كان عام 2025 عاماً مليئاً بالفقد والوداعات الأليمة والأحداث المؤثرة حيث طوى صفحات قامات عربية استثنائية تركت بصمات لا تُمحى. فبين وداع عمالقة الفن والأدب وعلى رأسهم سميحة أيوب وزياد الرحباني وصنع الله إبراهيم الذين شكلوا وعي أجيال، وبين اغتيال أصوات الحقيقة كأنس الشريف في غزة والناشطة سهام حسن في السودان، اتشح المشهد العربي بالسواد.
في هذا التقرير، يستعرض رصيف22 أبرز الشخصيات التي غادرتنا هذا العام، تاركةً إرثاً من الإبداع والنضال، وفراغاً مؤلماً ومزلزلاً في ذاكرة الشعوب.
1- سميحة أيوب

في 3 حزيران/ يونيو، رحلت الفنانة المصرية سميحة أيوب (93 عاماً)، بعد مسيرة فنية ثريّة قدّمت خلالها ما يزيد على 170 عملاً مسرحياً، فاستحقت عن جدارة لقب "سيدة المسرح العربي". وفي رصيد الراحلة المسرحي مجموعة من أهم الكلاسيكيات العالمية والعربية مثل "السلطان الحائر" لتوفيق الحكيم، و"أنطونيو وكليوباترا" لأحمد شوقي، و"كوبري الناموس" و"سكة السلامة" لسعد الدين وهبة.
رحيل هادئ في المنزل للفنانة التي قال عنها إحسان عبد القدوس إنها شامخة مثل برج الجزيرة، وقال عنها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: "وجدت إلكترا مصر"، ترك حزناً عميقاً في الوسط الفني ولدى جمهورها في مصر والمنطقة العربية.
2- زياد الرحباني

في 26 تموز/ يوليو، غيّر الفنان المسرحي والموسيقار زياد الرحباني (69 عاماً) عنوانه بعد صراع مع المرض. زياد، نجل الأيقونة فيروز والموسيقار والمسرحي عاصي الرحباني، اشتُهر بمسرحياته التي أنتجها خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والتي تنوّع أسلوبه فيها - كما في بقية أعماله الفنية - بين السخرية والعمق والتمرّد على واقع سياسي واجتماعي شديديّ القسوة والتعقيد.
من زياد الرحباني، وسميحة أيوب وصولاً إلى إسكندر حبش وأمل الزياني… أيقونات عربية غيّبها الموت في 2025 بين رحيل صاخب حيناً ووداع هادئ أحياناً أخرى
بالنسبة إلى الكثيرين، "كان زياد حالةً فنيةً ومعرفيةً لا تشبه إلا نفسها. لم يكن مجرد فنان، بل كان مشروع وعي كامل"، ورغم مواقفه السياسية التي لطالما أثارت الجدل، ظل زياد يحظى بشعبية واسعة لدى الجمهور اللبناني والعربي.
وعلى الرغم من ابتعاده عن المشهد الفني لفترة، كان رحيل زياد مؤلماً ومزلزلاً للكثيرين - بمن فيهم من اختلفوا معه سياسياً وتأثّروا به فنياً.
3- صنع الله إبراهيم

في 13 آب/ أغسطس، قضى الروائي المصري والأديب الفذ صنع الله إبراهيم (88 عاماً)، بعد رحلة عطاء مهمة وذات بصمة في مجالَي الأدب والسياسة، إذ ساهمت مواقفه وآراؤه السياسية المتمرّدة والقوية في شهرته وشعبيته تماماً كما مسيرته الأدبية، فعُرف أحياناً بـ"الأديب المتمرّد" وأحياناً أخرى بـ "مؤرّخ الظلم الاجتماعي".
جاء رحيل صنع الله إبراهيم كـ"عنوانٍ صارخ لنهاية مرحلة تاريخية من عمر العالم العربي المتآكل والمسحوق بين قوى رجعية استبدادية وأخرى استعمارية مستعرة، حولت أجزاءً منه إلى حُطام… فمن غير اللائق، أن نفصل بين رحيل الروائي اليساري وما يشهده العالم العربي من فجائع وانكسارات، وهو الذي بنى مشروعه الروائي الفريد، على مدار ما يقرب من ستة عقود، من لحم القضايا المصرية والعربية، وآلام وجِراح الإنسان الذي صار مغترباً ومهزوماً في وطنه، جراء "التوحش الرأسمالي، والاتجاهات النيوليبرالية، والقمع السلطوي والقهر الاجتماعي".
4- أحمد الزفزافي

في 3 أيلول/ سبتمبر، غادر المناضل المغربي أحمد الزفزافي الحياة بعد معاناة مع المرض ومع الظلم والحرمان من نجله ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف المعتقل في المغرب.
قبيل وفاته، جرى تشخيص الزفزافي الأب بسرطان المستقيم النقيلي في المرحلة الرابعة، وتأكد تفشّيه في رئتيه وكبده والعقد الليمفاوية في صدره وبطنه. وناشدت عدة منظمات حقوقية السلطات الإفراج عن نجله ليكون إلى جانب والده في أيامه الأخيرة، لكن دون استجابة.
في رثائه، اعتبر مغاربة كثر أن الراحل لم يكن أباً يدافع عن نجله فقط بقدر ما كان أباً لكل الثائرين والمكلومين والمتألمين لأوضاع بلدهم والحالمين بغدٍ لا ظلم فيه. لذا، كان رحيله من دون أن يتحقّق هذا الغد مؤلماً على نحو خاص لهم.
لم يكن الزفزافي الأب الخسارة الوحيدة هذا العام للمشهد السياسي والنضالي المغربي إذ أُعلنت وفاة المناضل اليهودي المغربي المناهض للتطبيع مع إسرائيل والصهيونية، سيون أسيدون (77 عاماً)، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر، بعد نحو ثلاثة أشهر من العثور عليه فاقداً الوعي في منزله، في حادثة عدّها البعض "مثيرة للريبة". رحيل سيون عدّه البعض خسارة فادحة للمغرب وللقضية الفلسطينية التي حمل لواء الدفاع عنها بكل جرأة وبسالة طوال حياته.
5- افتهان المشهري

في 18 أيلول/ سبتمبر، اغتيلت مديرة صندوق النظافة والتحسين في تعز اليمنية، افتهان المشهري، في وضح النهار بأكثر من 20 رصاصة أطلقها عليها مسلّحون في أثناء مرورها بسيارتها قبل أن يلوذوا بالفرار.
كانت افتنان عضوة في تكتل نساء السلام في تعز، وشغلت سابقاً منصب مديرة إدارة المكتبات في جامعة تعز. كأول امرأة ترأس مكتباً تنفيذياً في محافظة تعز، لم تكن إدارتها "صندوق النظافة" بالعمل السهل بل كان عملاً خدمياً يتطلب الوجود في الشارع على الدوام والاحتكاك اليومي مع مختلف الشرائح من المواطنين.
خلال 2025، لم يسلم "صوت غزة" من الاستهداف؛ اغتالت إسرائيل الصحافي أنس الشريف وزميلته مريم أبو دقة. وفي المغرب، خسر المشهد السياسي المناضل أحمد الزفزافي والمناهض للتطبيع سيون أسيدون
افتنان كانت تدعو إلى السلام، وفي الوقت نفسه تواجه الإرهاب والسلاح المنفلت والتهديد والتشويه بكل شراسة حيث قاومت الفساد ولم تحنِ رأسها في وجه الفاسدين المدعومين بمتنفذين، وظل صوتها عالياً حتى آخر نفس. وقد عرّضها نجاحها في تحويل "صندوق النظافة" في تعز من صندوق مثقل بالديون إلى وجهة لحماية البيئة وزيادة الوعي بأهمية النظافة في تعز.
لدى اغتيالها، تظاهر عمال النظافة في تعز لأيام، ورفضوا العمل تاركين القمامة المبعثرة في كل مكان لتذكّر الجميع بالجهد الذي بذلته افتنان، ابنة القنصل الفخري للجمهورية اليمنية في إسطنبول، التي لم تستغل يوماً امتيازات والدها وأصرّت دوماً أن تبقى صوت المهمّشين/ات في تعز وإلى جوارهم.
6- أنس الشريف ومريم أبو دقة وصالح الجعفراوي
في 10 آب/ أغسطس، قتلت إسرائيل الصحافي ومراسل "الجزيرة" القطرية، أنس الشريف (29 عاماً)، الذي عُرف بـ"صوت غزة"، في استهداف مباشر لخيمة الصحافيين في محيط مستشفى الشفاء في القطاع.

وعلى الرغم من تلقيه تهديدات إسرائيلية مباشرة بالقتل لوقف تغطيته الصحافية، واستهداف منزله ومقتل والده في هذا الهجوم، لم يتوقّف أنس عن فضح الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني في غزة حتى آخر لحظة وإن آثر الانفصال عن أسرته لعدم تعريض أفرادها لمزيد من الخطر.
وفي حين لم يكن اغتياله مستبعداً، إلا أن رحيل أنس كان صادماً وأثار حزن وغضب ملايين الأشخاص عبر المنطقة العربية والذين كانوا يتتبعون تطورات حرب الإبادة الإسرائيلية في صوته وأخباره ومنشوراته وإطلالاته الإعلامية.
في 25 آب/ أغسطس، قتلت إسرائيل المصورة الصحافية مريم أبو دقّة (33 عاماً)، مراسلة "إندبندنت عربية" في غزة، في المجزرة التي ارتكبتها باستهداف مجموعة من الصحافيين/ات خلال عملهم في مبنى الطوارئ في مجمع ناصر الطبي.

قضت مريم وتركت ابناً وحيداً، غيث (13 عاماً)، كانت قد انفصلت عنه اضطرارياً حين أرسلته إلى مصر لحمايته من حرب الإبادة الإسرائيلية المسعورة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر، منح المعهد الدولي للصحافة ومنظمة "دعم الإعلام الدولي" اسم الراحلة وسام "بطل حرية الصحافة العالمية" مع ستة صحافيين من جورجيا والولايات المتحدة وبيرو وهونغ كونغ وأوكرانيا وإثيوبيا، لمواصلتهم رسالتهم الصحافية رغم محاولات إسكات أصواتهم عبر السجن والقمع وغيرهما.
يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر، أُعلن مقتل الناشط والمصوّر صالح الجعفراوي (27 عاماً) في اشتباكات مسلّحة، من دون أن تتضح الرواية الدقيقة لمقتله. صالح الذي اشتُهر في بداية حرب الإبادة بتوثيق الجرائم الإسرائيلية ونشرها عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، حظي بشعبية واسعة عربياً وكان مصدراً مهماً للأخبار عن الحرب على غزة بالنسبة إلى كثيرين. وكان نبأ مقتله صادماً ومؤلماً لا سيّما وأنه كان من بين قلة من الناشطين والصحافيين الذين نجوا من الإبادة.

ولم تُحاسب إسرائيل على جرائمها في حق الصحافيين/ات في غزة ولبنان وغيرهما، بمن فيهم المراسلة الفلسطينية الراحلة شيرين أبو عاقلة والمصوّر اللبناني الراحل عصام عبد الله، مما شجّعها على التمادي في جرائم استهداف وقتل واعتقال والتنكيل بالصحافيين/ات خلال العامين الأخيرين.
7- أمل إبراهيم الزياني

في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، رحلت رائدة العمل الدبلوماسي في البحرين، أمل إبراهيم الزياني (83 عاماً)، وهي التي عُرفت بعطائها في مجالات أخرى من بينها البحث العلمي والثقافة.
وكانت الراحلة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة بغداد، فضلاً عن ماجستير ودكتوراه في "الفلسفة في العلوم السياسية – فرع العلاقات الدولية" من جامعة القاهرة. وقد مثّلت البحرين في عشرات المؤتمرات والمنتديات الدولية التي تناولت قضايا المرأة والتنمية وحقوق الإنسان.
إلى جانب عملها الدبلوماسي، إذ كانت "أول دبلوماسية بحرينية" حين التحقت بالوزارة عام 1972. كانت أمل مولعة بالثقافة والفلسفة، فباتت "أول مؤلفة بحرينية تصدر كتاباً مطبوعاً"، وتوالت إسهاماتها في الجمعيات والأنشطة الثقافية والخيرية.
8- طليع حمدان

في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، قضى "كبير شعراء الزجل اللبناني"، طليع حمدان (81 عاماً)، "شاعر المنبرين" وأحد عمالقة الزجل في العالم العربي.
صدرت له خمسة دواوين شعرية، لعل أبرزها: "براعم ورد" عام 1990، و"ليل وقمر" عام 1999، و"انطريني أنا جايي" عام 2011. و"استطاع طليع حمدان خلال مسيرة طويلة، ناهزت ستين عاماً، أن يقدّم للبنان وللزجل اللبناني آلاف القصائد، وأن يصل صوته العذب إلى ملايين الآذان المتعطشة إلى الرقة في الوطن العربي، وبين الجاليات العربية المنتشرة في العالم".
وعلى الرغم من إرثه الكبير، وشعور البعض بأن "الموت لن يُغيّب أبو شادي"، كما كان الراحل يُلقَّب، إلا أن رحيله كان بمثابة خسارة عامة وحسرة شخصية كبيرة لا تعوّض.
دفعن حياتهن ثمناً للشجاعة… خلال 2025، اغتيلت افتنان المشهري في اليمن لمواجهتها الفساد في تعز، وقُتلت البرلمانية سهام حسن في السودان بوحشية على أيدي الدعم السريع، كما قتلت إسرائيل الصحافية مريم أبو دقة لإسكات صوتها
9- النائبة السودانية سهام حسن

في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتلت النائبة البرلمانية والناشطة الحقوقية والمجتمعية السودانية سهام حسن، على أيدي قوات الدعم السريع خلال اجتياحها مدينة الفاشر.
سهام، التي تتحدّر من ولاية شمال دارفور، كانت عضوةً في البرلمان الأخير للإنقاذ. وقد سُجلت في العام 2016، كـ"أصغر نائبة تُنتخب في البرلمان". لكنها لم تشتهر بذلك فقط بل بفاعليتها ونشاطها السياسي وفي البرلمان وجهودها الهادفة إلى تعزيز المساءلة والمحاسبة للوزراء وكبار المسؤولين، دفاعاً عن حقوق المواطنين وإصراراً منها على إيصال صوتهم.
أثارت مشاهد التنكيل بجثة سهام، وتعريتها، غضب الكثيرين، لكنها في الوقت نفسه عرّت الوجه القبيح للحرب الدائرة في البلاد ولما يعانيه المدنيون جرائها، وعلى نحو خاص النساء. وبحسب منظمة صحافيات بلا قيود، فإن ما حدث لسهام يمثّل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب.
10- إسكندر حبش

في 30 تشرين الأول/ أكتوبر، ترجّل الشاعر والمترجم والناقد اللبناني الفلسطيني إسكندر حبش (62 عاماً) بعد معاناة مع السرطان.
دخل حبش الأدب العربي من بوابة الشعر، فكان أحد رواد جيل الثمانينات في الشعر العربي، ومن أبرز أعماله: "بورتريه رجل من معدن" عام 1988، و"تلك المُدن" عام 1997، و"لا شيء أكثر من هذا الثلج" عام 2013، و"إقامة في غبار" عام 2020.
بعيداً من الإنشاء والتكلّف اللغوي، والتعمّق في الشجن والتعبير عن القلق، والنبل الشديد والتعاطف غير المحدود في التعبير عن البشر وسائر الكائنات الحية، امتازت لغة وكتابات إسكندر الذي عُرف بأنه شخص شديد "التهذيب" بما في ذلك مع مرضه الذي أطلق عليه "السيد سين".
أما عن ترجماته، ولأنه كان مولعاً وقارئاً نهماً للأدب العالمي، فكانت متنوعة، ومن أبرزها "العاشرة والنصف ليلاً، في الصيف"، و"أجمع الذكريات كي أموت" و"ألف منزل للحلم والرعب".
رثى كُثُر إسكندر حبش، وعبّر البعض عن عجزهم عن العثور على الكلمات التي يمكن أن ترثي تجربةً إنسانية وثقافية فريدة وفذّة ونبيلة مثله. لكن الأكيد أن رحيله خسارة حقيقية للمشهد الثقافي العربي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



