"لا أهلاً ولا سهلاً بالمجرم لابيد"... إسلاميون ويساريون مغاربة ضد زيارة الوزير الإسرائيلي

الخميس 12 أغسطس 202102:23 م

لم تفرقهم هذه المرّة هُوَّة الأيديولوجيا، وجمعهم صوت واحد. إسلاميون ويساريون رفعوا شعار "لا أهلاً ولا سهلاً بالمجرم يائير لابيد"، وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي وصل إلى المغرب الأربعاء 11 آب/ أغسطس الجاري، في زيارة رسمية للقاء نظيره المغربي، ناصر بوريطة، وقّع خلالها الطرفان اتفاقيات في مجالات السياسة، والثقافة، والرياضة، والشباب، والخدمات الجوية.

الزيارة "التاريخية"، كما وصفها لابيد، قبل قدومه إلى المغرب، تتضمن "تدشين مكتب الاتصال الإسرائيلي، وخلق تعاون اقتصادي، وسياحي، وثقافي، يعبر عن العلاقة التاريخية العميقة بين البلدين".

"لا أهلاً ولا سهلاً بيائير لابيد في المغرب". يساريون وإسلاميون ينتقدون زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي لفتح مكتب الاتصال في الرباط

هذا التعبير كان كافياً ليُثير حفيظة فاعلين إسلاميين ويساريين مناهضين لمسار التطبيع. المشترك بينهم هو رفض استقبال من سموه "وزير خارجية العدو الصهيوني"، بعد أيام من وصول أول رحلة جوية سياحية إسرائيلية إلى مدينة مراكش، قادمة من تل أبيب، وصفت "الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع" قدومها واستقبال من على متنها، بـ"استقبال مجرمي الحرب".

الجبهة، وهي ائتلاف يضم 15 تنظيماً سياسياً، ونقابياً، وحقوقياً، ضد التطبيع مع إسرائيل، أدانت زيارة لابيد، واصفةً إياها بـ"المستفزة، والتي تتناقض مع موقف الشعب المغربي، وقواه الحية برفض أشكال التطبيع كافة"، مؤكدة، في بيان، أنها "اعتداء على السيادة المغربية، وتنكر للحقوق العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، وتجاهل لموقف الشعب المغربي الداعم لفلسطين، والمناهض للتطبيع".

المغرب يساند فلسطين ويرحبُ بالتطبيع؟

سيون أسيدون، أحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل BDS فرع المغرب، يقول: "لا يمكن أن يقول المغرب إنه يساندُ الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام الصهاينة الذين يرتكبون جرائم في القدس، والضفة الغربية، وغزة، ويرتكبون جرائم ضد اللاجئين الفلسطينيين"، متسائلاً: "أين هي مساندة الشعب الفلسطيني بعد استقبال المجرمين، وفتح الأذرع لهم؟".

وأشار أسيدون، في حديث مع رصيف22 إلى أن "ما حدث في شهر أيار/ مايو الماضي، من أحداث غزة، والتهجم على أهالي حي الشيخ جرّاح وسلوان، وقمع فلسطينيي 48 بشكل وحشي، لمجرد تضامنهم مع إخوانهم في القدس، وفي غزة، كله كان كافياً لكي يتراجع المغرب عن آخر خطواته التطبيعية".

ولفت الناشط الحقوقي المناهض للتطبيع، إلى أن الخطورة تكمن في تزامن زيارة الوفد الإسرائيلي إلى المغرب مع "ما يجري حالياً في القدس، من تطهير عرقي، وهي جريمة ضد الإنسانية، وتعني استبدال سكان منطقة معينة، بسكان آخرين، على أساس الجنسية، أو العرق، أو الديانة. هذا ما يُمارسه المحتل الصهيوني في القدس ضد الشعب الفلسطيني، ويُسمِّيه "تهويد القدس"، وهو ما يُريده الصهاينة لكي تصبح القدس مئة بالمئة يهودية، ليقوموا بطرد الفلسطينيين".

"الفلسطينيون القاطنون في القدس، ليست لديهم وثائق الجنسية، أو الهوية الفلسطينية، ولا وثائق الهوية التابعة لدولة الاحتلال"، يقول أسيدون، موضحاً أنهم "يملكون بطاقة الإقامة فحسب"، مستنكراً أن يكون هذا "وضع الفلسطينيين الموجودين في مدينتهم منذ قرون، أباً عن جد، وهويتهم في ورقة بطاقة الإقامة تُجدَّد كل فترة، وفي حالة غيابهم مدة طويلة، يتم طردهم".

وبذلك، يتساءل نائب منسق سكرتارية الجبهة المغربية لمناهضة التطبيع: "ماذا قدمت لجنة القدس لتغيير هذه الوضعية؟"، مشيراً إلى أن "وضع السكان الفلسطينيين هو التهديد بالطرد في أي وقت، وستستمر جرائم الصهاينة، كما ازدادت منذ سنة 2018، حين أُقرَّ قانون يقول إن الاستيطان واجب وطني، وإن الحكومة يجب أن تخطط للاستيطان، وإن حق تقرير المصير مخصص لمن يسمونهم الشعب اليهودي فحسب".

وفي هذا السياق، يُضيف المتحدث أنه "بطبيعة الحال، يفرحُ كثيراً محتلو فلسطين لما تفتحه أمامهم الخطوات التطبيعية مع المغرب، من فك عزلتهم عن العالم بشكل عام، وعن إفريقيا مثلا، بشكل خاص".

"لا مرحباً بالصهاينة المُجرمين"

حركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة، هي الأخرى أدانت زيارة الوفد الإسرائيلي للمغرب، مُستنكرة بذلك "فتح المغرب أمام مجرمي الحرب الصهاينة، لتدنيس أرض المغرب الحرة، خاصةً وأن الزيارة تتزامن مع انتهاكات جسيمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وممارسة عنصرية للتطهير العرقي يقترفها الكيان الصهيوني في حق أهالي حي الشيخ جرّاح، وسلوان، وغيرها من أحياء القدس الشريف".

وجاء في بلاغ للمبادرة المغربية للدعم والنصرة، التي تُنسقها الحركة الإسلامية نفسها، أن الزيارة "جريمة تطبيعية"، تأتي "قبل أيام قليلة من تخليد الذكرى 52 لإحراق المسجد الأقصى المبارك، وهو حدث مأساوي شاهد على طبيعة الكيان الصهيوني الغاصب عدو الأمتين العربية والإسلامية، ومرتكب أفظع المذابح، والمجازر، والجرائم، في حق أهلنا في فلسطين، ولبنان، والأراضي العربية".

يرى مناهضو التطبيع أن خطوة التطبيع لا تتوافق مع رئاسة المغرب للجنة القدس ولا مع مواقف المملكة المغربية من القضية الفلسطينية، ويرفضون زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى المغرب 

موقف الحركة الإسلامية تجدّد في "رفض الزيارة، والدعوة إلى وقف أشكال التطبيع مع عدو الأمة العربية والإسلامية كلها"، داعياً "القوى المجتمعية، للتعبير عن استنكارها لحضور مجرمي الحرب الصهاينة في بلادنا، والاحتجاج بالوسائل الممكنة كلها على زيارة الوفد الصهيوني لها"، وهو نفسه الموقف الذي شدّد عليه أسيدون، من أجل "كشف الطابع الإجرامي للاحتلال الإسرائيلي".

رفض التطبيع مع إسرائيل، سبق وحذر منه رئيس حركة التوحيد والإصلاح عبد الرحيم شيخي، خلال لقائه شبيبة العدالة والتنمية المغربية، مشيراً إلى أنه "مهدد للكيانات العربية، والإسلامية، وللوطن المغربي، ويحمل مخاطر على الوطن، وعلى الأمة، وعلى الاستقرار، ويجب أن ننتبه للاختراقات التي تتم".

ومباشرة بعد توافد السياح الإسرائيليين إلى المغرب، لم يتأخر رد الفاعل الإسلامي في رفع شعار "لا مرحباً بالمجرمين في بلدنا، أياً كانت ديانتهم، ولو كانوا مسلمين، ولا مرحباً بالمجرمين الصهاينة على وجه الخصوص الذين يذيقون أهلنا في القدس، وفي فلسطين، الويلات، ويقومون بالجرائم المتوالية المتكررة، وما الجرائم الأخيرة في غزة، وغيرها من أراضي فلسطين في رمضان، ببعيدة".

توجه الدبلوماسية يتعارض مع دعم فلسطين

حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، ذو المرجعية اليسارية، هو الآخر سجل "تناقض" الموقف الرسمي المغربي، الذي يسارع الزمن للتطبيع مع إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى يجدد دعمه للشعب الفلسطيني.

علي بوطوالة، الكاتب الوطني لحزب الطليعة، قال في حديث مع رصيف22، إن هناك إجماعاً من تنظيمات نقابية، وسياسية، يعارض زيارة الوفد الإسرائيلي، مستغرباً توجه الدبلوماسية المغربية التي "تسير وفق توجه يهدد استقرار المغرب".

"الزيارة تدشن شروخا بين الدولة والشعب، عن طريق تمييع رموز الدولة وتراثها وتاريخها، وتشويهها، وابتذالها، لصالح أجندة اختراقية صهيونية تطبيعية، وتخريبية"

وفي هذا السياق، عدّ بوطوالة أن توجه "السياسية الخارجية المغربية في الأسابيع الأخيرة، يطبعه ارتباك كبير؛ الموقف المعلن بخصوص قضية القبائل في الجزائر، ومسألة التطبيع، والترحيب بدخول إسرائيل الى الاتحاد الإفريقي، كمراقب".

هذه المواقف المغربية يستغربها الفاعل اليساري، ويرفضها، لأنها حسب قوله: "لا تخدم المصالح الإستراتيجية للمغرب أولاً، وتتعارض مع دعم المغرب للشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل استرداد حقوقه التاريخية، وخاصةً أن المغرب يرأس لجنة القدس".

وجدّد المتحدث نفسه موقف حزبه المناهض للتطبيع، إلى جانب أحزاب يسارية أخرى ممثلة في الهيئة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع، موضحاً أنهم يعتقدون "أن التطبيع مع إسرائيل، وإقامة علاقة معها، لا يخدمان الشعب الفلسطيني، ولا الشعب المغربي، على الرغم مما يُقال عن السياحة، ونحن نعرف كيف تعمل اللوبيات الصهيونية على الصعيد العالمي".

وبخصوص عودة اليهود المغاربة الموجودين في كندا، أو أمريكا، أو أوروبا، أكد بوطوالة الترحيب بهم "كيهود مغاربة معتزين ببلدهم، ولا أحد يمكنه أن ينكر ذلك، ولكن لا نرحب بالصهاينة المتورطين في حرب غزة، وحروب أخرى، إذ إنه في الحرب الأخيرة توفيت ثلاث طفلات مغربيات تحت القصف الإسرائيلي في غزة، ما يعني أن هناك مسؤولين مجرمي حرب، ومسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن نرحب بهم في بلادنا كيفما كان الحال".

وحول تعليقه على موقف حزب العدالة والتنمية "المتذبذب" بخصوص تصريح رئيس الحكومة، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، الرافض للقاء وزير الخارجية الإسرائيلي، بعد توقيع اتفاق التطبيع الثلاثي، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أكَّد بوطوالة أن حزب العدالة والتنمية، يعيش هذا التناقض، وهذه الازدواجية، وبالنسبة إلينا سبق ولاحظنا ذلك في مجموعة العمل الوطنية لمناهضة التطبيع التي جمدت عضوية العدالة والتنمية في المجموعة".

من جهتها، تساند الفاعلة الحقوقية والرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خديجة الرياضي، في تصريح لرصيف22، الموقف الرافض لهذه الزيارة. وقالت: "زيارة الصهيوني المدعو يائير لابيد مدانة إدانة شديدة، ومن دعاه إلى القدوم إلى بلدنا مدان أيضاً إدانة شديدة".

"التطبيع مناقض لرئاسة المغرب لجنة القدس"

وتتجدد دعوات تنظيمات مدنية وسياسية إلى وقف التطبيع مع إسرائيل، مع كل خطوة من خطوات التقارب الرسمي بين إسرائيل والمغرب، إذ استنكرت مجموعة العمل الوطنية المناصرة للقضية الفلسطينية، في بيان سابق لها، تحركات وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، من أجل تسريع العلاقات المغربية الإسرائيلية.

ورأت مجموعة العمل أن "التوجه التطبيعي في السياسة الخارجية للدولة الذي يقوده ناصر بوريطة، مناقض لموقع المغرب، وموقفه، ومسؤولياته، دولة وشعباً، تجاه قضية فلسطين، وتجاه الأمة الإسلامية، من موقع رئاسة لجنة القدس، ورصيد الروابط المغربية الفلسطينية عبر التاريخ القديم والمعاصر".

مقابل ذلك، حذر التنظيم المدني من "مغبة الاستمرار في هذا المسار الخطير في تاريخ المغرب، لما يمثله من تفريط بالسيادة الوطنية، ولما يدشنه من شروخ بين الدولة والشعب، بزرع فخاخ الانقسام الداخلي، عن طريق تمييع رموز الدولة وتراثها وتاريخها، وتشويهها، وابتذالها، وقرصنتها، لصالح أجندة اختراقية صهيونية تطبيعية، وتخريبية، تهدد بنية الوطن ومؤسساته".

جديرٌ بالذكر أن لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي يأتي بعد عشرين سنة من إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، احتجاجاً على ما عدّه المغرب سنة 2000 "سياسة إسرائيل في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وإعلان الحكومة الإسرائيلية وقف عملية السلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard