب... تحدث معي عبر الهاتف قرابة الساعة، يومها لم أدخل المستشفى وبقيت أعاني حتى الصباح.

على مدار ستة أشهر، قررت أربع مرات الذهاب إلى المستشفى وتراجعت في اللحظة الأخيرة، بعدها لم أدخله أبداً رغم أنّي كنت أتعرض خلال كل شهرين أو ثلاثة لألم في الصدر وضيق في النَّفَس ولكنه كان يزول خلال وقت قصير. لم أكن أتناول أي نوع من المهدئات.

بعد مضي الأشهر الستة، أخذ التحليل النفسي منحى آخر بعيداً عما كنت أعانيه. بدأت بالبوح العميق والقيام بعمليتيْ الهدم والبناء، ويعني ذلك التخلي عن الآراء والقناعات التي تشكلت خلال حياتي بفعل التربية الدينية والأسرية والاجتماعية، ولم أكن منسجماً ومرتاحاً معها ثم القيام بتكوين قناعات وآراء جديدة أنسجم معها. وبالطبع عملية البناء كانت تحدث أحياناً بشكل فوري وأحياناً كثيرة تستغرق أسابيع وأشهراً قبل أن أستطيع بناء رأي أو قناعة جديدة على أنقاض ما هُدم. كان الأمر ممتعاً.

قبل نهاية التحليل بأشهر قليلة، كنت أقوم بالبناء وأهتم بكماليات وجماليات هذا البناء، إضافة إلى القيام ببعض الاختبارات التي يكلّفني بها المحلل لأعرف مدى قوة جهازي النفسي ومتانته، وما هي المهارات التي أتقنتها وكيف يمكنني استخدامها، بحيث أتمكن من التعامل مع القلق والتوتر والضغوط اليومية في المستقبل، وكانت هذه المرحلة الذهبية بالنسبة إليّ.

الآن، مضى عام لم أجلس فيه مع المحلل النفسي، ومنذ شهرين أحسستُ بألم في الصدر وخدر في اليد اليسرى فقلت لنفسي: يبدو أنني تعرضت للبرد! وإنْ حدث وتكرر الأمر في الصيف سأقول: لا بد أنّي تعرض لضربة شمس أو شربت مغلي النعنع! سأقول أي شيء حتى لو كان غير منطقي عدا أني سأصاب بالجلطة.

بهذه البساطة والخفة أصبحت أتعامل مع ما كان مصدر خوفي لأيام طويلة، وبذات البساطة والخفة أتعامل مع الكثير من الضغوط والهموم اليومية، رغم ذلك أتعرض أحياناً لمشاكل تأخذ منّي وقتاً وجهداً قبل أن أجد آلية للتعامل معها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard