"لا رواتب كافية، لا حوافز ولا تطوّر"... السوريون عن رضاهم الوظيفي

الاثنين 29 مارس 202101:28 م

صحيح أن مقولة "من رضي عاش" باتت من أكثر المقولات تداولاً في الأوقات السوداء التي يعيشها معظم السوريين، ولا سيما الموظفون منهم، لدرجة أنها تفوقت على حكمة "القناعة كنز لا يفنى"، خاصة أن الرضا يأتي في سلم التضحيات بمرتبة أعلى من القناعة وحدها، لكن ذلك لم يمنع كثيراً من الموظفين من إعلان عدم رضاهم الوظيفي بمختلف المجالات التي يشتغلون فيها، سواء في القطاع العام أو الخاص.

فمتطلبات المعيشة في سوريا باتت تفوق بمسافات شاسعة رواتب معظم الموظفين، كما أن اليقين بأن الواقع الإداري، بما فيه من تراتبيات إدارية غير منصفة، ساهم في تعزيز عدم رضاهم، إضافة إلى نظام الحوافز شبه المعدوم، أو المُوزَّع "على ناس وناس"، في غياب شبه تام للعدالة والمساواة، كما أن التدريب والتطوير، كعنصرين مهمين في تمتين الرضا الوظيفي، مُستغنى عنهما بشكل كبير، إن لم نقل إنهما في "خبر كان".

كل ذلك جعل الانتماء إلى أماكن العمل تحت الصفر، والولاء للشركة أو المؤسسة في المستوى ذاته، لكن الموظفين مضطرون للاستمرار في العمل، بسبب ضيق الخيارات وعدم القدرة على اجتراح حلول مناسبة لردم الفجوة بين الواقع الوظيفي وواقع الحياة المُرّ الذي يُعتبر استمراراً لمرارة الوظيفة وتكميلاً لها.


من الفجر حتى النّجر

أحمد الديري، مدرس الرياضيات منذ خمسة وعشرين عاماً، أوضح في حديث لرصيف22 أنه كان يرفض قبل الحرب فكرة الدروس الخصوصية، إذ كان راتبه مع زوجته المدرّسة أيضاً يكفيهما ويزيد، حتى أنهما كانا يفكران بشراء سيارة بالتقسيط، "لكن الوضع، خاصةً بعد عام 2019، تغير كثيراً على المستوى المعيشي، وبات الراتب رقماً هشَّاً أمام متطلبات الحياة، لا سيما مع وجود طفلين صغيرين، لذا أصبح اللجوء إلى الدروس الخصوصية أمراً مفروضاً".

يعلن كثير من الموظفين السوريين عدم رضاهم الوظيفي بمختلف المجالات التي يشتغلون فيها، سواء في القطاع العام أو الخاص.

ويذكر المدرّس الخمسيني المقيم بإحدى ضواحي دمشق الفرق الشاسع بين الحصة الدرسية في المدرسة وساعة الدرس الخصوصي التي تكاد تصل إلى عشرة أضعاف، إذ إن أجرة أي درس خصوصي لا تقل عن خمسة آلاف ليرة (دولار ونصف تقريباً)، بينما قد تصل لضعفين أو ثلاثة لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، خاصة أيام الامتحانات. يضيف: "صدقاً ما أقدمه في الصف لا يختلف عن أسلوب إعطائي في الدرس الخصوصي، لكن الجو العام غير صحي، فكيف لي أن أقدم المعلومة بطريقة سليمة لعدد طلاب يفوق الأربعين في الشعبة الواحدة؟".

يعتبر الديري أن الرضا الوظيفي الذي كان محققاً بنسبة كبيرة قبل الحرب، بات معدوماً بعدها، فليس هناك من يعطي أدنى اعتبار لمكانة الأستاذ وظروفه المعيشية وشروط التدريس السليمة، وقرارات وزارة التربية بمعظمها تسعى للضغط على المعلمين وليس لدعمهم، لذا صار معظمهم يقومون بالحدود الدنيا من واجباتهم، وبلا محبة للعطاء الزائد.

"الأسوأ هو أن الناس باتوا ينظرون إلى الأستاذ ويقولون 'نياله ساعته بخمسة آلاف'، في حين أنني أتوق إلى ذاك الزمن حين كنت ألتزم دروس المدرسة من دون وجع الرأس والقلب من الفجر حتى النجر، من أجل أن أُطعم أولادي وألا أنقص من حاجيات بيتي شيئاً"، يشير الرجل في ختام حديثه.


يمصّون دمنا

سمية الحطاب (37 عاماً)، مهندسة في إحدى شركات الأجهزة الطبية بدمشق، تقول لرصيف22 بأن "الرضا الوظيفي يتناقص يومياً، ويتناسب بشكل طردي مع الراتب الذي تقلّ قيمته باستمرار. رغم تزايد التعب والضغط النفسي، تقدم شركتنا الأقل دائماً، وإن طالبنا بتحسين واقعنا المادي، يسكتوننا بأقل زيادة ممكنة حتى لو كانت أرباحهم بالملايين، بمعنى أنهم يمصّون دم الموظف، وكل أعينهم على المرابح".

وتضيف الحطّاب، التي فضلت الحديث باسم مستعار: "نتيجة قلة حركة بيع الأجهزة، وبالتالي زيادة خسائر الشركة، وبسبب قلة الشغل، بات الموظفون يتسلون ويشتغلون ببعضهم، فهذا يريد منصب ذاك، والثاني يريد تقليل جهود الآخرين وتفضيل ذاته عليهم، وغير ذلك من الظروف الوظيفية غير المريحة. أما مدير الشركة فيأتي ساعة واحدة في الأسبوع لشرب فنجان قهوة، ويطالب الجميع بزيادة الأرباح، فلا يعنيه التزامنا وتعبنا من دون تحقيق مبيعات وزيادة أموال".

تشير المتحدثة إلى أن الحال لم يكن هكذا منذ عامين، حيث كان الجو الأسري هو السائد بين أعضاء الفريق، لكن نتيجة الخسارات المتتالية، بات العمل مُتعباً وفيه الكثير من التوتر وعدم الاستقرار العملي والعاطفي. "أتوقع إن عادت المرابح كما كانت، والعمل إلى سويته السابقة، ستزول كل العوائق أمام الرضا الوظيفي"، تضيف.

الرضا الوظيفي الذي كان محققاً بنسبة كبيرة قبل الحرب، بات معدوماً بعدها، فليس هناك من يعطي أدنى اعتبار لمكانة الأستاذ وظروفه المعيشية وشروط التدريس السليمة، لذا صار معظم المعلمين يقومون بالحدود الدنيا من واجباتهم، وبلا محبة للعطاء الزائد


مساندة في الأزمات

التقى رصيف22 فادي البر، وهو صاحب ورئيس مجلس إدارة شركة البر للبصريات بدمشق، لسؤاله عن كيفية تحقيق الرضا عند موظفي شركته، فكان جوابه: "بخصوص الأجور نذهب إلى توافق نسبي مع الرواتب الحكومية بزيادة لا تتخطى 20%، أما بالنسبة لتطوير المهارات، نقيم دورات تدريبية دورية لكل قسم على حدة، لكنها تكاد تكون شبه معدومة حالياً بسبب الظروف العامة، وفيما يتعلق بنظام الحوافز، ما زلنا نحافظ عليه بشكل مكافآت حسب أداء العاملين".

ويضيف البر (52 عاماً): "أعتمد في إدارتي للموارد البشرية على نظام الأسرة المنظم والمحترِم لقرارات ونظام العمل. نراعي طلبات العاملين ونوافق عليها بنسبة عالية وفق الظروف، ونناصرهم خاصة وقت الأزمات الشديدة. هي حالة خاصة تعيشها البلاد والعباد، ولا ينطبق عليها أي معيار من معايير الحياة الكريمة، فمن الطبيعي ألا يكون الرضا الوظيفي محققاً، نتيجة الفروقات العالية بين الواردات والمصروفات من جهة العاملين. أهم الخطوات التي نتبعها للوصول إلى رضا جزئي تتجسد في المساندة المالية والمعنوية والنفسية للعاملين، وخاصةً إذا ألمّت بهم المصائب والنكسات".


توازن وكورونا

التقى رصيف22 أيضاً بعمار الملا، مدير شركة أوركيدا للبصريات في دمشق، وقال: "تحقيق الرضا الوظيفي هو من أولوياتنا، وذلك لانعكاسه على مؤشرات أداء الموظفين، لذا نوفر رواتب تعتبر أعلى من المعدل الوسطي للرواتب في سوق العمل، إلى جانب اعتمادنا مبدأ الشفافية، بمعنى أن الموظفين يستطيعون معرفة الوضع المالي للشركة والأهداف والخطط المستقبلية، وهذا يقدم لهم راحة نفسية، كما نسعى لتحقيق توازن لدى العاملين بين حياتهم العادية والعمل، فالموظف غير مطالب بالبقاء لساعات طويلة في مكان العمل ما قد يؤثر على حياته اليومية".

الرضا الوظيفي يتناقص يومياً، ويتناسب بشكل طردي مع الراتب الذي تقلّ قيمته باستمرار.

أما أهم المعوقات التي تحول دون تحقيق أعلى درجات الرضا الوظيفي، فهي، كما يشير المتحدث الأربعيني، جائحة كورونا وما خلفته من تأثيرات اقتصادية تركت انعكاساتها على الترقيات السنوية، إضافة إلى عدم وضوح الرؤيا بالنسبة للمستقبل بسبب تلك الجائحة، التي قد تؤثر سلباً على الأمان الوظيفي.


الرضا الحياتي أولاً

يوضح الاستشاري في الموارد البشرية عمار سعيد الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الرضا الوظيفي: "لا نستطيع الحديث عن أي رضا وظيفي في سوريا ما لم تُردم الهوة بين الرواتب ومتطلبات المعيش اليومي، فالحد الأدنى للأجور صار تافهاً، والكلام عنه ممجوج، وطالما ليس هناك مقياس رواتب حقيقي يتناسب مع مقتضيات الحياة التي تحقق كرامة الإنسان ولو بحدودها الدنيا، من ناحية تأمين المأكل والمشرب والمسكن، ليس بإمكاننا الحديث نهائياً عن أي رضا، فكيف بالرضا الوظيفي".

ويتابع الخبير الخمسيني خلال لقاء مع رصيف22: "بعد ذلك، يبدأ التأهيل والتطوير ونظام الحوافز، ويمكن بعدها أن نحدد ما هي المعايير التي ينبغي وضعها ليتحقق الرضا الوظيفي، والتي تبدأ في علم الموارد البشرية منذ تعيين الموظفين والمدراء، يلي ذلك التأهيل والتطوير بواسطة التدريب، وهنا للأسف ما نراه في سوريا هو مجرد أموال تُصرف دون دراسة للاحتياجات أو تقييم للأداء، أو حتى تقييم للتدريبات بعد تنفيذها لمعرفة أثرها".

لا نستطيع الحديث عن أي رضا وظيفي في سوريا ما لم تُردم الهوة بين الرواتب ومتطلبات المعيش اليومي، فالحد الأدنى للأجور صار تافهاً، وطالما ليس هناك مقياس رواتب يتناسب مع مقتضيات الحياة التي تحقق كرامة الإنسان، ليس بإمكاننا الحديث عن أي رضا، فكيف بالرضا الوظيفي

ويضيف سعيد: "الحوافز أيضاً تلعب دوراً هاماً، وإلى جانبها هناك برامج الولاء، وللأسف هي غير متوفرة، سواء في القطاع العام أو الشركات الخاصة، وتلك البرامج تبين أن الموظف ليس بحاجة فقط إلى راتب وحوافز، وإنما لأن يعيش حياته بشكل صحيح. مقياس الرضا الوظيفي هو ألا يضطر الموظف للعمل الإضافي، أما عندنا يتعود الموظف أن يعمل دواماً إضافياً كي يحسّن وضعه المادي قليلاً، لكنه في المحصلة لا يعيش، لذا نعود إلى الحلقة الأولى والركيزة الأساسية وهي تأمين راتب يتناسب مع ضرورات العيش بكرامة، والأمور الأخرى تأتي تباعاً".

وفي الختام، إن كانت البحوث والدراسات كشفت النقاب عن أن الأفراد الراضين وظيفياً يعيشون حياة أطول من الأفراد غير الراضين، وهم أقل عرضة للقلق والاضطرابات النفسية، وأكثر تقديراً لذواتهم، وأكبر استطاعة على التكيف الاجتماعي، فإن لسان حال الموظفين السوريين يقول: "نحن لن نعيش طويلاً بعدما طالت الحرب خبزنا فلم يعد خطاً أحمر، وداس تُجَّارها على هناءة عيشنا، فصارت رماداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard