الجنس في السينما المغربية... تسليع للجسد أم توظيف درامي؟

الجمعة 15 أكتوبر 202101:11 م

ثمّة علاقة ملتبسة بين المغاربة وكلّ ما يتعلّق بشؤون الجنس، فبقدر الحوادث المروّعة التي يعرفها البلد والتي ترتفع في بعض الأحيان إلى مستوى الفضائح، يرفض الجميع الخوض علناً في الأمر، ما يؤجّل كلّ نقاش جدّي يعود بهذه المشاكل إلى أصولها بهدف فهم الاتجاهات التي يتطور فيها الواقع المغربي.

ورغم ذلك لا يغادر الجنس (في تحقّقه المحرّم) الحياة اليومية في المغرب، وفي ظلّ الأشواك التي تُحصّن المسكوت عنه، تُراكم السّينما المغربية أفلاماً تحوم حول مواضيع الجسد أو تجعله حجر الأساس لقصصها. لكن منها ما نجح في الوصول إلى برّ الأمان عبر رؤية ومعالجة فنية، ومنها ما اكتفى بالجانب الصاخب من الموضوع، دون قصص قوية تتحرك عبر لغة السينما قبل لغة الجسد.  

عين الجمهور المتلصّصة

لا يمكن فهم حالتي النجاح والإخفاق اللتين طبعتا سعي الأفلام المغربية إلى توظيف الجنس ومراكمة المشاهد الساخنة دون فهم طباع الجمهور المغربي، فحالة إقبال المغاربة على المشاهد الجريئة في السينما، والبحث عن أفلام تتيح مشاهدة الأجساد العارية واللقطات الحميمية بين النجوم، كانت قاعدة معروفة، بدليل النجاح الذي حققته هذه الأفلام، أجنبية كانت أم عربية، في صالات السينما في المغرب.

ثمّة علاقة ملتبسة بين المغاربة وكلّ ما يتعلّق بشؤون الجنس، فبقدر الحوادث المروّعة التي يعرفها البلد والتي ترتفع في بعض الأحيان إلى مستوى الفضائح، يرفض الجميع الخوض علناً في الأمر، ما يؤجّل كلّ نقاش جدّي يعود بهذه المشاكل إلى أصولها

لذلك استغل الكثير من المخرجين هذه العين المتلصّصة التي يغويها كشف المُحرّمات، خاصة إذا كانت لصيقة بالواقع المغربي. وتوالت الأفلام التي أفصحت عن مواضيعها من خلالها عناوين موحية تخاطب هذا الجمهور بالتحديد، ويمكننا أن نذكر هنا: "حب في الدار البيضاء"، "الدار البيضاء باي نايت"، "حجاب الحب"، "الزين لي فيك"، "محاكمة امرأة"، "قصّة حب"، "جناح الهوى"... وهذا مؤشّر لا بد أن نصنّفه كلعبة تسويقية يعرف كلٌّ من المخرج والجمهور قواعدها.

النتيجة كذّبت المعايير الأخلاقية التي استندت إليها السينما في المغرب، فالأفلام التي تخوض في المحظور منذ "حب في الدار البيضاء" (1991) إلى "الزين لي فيك" (2015)، تنال حظّاً أكبر من المشاهدة، سواء في القاعات أو على شبكة الإنترنت، وهو توجّه سرّع أيضاً رسم ملامح فيلم مغربي تجاري جريء، مشكوك في معالجاته الفنية، لكنه حداثي ويريد أن يضع مرآة عاكسة أمام تشوهات المجتمع.

من فيلم "حب في الدار البيضاء"

قصص عن الجنس برؤى فنيّة

تُشكّل بداية التسعينات مرحلة مهمة لمقاربة موضوع الجنس في السينما المغربية، فهي ترسّخ أولاً الاتجاه الواقعي كشكل تعبيري سيترك أثره فيما سيأتي من أفلام، وتدشّن لتعقّب قصص المعذبين في جحيم المدن الكبرى -الدار البيضاء تحديداً- التي تدفع الناس إلى مصائر وقرارات قاسية. وهكذا افتتح فيلم "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع هذا العقد، مفاجِئاً المشاهد المغربي الذي لم يكن يتوقع ظهور قصّة محلية جريئة أمامه على الشاشة.
الفيلم ينزع عن الواقع المغربي عفّته ويُجمّد الزمن من أجل فهم حياة الناس في أحياء مدينة قاسية تتطور بسرعة مجنونة: تدور القصّة هنا حول سلوى، فتاة جميلة مقبلة على الحياة بلهفة، تقودها رغباتها المحتدمة إلى إقامة علاقة مع شاب اسمه نجيب، ثم علاقة ثانية مع رجل يكبرها سناً، عبد الجليل، ويجد فيها الاثنان سلوى وملاذاً للخروج من الوحدة، لكن في النهاية يتبين أن نجيب ليس سوى ابن عبد الجليل، وتنتهي هذه العلاقة بانتحار الابن، وبانفجار جدل حاد صاحب عرض الفيلم.

تُراكم السّينما المغربية أفلاماً تحوم حول مواضيع الجسد أو تجعله حجر الأساس لقصصها. لكن منها ما نجح في الوصول إلى برّ الأمان عبر رؤية ومعالجة فنية، ومنها ما اكتفى بالجانب الصاخب من الموضوع، دون قصص قوية تتحرك عبر لغة السينما قبل لغة الجسد

يقول عبد القادر لقطع إن القصة بدأت حين لاحظ في الثمانينيات تصرفاً شاذاً أصبح آنذاك نوعاً من الموضة، يتعلق بمحاولة رجال كهول التربص بتلميذات المعاهد الثانوية لمحاولة إغوائهن وإقامة علاقات معهن.

الأفلام اللاحقة كانت أكثر حذراً في التطرق إلى التابوهات وخلخلة الثوابت، وبدل الإثارة المجانية قدّمت اجتهادات مُلفتة لفهم الواقع المغربي، والتطرق للجنس عبر منظار فني. نلمس ذلك في فيلم "مكتوب" (1997)، باكورة أعمال نبيل عيوّش، الذي يقتحم موضوع الجرائم الجنسية التي قام بها مسؤولون كبار في الدولة، فقد عمد أفراد من جهاز الأمن المغربي لاختطاف النساء وتوثيق ذلك على أشرطة فيديو، في عهد الوزير الأسبق إدريس البصري.

يحاكي الفيلم بنَفس بوليسي تشويقي، قصة واقعية شهيرة لمفوض شرطة يدعى "الحاج ثابت" الذي اغتصب مئات النساء والفتيات ووثق ذلك على أشرطة مصورة. وقد اتهم فنانون مغاربة نبيل عيّوش بتعمّد الإثارة عبر التركيز على المشاهد الجنسية والألفاظ الفاحشة، بغرض الربح والشهرة، بعد أن حقق فيلم "مكتوب" رقماً قياسياً من حيث مبيعات التذاكر في المغرب.

إقبال المغاربة على المشاهد الجريئة في السينما، والبحث عن أفلام تتيح مشاهدة الأجساد العارية واللقطات الحميمية بين النجوم قاعدة معروفة بدليل النجاح الذي حققته هذه الأفلام، أجنبية كانت أم عربية، في صالات السينما في المغرب

مشاهد حميمية دون مواربة

الكثير من الأفلام التي حاولت محاكاة الواقع، أقحمت جسد المرأة بسطحية ودون تفسيرات درامية وأخفقت في توظيف الجسد جمالياً، منها من عبر امتحان الرقابة ومنها من مُنع من العرض بسبب الضجة المفتعَلة التي أثارها.

لكن مع مطلع الألفية الثانية، توجهت السينما نحو الجسد بخصوصية ملحوظة، تختلف عن السابق. على سبيل المثال جاء فيلم "الدار البيضاء باي نايت"، بقصّة مشحونة ومتوتّرة عن كلثوم، فتاة قاصر تسلك طريق الدعارة لليلة واحدة من أجل توفير مبلغ مالي لإجراء عملية جراحية لأخيها الأصغر، ما سيجعلها تعيش العديد من المغامرات وسط المدينة التي لا تنام، الدار البيضاء.

تبدأ خطواتها نحو الضياع والشارع لتحصل على المال، وتتشابك خطوط الحكاية بين مستغليها والمتعاطفين معها، حتى تتعرض للاغتصاب. ولكنها لا تبدي تأثراً كبيراً لما تعرضت له، طالما أنها حصلت على المال الذي لن يكون له أي جدوى فقد أُجريت العملية الجراحية لقلب أخيها على نفقة المشفى.

فيلم "لحظة ظلام" (2003)، لنبيل عيّوش، هو أوّل فيلم منعته الرقابة من العرض في الألفية الجديدة، بسبب "لقطات إباحية ومشاهد جنسية مثلية مكشوفة بين رجلين". نتعرف على كمال الرواي، وهو مفتش شرطة مثلي، يحقق في وفاة مهرّب مخدرات عُثر عليه ميتاً.

تُشكّل بداية التسعينات مرحلة مهمة لمقاربة موضوع الجنس في السينما المغربية، فهي ترسّخ أولاً الاتجاه الواقعي كشكل تعبيري سيترك أثره فيما سيأتي من أفلام، وتدشّن لتعقّب قصص المعذبين في جحيم المدن الكبرى -الدار البيضاء تحديداً- التي تدفع الناس إلى مصائر وقرارات قاسية

وخلال فترة التحقيق، يقيم كمال علاقة جنسية مع عشيقة الميت العابرة جنسياً، فتصير المشاهد الحميمية في الفيلم مركزيّة ومكرّرة حتى يفقد عيوش هنا نفسَه التشويقي الذي عرفناه في "مكتوب"، وقد هاجمته العديد من الصحف، تقرأ مثلاً:

" فيلم بورنوغرافي... يحاول المخرج المتغرب إسقاط الواقع الغربي الشاذ على الواقع المحلي المغربي، وذلك لتسويق بضاعته الشاذة عن الفن الإنساني الملتزم"، أما مهرجان مراكش فقد اشترط عليه حذف مشاهد من الفيلم كي يتم عرضه، لكنه رفض بدعوى أنها ضرورية في البناء الدرامي للفيلم

أمّا ليلى مراكشي، فقد أرادت أن تواجه المجتمع بصدامية. نيّتها المعلنة ظهرت في أوّل مشهد من فيلم "مارّوك" (2005) الذي افتتحه شاب وشابّة يمارسان الجنس داخل سيّارة، على مقربة من حارس يؤدي الصلاة.

الكثير من الأفلام المغربية  التي حاولت محاكاة الواقع، أقحمت جسد المرأة بسطحية ودون تفسيرات درامية وأخفقت في توظيف الجسد جمالياً، منها من عبر امتحان الرقابة ومنها من مُنع من العرض بسبب الضجة المفتعَلة التي أثارها

الصدامية المتعمّدة في الفيلم جعلته يحشد كل وسيلة تُبلغه هذه الغاية (كلام نابي، علاقة جنسية بين مسلمة ويهودي إلخ...) وقد كانت جلسة مناقشة الفيلم في الدورة الثامنة من المهرجان الوطني من أكثر الجلسات صخباً في تاريخ المهرجان. وفي النهاية مُنع الفيلم من العرض في القاعات المغربية، لكنه شوهد كثيراً في الخفاء.

عزيز السالمي يختار أيضاً التعبير الصريح عن الجسد، في "حجاب الحبّ"، من خلال تقديمه نماذج لخمس نساء، لكل واحدة منهن موقف معين من الحجاب، مشدداً على الحيرة والتذبذب بين الالتزام الديني والانفتاح على الحياة العصرية بمظاهرها الأوروبية.

خلق الفيلم صداماً مع التيار الإسلامي الذي كان صيته قد بدأ يسمع في وقت عرض الفيلم (2009) ولاقى انتقادات واسعة بسبب تناوله موضوع فتاة محجبة تقيم علاقة حب جارفة مع صديقها الذي يرفض أن يتزوجها بعد أن تحمل منه، فتقرر تربية طفلها وحيدة متحدية المجتمع وأعرافه. يقول السالمي مدافعاً عن فيلمه: "الجرأة في المغرب تتمثل في إبراز مفاتن امرأة عارية، لكن الجرأة الحقيقة هي أن تأخذ موقفاً وتدافع عنه. أن تناضل من أجل هدف في الحياة".

  في فيلم "جناح الهوى" لعبد الحيّ العراقي، تتصاعد وتيرة توظيف المشاهد الجنسية، وتدور أحداث الفيلم حول شخصية "التهامي"، الابن الوحيد لأسرة محافظة، تفشل في إقناعه بأن يصبح قاضياً مثل والده، لينتهي به المطاف إلى عالم الجزارة التي يجد فيها نفسه، خصوصاً أنها أيقظت رغباته الجنسية، بحكم ارتباطه بعدد من النساء اللواتي يرتدن محله. ويقيم التهامي علاقة بزينب، وهي الزوجة الثانية لعسكري متقاعد، ستصبح زوجته بعد قصة عشق مثيرة ستكلفه مقاطعة عائلته، وهجران الزوجة التي اختارها له والده.

وأخيراً يعود نبيل عيّوش للواجهة عبر فيلمه "الزين لي فيك" بجرأته في طرق موضوع الدعارة في المغرب. وحتى قبل أن يُعرض الفيلم داخل المغرب تعرض لحملة انتقادات قاسية، بلغت درجة المطالبة بسحب الجنسية وإعدام المخرج والممثلات والممثلين الذين ظهروا في مقاطع حميمة ساخنة.

صحيح أنّ الكثير من الأفلام المغربية شكّل مدخلاً مهماً لإثارة نقاش حول قوانين وظواهر وعادات ضحيتها في الغالب نساء وأطفال، لكنّ ردود فعل الجمهور خلال ثلاثين سنة من متابعته لهذه الأفلام، لا تشجّع على القول بأنها شكّلت قوة غيّرت تعاطي الناس مع موضوع الجسد

وإثر تسريب مقاطع من الفيلم من مهرجان كان، قررت السلطات منع عرضه داخل المغرب "نظراً لما تضمنه من إساءة أخلاقية جسيمة للقيم وللمرأة المغربية ومس صريح بصورة المغرب"، على حد عبارات البيان الرسمي. ويحكي الفيلم قصة أربع شابات يمتهن الدعارة في مراكش، تقذف بهن حياة الليل والبحث عن الزبائن ومحاولة إرضائهم إلى تصنّع الخفة وتحمل كل صنوف الذل.

نساء خلف الكاميرا

 في موجة أخرى تحرّكها مخرجات مغربيات، ترتفع درجة الاحتجاج مستهدفة ظواهر اجتماعية أو قوانين رجعية تقيّد النساء، لكن دونما مساس مباشر بموضوع الجنس. تتزعم نرجس النجار هذا التوجّه النسوي بفيلمها "العيون الجافّة" (2004)، وتدور قصّته حول حياة مجموعة من النساء اللواتي يعشن بمفردهن في قرية صغيرة منعزلة في جبال الأطلس، يدخلها الرجال فقط بهدف واحد هو ممارسة الجنس.

أما مريم بنمبارك في فيلم "صوفيا" (2018)، فتشتبك مباشرة مع الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، فصوفيا التي تكتشف أنها حامل بشكل متأخّر، تجد نفسها في مواجهة مستعجلة وغير متكافئة مع ثقل التقاليد وظلم القوانين الرجعية. وبالموازاة مع حكايتها، يرسم الفيلم صورة للمغرب الحالي عبر علاقات السلطة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

ولا يخرج فيلم " آدم" (2019) لمريم التوازني عن هذه الرؤية، فهو يحاكم الجميع في قصّة عن معاناة سامية التي لم تجد مكاناً تضع فيه مولودها، وبعد طرق الكثير من الأبواب يهف لها قلب أرملة تعيش مع ابنتها ذات العشر سنوات. كي تغير كل واحدة منهن حياة الأخرى، وتنشر سامية البهجة في البيت الجديد، الذي يصير قطعة من الجنة المعزولة عن العالم.

صحيح أنّ الكثير من هذه الأفلام شكّل مدخلاً مهماً لإثارة نقاش حول قوانين وظواهر وعادات ضحيتها في الغالب نساء وأطفال، لكنّ ردود فعل الجمهور خلال ثلاثين سنة من متابعته لهذه الأفلام، لا تشجّع على القول بأنها شكّلت قوة غيّرت تعاطي الناس مع موضوع الجسد. فالمغربي يرفض أن تأتيه العضة من فنّ لا زال مرتاباً بشأنه، وهي حالة ربّما تشرحها عبارة الباحثة مريم الشيخ "ما لا يقال فهو غير موجود".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard