سنوات حرب ثقيلة... سوريا تخسر موردها البشري ببطء وصمت

الاثنين 15 مارس 202102:05 م

"يلزمنا عامل ذو خبرة"... "يلزمنا عمال شباب"... "يلزمنا مدير للصالة"... "يلزمنا موظفو وموظفات تسويق بخبرة كبيرة"...

هي إعلانات لا بد لأي سائر في أسواق العاصمة السورية دمشق، والمدن السورية الأخرى، من ملاحظتها على واجهات العديد من المحال والورشات، وقد ازداد عددها بشكل مطّرد عاماً بعد آخر، بالتزامن مع الحديث عن نزيف هائل للكوادر البشرية خلال عشرة أعوام من الحرب.

الهرب من الموت والبحث عن الأمان، خسارة الممتلكات وموارد الرزق الأساسية، تدني مستوى المعيشة، الرغبة بالحصول على تعليم أفضل وفرص عمل مضمونة أكثر، وغيرها من الأسباب، هي التي دفعت بما لا يقل عن خمسة ملايين ونصف المليون سوري لمغادرة بلادهم منذ العام 2011، والتوجه نحو كافة أصقاع العالم، طلباً لحياة أفضل.

ومن ضمن هذه الخسارات، تتحدث الأرقام الرسمية وغير الرسمية عن هجرة وفقدان نسب تتراوح بين 20 و80 بالمئة من العاملين، ضمن القطاعات المهنية والعلمية وحاملي الشهادات العليا على اختلافها، ما يعني حدوث نقص وخلل في البنى الاقتصادية والمهنية، والحاجة للكثير من الجهود لترميمه وتعويضه، الأمر الذي يتحدث خبراء عن الحاجة لعدة سنوات، وربما عقود، لتجاوزه.



"أبحث عن عمال ولا أجد"

تحدث رصيف22 مع عدد من أصحاب المحال والورش في دمشق وريفها، حول معاناتهم في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، في استقطاب موظفين وعمال يتمتعون بالخبرة الكافية.

يقول صائب الحجار، الذي يملك ورشة لأعمال النجارة في بلدة جرمانا شرق دمشق، إن العامين الأخيرين مثّلا التحدي الأكبر لعمله على الإطلاق، مع "نزيف غير مسبوق في اليد العاملة التي تمتلك المهارات والتمرّس المهني الذي يتطلبه هذا النوع من الأعمال عادة".

ويضيف الرجل الأربعيني: "لا تكمن المشكلة فقط في العثور على عمال ماهرين، الأمر الذي كان متاحاً بسهولة ويسر في السنوات السابقة للحرب، وإنما في الاحتفاظ بمن نجدهم وتحفيزهم على العمل، وهي مهمة باتت شاقة للغاية".

يعزو الحجار هذه المشاكل لعدة أسباب، فبالإضافة للسفر والوفاة، يتحدث عن فقدان الرغبة بالعمل لساعات طويلة، وفي الوقت ذاته الإحساس بعدم الجدوى: "فأنا لا قدرة لدي على تخصيص رواتب شهرية عالية، مع انخفاض وتيرة العمل بشكل ملحوظ مؤخراً. إن كان العامل سيتقاضى مبلغاً شهرياً لا يزيد عن مئة ألف ليرة (30 دولاراً وفق سعر الصرف غير الرسمي)، فعن أي حافز نتحدث، وتكاليف المعيشة ترتفع يومياً دون قدرتنا على مواكبتها؟".

فقدت سوريا خلال عقد من الحرب آلاف الحرفيين وحاملي الشهادات العليا.

وفي سوق الصالحية وسط دمشق، يعلق محمد الحلبي على واجهة محله لبيع الملابس الرجالية، ورقة كُتب عليها "مطلوب مدير صالة وأمين صندوق ذوا خبرة". يصف الرجل الأربعيني وضع السوق واليد العاملة حالياً في سوريا "بالمأساوي"، ويتحدث عن معاناة غير مسبوقة بموضوع التوظيف.

"لا تكمن المشكلة في عدم وجود راغبين بالعمل، وإنما في عدم امتلاك الخبرات الكافية، وهو أمر ضروري لبعض المناصب، كإدارة الصالة أو العمل على برامج المحاسبة"، يقول الحلبي، ويضيف بأن المعضلة الأخرى التي تواجهه هي في "دورة الحياة القصيرة للموظف"، فوتيرة السفر ارتفعت في العامين الأخيرين، وكثير من الموظفين يستقرون في العمل لأشهر قليلة فقط ثم يقررون السفر، فيضطر لتوظيف أشخاص جدد وتعليمهم من الصفر، ليسافروا بدورهم، ويبقى هو ضمن الدوامة نفسها. "شروط العمل باتت مجحفة للجميع، لنا ولهم"، يقول في ختام حديثه.


إعلان بحث عن عمال من أحد أسواق دمشق

من أحد أسواق دمشق - تصوير زينة شهلا


خسارة خطيرة

في حديث لرصيف22، يصف الصحفي السوري المتخصص بالشؤون الاقتصادية، زياد غصن، فقدان اليد العاملة السورية بأنه "خطير، إذ خسرت البلاد الكثير من الكفاءات والخبرات، ممن اضطرّوا تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية إما إلى ترك اختصاصاتهم والعمل في مجالات أخرى تؤمن دخلاً مادياً أفضل، أو النزوح عن مدنهم وقراهم، داخلياً أو خارجياً، وسلوك الهجرة نحو دول أخرى طلباً للأمان والاستقرار".

والخسارة هنا وفق غصن مضاعفة، فمن جهة نحن نتحدث عن مبالغ هائلة استثمرت بتعليم وتدريب وتأهيل هذه الكفاءات، وكمثال على ذلك هجرة أكثر من 10 آلاف طبيب ومهندس لألمانيا خلال السنوات الخمس الأولى من الحرب، والتقديرات تقول إن الدولة السورية تكلفت عليهم منذ الولادة أكثر من 10 مليارات دولار. ومن جهة أخرى هناك خسارة جرّاء فوات المنفعة التي كان يمكن لهذه الكفاءات والخبرات تقديمها للبلد، وإلى الآن ليست هناك بيانات رسمية لتقدير حجم خسارة البلاد الاقتصادية والفكرية.

ويشير غصن إلى نقطة بالغة الأهمية برأيه، وهي أن "خسارة البلاد من العمال المهرة والفنيين أخطر بكثير من أصحاب الشهادات الجامعية، فالثانية يمكن للبلاد تعويضها خلال سنوات معينة مع استمرار الدعم الحكومي للتعليم بمختلف مراحله، لكن تأهيل وتدريب العمال يحتاج إلى فترة أطول، لأنها خبرة قائمة على الانخراط بالعمل وتجارب الواقع".

تتفق الدكتورة هلا الشاش، مديرة الموارد البشرية في الجامعة العربية الدولية بسوريا، مع هذا الرأي، إذ تقول بأن المهارات المتوارثة من جيل لآخر، والتي كان السوريون معروفين بها على مدار عقود ماضية، هي اليوم مهددة بالانقراض بسبب النزيف غير المسبوق باليد العاملة ذات الخبرة والكفاءة. وبالتالي نحن نتحدث اليوم عن "فقدان مركّب بالكوادر، فنحن لا نخسر فقط من يخرجون من سوق العمل، وإنما نخسر خبراتهم المتراكمة، وبالتالي يمتد الأثر على أجيال متتالية، لعدم القدرة كل مرة على إعادة البناء من الصفر".

خسارة البلاد من العمال المهرة والفنيين أخطر بكثير من أصحاب الشهادات الجامعية، فالثانية يمكن تعويضها خلال سنوات معينة مع استمرار الدعم الحكومي للتعليم بمختلف مراحله، لكن تأهيل وتدريب العمال يحتاج فترة أطول، لأنها خبرة قائمة على الانخراط بالعمل وتجارب الواقع

وللأمر عدة أسباب، كما تقول الشاش في لقاء مع رصيف22، منها "انغلاق السوق السورية بسبب الحرب والعقوبات، وانعدام فرص المنافسة فيها، وبالتالي انخفاض الحد الأدنى من المعايير المهنية، وتقلص فرص العمل الحقيقية التي يكون عادة لها دور محوري ببناء المهارات والخبرات، مقابل فرص عمل قصيرة الأمد وغير ذات أهمية، وغياب مفهوم الرقابة الجادة التي تلزم بالتقيد بمعايير معينة لا يجوز التنازل عنها، إلى جانب التدهور الحاصل في مستوى العملية التعليمية بجميع مراحلها".

ولا تغفل الشاش ذكر التأثيرات العميقة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون اليوم، "فكيف سأحصل على عامل أو حرفي ماهر، وهو غير قادر في نهاية الشهر على تأمين تكاليف معيشة كريمة لعائلته؟". بذلك، تغدو عملية إدارة الموارد البشرية في سوريا برأيها من "أصعب المهام، فنحن عدنا إلى أسفل قاعدة هرم الاحتياجات، وبدلاً من التفكير بتطوير مهاراتنا، نحن مضطرون للعمل ليل نهار لتأمين قوت يومنا".

وتصف المتحدثة كل ذلك بأنه "تغير خطير بهوية السوق في سوريا، إذ انتقلنا من سوق مفتوح بخبرات محلية وخارجية، ومنافسة على مستوى عالٍ، والقدرة على تبادل الخبرات والمعارف مع العالم الخارجي، إلى سوق يمكنني أن أقول بأنه مقهور، وفيه اليوم من العناصر الدخيلة غير الأصيلة ما يزيد من وطأة وتأثير هذه التغييرات".


الحاجة لحلول عاجلة

إن كنا نتحدث عن ملامح بدأت تتبدى الآن لكل هذه الخسارات، سواء من خلال نقص اليد العاملة والماهرة الذي تعانيه مختلف المعامل والمنشآت والورش الحرفية، للقطاعين العام والخاص، أو من خلال النقص في المهن الحرة المتعلقة بالاحتياجات اليومية للمواطنين، وأيضاً الكفاءات في المنشآت الثقافية والفكرية والتعليمية، فهذه الملامح، كما يقول زياد غصن، ستظهر أكثر مع دخول البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، ما يعني الحاجة لحلول عاجلة.

كيف سأحصل على عامل أو حرفي ماهر، وهو غير قادر في نهاية الشهر على تأمين تكاليف معيشة كريمة لعائلته؟ نحن عدنا إلى أسفل قاعدة هرم الاحتياجات، وبدلاً من التفكير بتطوير مهاراتنا، نحن مضطرون للعمل ليل نهار لتأمين قوت يومنا

من هذه الحلول، تتحدث هلا الشاش عن "منظومة كاملة لا بد من العمل عليها، من التعليم للتدريب لبناء القدرات للتأهيل، للخروج بجيل جديد قادر على أن يزاول مختلف أنواع المهن والأعمال بحرفية عالية".

وبتفصيل أكثر، يتحدث غصن عن أن إعادة ترميم الفجوة في اليد العاملة اليوم يحتاج لبرنامج وطني يعمل على محورين أساسيين: الأول إعادة استقطاب اليد العاملة الخبيرة والمؤهلة وتشجيعها على العودة إلى البلاد، وهذا يتطلب معالجة كل العوائق التي تعترض تنفيذ مثل هذه المهمة الضرورية، وحتى لو كانت تلك العودة جزئية، بتشجيع الكفاءات والخبرات على القيام بزيارات دورية ونقل معارفهم إلى نظرائهم داخل البلاد.

والمحور الثاني يتعلق بالعمل على إطلاق مبادرات وطنية هدفها التعليم والتدريب، مثل حملة "تدريب مليون شاب سوري"، والدورات التدريبية بمختلف المهن والتي تهدف لتأهيل اليد العاملة الشابة ومساعدتها على توفير مصدر دخل لها ولأسرتها.

لكن، "كل هذه الحلول لن تكون كافية إذا استمر الوضع على ما هو عليه، من تطفيش للكفاءات والخبرات التي لا تزال موجودة داخل البلاد، وتهميش دورها وعدم السماح لها بتقديم خبراتها ومعارفها"، يختتم غصن حديثه، وتضيف الشاش بأن على "أي سياسة حكومية أن تضع الموارد البشرية ضمن أولوياتها، وأن تكون براغماتية في التعامل معها، وإلا فإنها تساهم بضياع ما تبقى من خبرات سورية لا زالت تكافح داخل البلاد أملاً بمستقبل أفضل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard