حصاد 2021... خمسة أفلام ناهضت الاغتصاب والتحرش وناصرت المرأة بشكلٍ مبتكر

الخميس 23 ديسمبر 202103:24 م

وسط زحمة الأفلام التي يروّج لها صنّاعها لأنها تتناول قضايا المرأة، صمدت خمسة أفلام من العام 2021، كأعمالٍ مبتكرة، وأكثر شموليةً في نظرتها، من دون أن يروّج لها صنّاعها، بهذا الخطاب، وعلى الرغم من جيناتها التي تحمل بوضوح صفاتٍ تجاريةً، مثل الرعب، أو الأكشن، أو الكوميديا، أو الموسيقى والاستعراضات.

وسط زحمة الأفلام التي تتناول قضايا المرأة، صمدت خمسة أفلام من العام 2021، كأعمالٍ مبتكرة.

تستقطب هذه الأفلام، بسبب جيناتها الجماهيرية، فئةً من المتفرّجين غير مهتمة عادةً بهذه القضايا، وتجبرهم على التفكير، وإعادة النظر فيها، من دون وعظٍ مباشر. وهي بذلك أكثر قيمةً وفعاليةً وانتصاراً لهذه القضايا، من أفلام تدّعي التأثير والأهمية، من دون أن تحقّق أياً منهما.

هنا نظرة سريعة على هذه الأفلام بترتيب عرضها على مدار العام.


1- The Fear Street Trilogy

ثلاثية شارع الخوف

مجموعة من المراهقات والمراهقين يحاولون كسر لعنةٍ حلّت على مدينتهم، منذ مئات السنين، وتسبّبت بدورة قتلٍ وعنفٍ لا تتوقف.

تقتبس هذه الأفلام التي عرضتها منصّة نتفلكس، أحداثها وشخصياتها، من روايات شارع الخوف التي كتبها أديب الرعب والخيال، روبرت لورنس ستاين، منذ أواخر الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات من القرن الماضي، لكن يضاف اليها الكثير والكثير من الملاحظات الثقافية والاجتماعية بفضل المخرجة وكاتبة السيناريو، لي جانياك.

مشهد من Fear Street

تلامس هذه الثلاثية أفلام الرعب الشهيرة القائمة على الذبح، وممارسة العنف ضد المرأة، خلال الثمانينيات والتسعينيات، وعلى رأسها سلسلة الصرخة Scream التي أخرجها ويس كرافن.

الطريقة التي تتضافر بها، وسط الأحداث، أساطير قديمة، مثل حرق الساحرات، مع قناعات اجتماعية ودينية لا تزال موجودةً حتى اليوم في أغلب المجتمعات، مثل دناسة المثليات جنسياً، وضرورة عقابهن، تدفع المتفرّج للتساؤل: هل لا زلنا نفكّر في بعض القضايا من منظور العصور الوسطى نفسه، بكلّ همجيتها وعنفها؟!


2- CODA

كودا

دلالة مصطلح CODA:

A child of deaf adult

ابن لبالغَين من الصمّ والبكم.

نتابع عبر الأحداث التي لا تخلو من كوميديا، مراهقة في المرحلة الثانوية، لأبوين وأخٍ صمّ، وهي تحاول مساعدة أسرتها التي تعمل في مجال الصيد البحري، وتحتاج إلى وجود الابنة باستمرار، لأنها الفرد الوحيد الذي يسمع في الأسرة، وقادر على ترجمة ما يقولونه بلغة الإشارة، إلى بقية البشر، والعكس.

وعبر الأحداث، نصل إلى مآزق وصراعات لدى البطلة، تلامس أيّ متفرّج، بقضايا مثل الإحساس بالمسؤولية، والاستقلال، والضغوط الاجتماعية.

البطلة في فيلم كودا

يعامل فيلم كودا، بطلته بالطريقة العادلة نفسها التي يطلبها الخطاب النسوي، كشخصٍ ناضجٍ لا تختلف مسؤولياته عن الذكور، بسبب نوعه، ولا يفوقهم في أيّ حال في الأهمية والأولوية، وهو بذلك فيلم أكثر نضجاً وانتصاراً لمفهوم العدالة والمساواة بين الجنسين، مقارنةً بأفلام وقصص ترفع هذا الشعار، لكنها تخلّ بمضمونه، وتمسخه إلى مضمونٍ يعكس تمييزاً جنسياً، مفاده أن المرأة أهمّ في أيّ معادلة، لأنها امرأة فحسب.


3- The Last Duel

المبارزة الأخيرة

تدور الأحداث في فرنسا العصور الوسطى، وفيها تتهم زوجة أحد الفرسان النبلاء غريمه، باغتصابها في أثناء غيابه، وهو ما ينتهي بقرارٍ ملكي يقضي بحل المسألة بالمحاكمة بالنزال، وهو أسلوب كان متَّبعاً في تلك العصور، لحسم أيّ خلاف أو اتهام، من دون وجود شهود لإثبات التهمة، أو نفيها، وعدم اعتراف المتّهم بالتهمة الموجَّهة إليه.

تجري المحاكمة بالنزال، عبر إجراء مبارزة بالسلاح بين الشخصين المتنازعين، الزوج وغريمه هنا. ويُعلَن الفائز بالنزال محقّاً، أما الخاسر فتثبت عليه التهمة.

يسرد الفيلم الذي كتبه النجمان مات ديمون، وبن أفليك، قصّته، ثلاث مرات مختلفة، من منظور ثلاث شخصيات، هي الزوج، والغريم المتّهَم بالاغتصاب، والزوجة صاحبة الاتهام. وعبر الاختلاف بينهم، يلامس الفيلم الكثير من قضايا الاغتصاب والتحرش في عالمنا حتى اليوم.

يعامل فيلم كودا، بطلته بالطريقة العادلة نفسها التي يطلبها الخطاب النسوي، كشخصٍ ناضجٍ لا تختلف مسؤولياته عن الذكور، بسبب نوعه، ولا يفوقهم في أيّ حال في الأهمية والأولوية.

من منظور المغتصب في الفيلم: لا يوجد اغتصاب في الأمر. لقد تبادلنا نظرات إعجاب، وتالياً كانت ترغبني جنسياً، وكلمة "لا" التي قالتها وقت الواقعة، لا تعكس أيّ جدية في الرفض.

هذه وجهة نظر ملايين المغتصبين والمتحرّشين في عالمنا حتى اليوم، فأيّ إشارة أو تلميح من المرأة، يمكن بسهولة ترجمتها ذكورياً، إلى فكرة: إنها ترغبني بشدّة.

ومن منظور الزوج: لا وزن ولا أهمية للجرح أو الانتهاك الذي تعرّضت له الزوجة، فالمهم في المعادلة كبرياؤه هو، وكرامته هو، وشرفه هو، وانتقامه هو.

الزوجة في القصص الثلاث، "مفعول به" بحكم زمن الأحداث، فهي بالنسبة إلى أبيها مجرّد أداة لتسوية ديونه، وللترقّي الاجتماعي بمجرد زواجها من نبيل مهم. وبالنسبة إلى الزوج مجرّد رحم، وأداة لصناعة ابن العائلة، ووريثها. وبالنسبة إلى الآخرين، مجرّد أداة وفرصة للمتعة الجنسية.

من فيلم المبارزة الأخيرة

وعندما تسرد البطلة قصّة اغتصابها، تتعرض فوراً لاتهاماتٍ مضمونها أنها هي السبب، أو أنها شجّعت المغتصب، أو أنها تكذب، أو أنها عاهرة، أو أنها يجب أن تتعايش مع تروما الحادث، من دون تذمّر، أو شكوى.

ما يحدث لبطلتنا في العصور الوسطى، باختصار، قد لا يكون بعيداً عن عشرات المجتمعات المعاصرة، وبالأخصّ مجتمعاتنا التي لم تفارق منظومة الوصاية في قرارات الزواج، ولا تزال أولى الأسئلة التي تسألها، عند كلّ تهمة اغتصاب توجهها إحداهنّ، هي أسئلة من عيّنة:

1- ماذا كانت ترتدي هذه المرأة وقت الواقعة؟!

2- لماذا ذهبت إلى هناك؟!

3- هل ترافق رجالاً أحياناً، أم أن سمعتها أقرب إلى العذرية؟

من منظور المغتصب في الفيلم: لا يوجد اغتصاب في الأمر. لقد تبادلنا نظرات إعجاب، وتالياً كانت ترغبني جنسياً، وكلمة "لا" التي قالتها وقت الواقعة، لا تعكس أيّ جدية في الرفض. وهذه وجهة نظر ملايين المغتصبين والمتحرّشين في عالمنا حتى اليوم

كل ما سبق، قد يتركك بانطباعاتٍ مضمونها أن هذا فيلم تاريخي اجتماعي فحسب، لكنه في الحقيقة، وبفضل خبرات مخرجه ريدلي سكوت، يحمل أيضاً نزعة أكشن دموية، وتشويقاً، يجعلان الفيلم قادراً على جذب أغلب المتفرّجين الذكور إلى ملعبه، في مبارزةٍ فكرية، قد تدفعهم لمراجعة أنفسهم في عشرات الآراء والقضايا.

وعلى الرغم من شهرة أبطاله الذكور الثلاثة، وهم مات ديمون، وبن أفليك، وآدم درايفر، تنتهي مبارزة التمثيل لصالح الموهوبة جودي كومر، التي ستنضمّ مستقبلاً إلى فئة النجوم غالباً.


4- Last Night in Soho

الليلة الماضية في سوهو

تجري أحداث الفيلم في إطار رعب نفسي، وتحكي عن شابّة مراهقة تنتقل من الريف البريطاني إلى مدينة لندن، لمطاردة حلمها بالتحوّل إلى مصممة أزياء، لكنها تصطدم بتجربة غرائبية مرعبة متكررة، تعايش فيها ذكريات فتاةٍ أخرى، عاشت في المكان نفسه خلال الستينيات من القرن الماضي.

التشويق والغموض هما شعار هذا الفيلم الذي أخرجه إدجار رايت، لكن مع حلّ اللغز في النهاية، يجرّنا الفيلم إلى تساؤلاتٍ أخلاقية عديدة، عن التغرير بالقاصرات، والاستغلال الجنسي، وعن الثمن النفسي والعصبي الذي يمكن أن تدفعه امرأة واحدة طوال عمرها، أو المجتمع ككل، مقابل استمتاع أحدهم بهذه الأفعال.

مشهد من Last Night in Soho

تزداد فاعلية كل ما سبق، بفضل أداء البطلتين أنيا تايلور، وتوماسن ماكنزي، ومهارات إدجار رايت كمخرج، وعين مدير التصوير الكوري، تشونغ هون، التي صنعت للندن، تركيبة ألوانٍ منعشة جداً بصريّاً.


5- West Side Story

قصة الحيّ الغربي

يقتبس الفيلم الذي أخرجه ستيفن سبيلبرغ، أحداثه من مسرحية موسيقية بدأ عرضها عام 1957، وفيلم بالاسم نفسه، من إنتاج 1961. وكلاهما بدوره يقتبس الخطّ الأساسي للحبكة، من مسرحية روميو وجولييت، لشكسبير.

من فيلم West Side Story

لا تتوقف علاقة الفيلم بالمرأة عند بطلته ماريا، التي تواجه تسلّط أخيها، ورفضه لفكرة ارتباطها بشاب من عصابة المنافسين، لكنه يمدّ الخط درامياً أكثر فأكثر، مع شخصية آنيتا، التي تلعبها الممثلة أريانا ديبوس بمهارة، أرجّح أنها ستنال عنها قريباً ترشيحاً للأوسكار، كأفضل ممثلة مساعدة.

آنيتا، وفي أكثر لحظات الفيلم جنوناً، تصبح مجرّد محطة انتقام لمجموعةٍ من الشباب، وأداةً لإذلال العصابة المنافسة، على الرغم من أنها سلوكياً لم تؤذِ أحداً، وليست طرفاً في هذا الصراع الذكوري. وهي في ذلك، ربما خير معبِّرٍ عن ملايين النساء، اللواتي يدفعن في عالمنا ثمن حروب وصراعات، على الرغم من أنهنّ لَسْنَ من أشعلها.

هذه تيما درامية مهمة، في عملٍ من أفضل أفلام العام، يلامس الكثير من قضايا أخرى، وهو ما يمكن قراءة تفاصيل أكثر عنه، في مراجعة سابقة للفيلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard