"لا مكاناً آمناً للنساء في اليمن"... ناشطات يمنيات يواجهن الاعتقال والتعذيب ونظرة المجتمع

الأربعاء 14 يوليو 202105:11 م

"في منتصف الليل، فوجئت بأشخاص مسلحين يقتحمون منزلي. غطوا عينيّ وقيدوا يديّ. أخذوني مع رضيعتي، وفصلوني عن ابني ذي الأربعة عشر عاماً، ومن ليلتها لم أسمع عنه أي خبر. احتُجزتُ في أحد السجون السرية عاماً ونصف، حيث تعرضتُ لشتى أنواع الانتهاكات الجسدية والنفسية من التعذيب، بالصعق بالكهرباء، والضرب، والحبس الانفرادي، بالإضافة إلى الاغتصاب شبه المستمر، وبعدها نُقلتُ الى السجن المركزي في صنعاء".

"بعد أسبوع هناك، وبينما كنت نائمة، سمعت نساءً يزغردن. استيقظت من نومي لأشاهد مجموعة من الحارسات ‘الزينبيات’، وإحداهن تحمل وروداً. اقتربت مني، ووضعت عقداً من الفل على رقبتي، وقالت: مبارك يا أم الشهيد. استغربت وسألتها: من الشهيد؟ أجابت: ابنك البطل، استشهد في مأرب وهو يدافع عن الشرف والعزة والكرامة. بدأت بالبكاء والصراخ، وأنا أضرب نفسي بقوة. كيف ذهب ابني ليدافع عن الشرف، ومن يقاتل في صفوفهم هم من انتهكوا عرض أمه وشرفها؟".

في السنوات الأخيرة، تعرضت عشرات الناشطات اليمنيات للاعتقال التعسفي دون محاكمات والتعذيب الممنهج من قبل الحوثيين.

بهذه الكلمات روت اليمنية الثلاثونية سلمى قصتها لرصيف22، وهي تعمل مدرّسة رياضيات في صنعاء، مع من اعتقلوها من دون توجيه تهمة رسمية إليها، على خلفية نشاطها في الدعوة للخروج بـ"ثورة الجياع"، قبل ثلاثة أعوام. هي حكاية من سلسلة حكايات ناشطات يمنيات تعرضن للاعتقال التعسفي في السنوات الأخيرة من قِبل الحوثيين، وآخرهن انتصار الحمادي، عارضة الأزياء التي اعتقلت في شباط/ فبراير الفائت، وتحدثت تقارير في الأيام الماضية عن مواجهتها انتهاكات في السجن، ومحاكمة جائرة.


السجن أو العمل معنا

استخدم الحوثيون الاختطاف، والتشويه المتعمد لسمعة الناشطات اليمنيات، كسلاح لتخويفهن وإسكاتهنّ، خصوصاً بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وأحداث "ثورة الجياع" التي تصدرتها النساء احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية. لكن الأمر تطور، وبدأ الخاطفون بتوظيف الاختطافات للحصول على مبالغ مالية، واستخدام الناشطات في "شبكات دعارة" يستهدفون من خلالها شخصيات معارضة، وأخرى تابعة لهم لا يضمنون ولاءها الكامل.

سونيا صالح، ناشطة اجتماعية، كانت تعمل في مجال الإغاثة، ومن خلال حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، انتقدت بعض ممارسات الحوثيين، لتُختطف بينما كانت في طريقها لجلب أطفالها من أحد الأندية الرياضية في صنعاء، بداية عام 2019.

تروي سونيا لرصيف22 حكاية اختطافها: "توقفت لتعبئة سيارتي في محطة وقود، وفوجئت بجنود ملثمين، ومدرعات، يحاصرون المحطة، ويقطعون الطريق. أحاط الجنود بسيارتي من كل جانب، وأسلحتهم موجهة إلي، أنزلوني، وقيدوني، ووضعوا غطاء على عينيّ، وأخذوني".

تقول سونيا إنهم احتجزوها عشرة أيام في مقر الأمن القومي التابع للحوثيين، واتهموها بأنها على علاقة بشخصيات تتبع ما أسموه "العدوان"، وأنها خائنة للوطن، وطلبوا منها إن أرادت الإفراج عنها العمل معهم، مقابل امتيازات كثيرة.

بعد رفضها هذا الأمر، نُقلت سونيا إلى سجن سري تحت الأرض، وسمعتهم يقولون "نزلوها الضغاطة". قيدوا قدميها إلى يديها، وأدخلوها زنزانة مظلمة. تصف فترة احتجازها بقولها: "في الشهر الأول عُذبت باستخدام الماء البارد، والصعق بالكهرباء. كنت أشعر أن روحي تفارق جسدي مع كل صعقة، بالإضافة إلى الضرب المبرح الذي لم ينقطع طوال التحقيق، ناهيك عن الألفاظ البذيئة. في الشهر التالي، زادوا وتيرة التعذيب، وعلقوني على حديدة منصوبة على أحد الجدران. بدأوا بالتحقيق معي، ثم شعرت بيد تخلع عني ملابسي، وبشيء حاد يدخل إلى جسدي، بعدها أحسست بنار حارقة تدخل إلى بطني، كانت عبارة عن إبرة كبيرة، أو ما يسمونها بـ"المخيط"، ثقبوا بطني، وأدخلوها بين الجلد واللحم، كنت أصرخ وأبكي من شدة الألم، وأسمع نساءً من الغرف المجاورة يشاركنني البكاء".


قانون الغاب

استمر تعذيب سونيا وضربها، كما تروي، على الرغم من تقيح جروح بطنها وظهرها. وحين شكت من أن جروحها تعفنت، وبأنها ما عادت تتحمل الوجع، كان جوابهم: "موتي. لن يتغير شيء". بعد أربعة أشهر في الزنزانة الانفرادية، تقول سونيا إنها كانت تفقد وعيها، وما عادت تستطيع التمييز بين الليل والنهار، وبين الحقيقة والوهم.

"فوجئت ذات يوم بباب الزنزانة ينفتح، وبكلب كبير يدخل، وأحدهم يقول: هذه وجبتك لليوم، كلي وتهني. جلس الكلب قبالتي، ولم يحرك ساكناً. تمنيت أن يقترب مني لأحضنه، فمن شدة وحدتي كنت أريد أن استأنس بحضن أي كائن حي، لكنه لم يتحرك، وأنا لم أستطع الوصول إليه بسبب القيود والجروح. تركوه طوال الليل، وفي الصباح فوجئوا بأنه لم يلمسني، فقلت لهم: الكلب أرحم منكم".

استمر تعذيب سونيا وضربها على الرغم من تقيح جروحها. وحين شكت من أن جروحها تعفنت وأنها ما عادت تتحمل الوجع، كان جوابهم: "موتي. لن يتغير شيء". بعد أربعة أشهر في الزنزانة الانفرادية، كانت سونيا تفقد وعيها، وما عادت تستطيع تمييز الليل والنهار، والحقيقة والوهم

نُقلت سونيا بعدها إلى السجن المركزي في صنعاء، وطلبت عائلتها زيارتها، لكن إدارة السجن رفضت متعللة بتعليمات صارمة من الأمن القومي. "بعد وساطات من شيوخ ووجهاء قبليين، سمح وكيل السجن بقدوم أولادي الثلاثة، وما إن رأوني في زي السجن، والقيود، ورأوا حالتي الصحية المتدهورة، حتى صاحوا، وبكوا بصوت عالٍ. هممت باحتضانهم، لكن القيود أعاقتني، فأمر وكيل السجن بفكها، وحضنتهم، وكنا نبكي لا أدري فرحاً أو أسىً. المتواجدون كلهم بكوا معنا، وفي اليوم التالي أقيل الوكيل لأنه سمح بهذه الزيارة".

في السجن المركزي، حققوا مع سونيا وفق الاعترافات التي أخذوها منها بالإكراه، وطالب المحامي بعرضها على الطب الشرعي، وإطلاق سراحها، ولم يتم الأمر إلا بعد ستة أشهر، إذ هدفوا إلى أن تختفي آثار التعذيب عن جسدها، ودفعت عائلتها مليون ريال (2،000 دولار) للإفراج عنها، ونحو 7،500 دولار قبل ذلك لمعرفة مكان احتجازها، ونقلها إلى السجن المركزي. بعد شهرين خرجت، ووقعت على تعهد بالتوقف عن ممارسة أي نشاط، وعدم التكلم عما حصل لها، وأنه من حق الحوثيين إعادة اعتقالها متى شاؤوا إن خالفت التعهد، ثم غادرت البلاد بعد ذلك.


تعذيب لا يحتمل

ما حصل مع سونيا، من طريقة الاختطاف والاعتقال، وأساليب التعذيب، وأماكن الاحتجاز، وغياب الإجراءات القانونية، تكرر في معظم الشهادات التي وثقناها، مع اختلاف في بعض التفاصيل، والأخذ بعين الاعتبار أن لكل حالة خصوصيتها.

تحدثنا إلى نادية، وهي كانت تعمل كوافيرة نسائية في محافظة الحديدة، وكانت ناشطة على مواقع التواصل، واختطفت نهاية عام 2018 من مكان عملها، وأودعت في أحد السجون السرية، واتُهمت بالدعارة، والتخابر والتعاون مع العدوان.

تقول نادية لرصيف22، إنها لم تتحمل كمية التعذيب والانتهاكات التي تعرضت لها، خصوصاً الصعق بالكهرباء، فأصيبت بشلل نصفي من الشهر الأول للاعتقال، وعلى الرغم من إصابتها، لم يُفرج عنها، واستمر احتجازها شهوراً عدة من دون توفير الرعاية اللازمة لها. لم يستطع أهلها زيارتها، ولا معرفة مكانها، إلا عند صدور قرار الإفراج عنها، وفوجئت أسرتها عند رؤيتها وهي تخرج من باب السجن محمولة على كرسي متحرك.


الحوثيون وسجون النساء السرية

وفقاً لتقرير فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة الذي نُشر في أيلول/ سبتمبر 2020، احتجزت سلطات الحوثيين نحو 279 امرأةً وفتاةً، لم يتجاوز عمر بعضهن 14 عاماً، في خمسة مبانٍ سكنية على الأقل في صنعاء، كانت قد حولتها إلى سجون سرية، لفترات تراوحت بين شهر وتسعة أشهر، وبعضهن لفترات أطول بكثير، في الفترة بين كانون الأول/ ديسمبر 2017، وكانون الأول/ ديسمبر 2019.

واتُهمت المحتجزات زوراً، وفق التقرير، بممارسة البغاء، والفجور، ودعم التحالف، والانتماء إلى أطراف معادية. وأُخضعت المعتقلات من قبل محققين رجال، بمساعدة حارسات، للاستجواب، والتعذيب بالصعق بالكهرباء، والحرق، والضرب، وتعليقهن لفترات طويلة في أوضاع مؤلمة، والتهديد باغتصابهن وإجبارهن على التعري والعنف الجنسي، واستُخدم هذا كله، عمداً، لإذلالهن، ووصمهن، وإكراههن على الاعتراف بالاتهامات الباطلة.

وفقاً لتقرير فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة الذي نُشر في أيلول2020، احتجزت سلطات الحوثيين نحو 279 امرأةً وفتاةً، في خمسة مبانٍ سكنية على الأقل في صنعاء، كانت قد حولتها إلى سجون سرية، لفترات تراوحت بين شهر وتسعة أشهر، وبعضهن لفترات أطول بكثير

وأفاد التقرير بأن فريق الخبراء تحقق من أن أفراداً يتبعون لسلطات الحوثيين، اغتصبوا ست نساء، وصفن كيف أشار المحققون الذكور والحارسات الزينبيات، إلى أن "الاغتصاب تطهير لهن للتخلص من الخطايا، وإعادة تأهيل لسلوكهن غير الأخلاقي، ودعم للمجهود الحربي". وأضاف التقرير أن عمليات الاغتصاب حطمت إرادة بعض الناجيات، وأودت بهن إلى اليأس، وزادت من ميولهن إلى الانتحار، كما أن فريق الخبراء تلقى ادعاءات بوفاة امرأتين وفتاة، بعد تعرضهن للاغتصاب، أو الضرب، من قبل الحراس لمقاومة محاولات أخذهن.

علي الأنسي، وهو محامٍ وناشط حقوقي مطلع على قضايا النساء المعتقلات والمخفيات قسراً، ذكر في حديثه لرصيف22، أن الكثير من القضايا التي اتُهمت فيها نساء بالدعارة، والعمالة، وغيرها من التهم الكيدية، لم تصل إلى المحاكم، لعدم وجود أسس قانونية لها، وإن وصل بعضها فهي لا تصمد طويلاً، وتنهار من أول جلسة.

وأضاف الأنسي أن المحامين في حالات كثيرة، مُنعوا حتى من الاطلاع على ملفات القضايا، ما شكّل عائقاً أمام تأديتهم عملهم، وأن عدداً ليس بالقليل من المعتقلات، احتجزن في السجن المركزي أكثر من سنة من دون توجيه أي تهم لهن، أو محاكمتهن.


مجتمع لا يرحم

"عند خروجي من السجن، واجهت مجتمعاً يتقزز مني، لأني سجينة سابقة. رفض والد أبنائي السماح لي بأخذهم، لأني أصبحت خريجة سجون، مع أنه متأكد من أني سُجنتُ ظلماً. صديقات عمري، وجاراتي، قاطعنني، وعندما كنت أمشي في الشارع، كنت أرى نظرات احتقار واتهام. أحسستُ أني منبوذة، وتمنيت أن أجد أحداً يحتويني، ويطلب مني ألا أخاف، وأن الدنيا لا زالت بخير، وأن العالم لا يزال آمناً"، قالت سونيا في معرض حديثها عن تعامل المجتمع معها بعد خروجها من السجن، وأضافت: "عندما كنت أتحدث عن الاغتصابات والانتهاكات داخل السجون، كان المقربون مني يخبروني بألا أتفوه بكلمة، لأن هذا سيضر بسمعتي أكثر".

عند خروجي من السجن أحسستُ أني منبوذة، وتمنيت أن أجد أحداً يحتويني، ويطلب مني ألا أخاف.

تعتقد سونيا من خلال تجربتها، وأيضاً متابعتها لقضايا نساء أُخريات، بأن الحوثيين استهدفوا المرأة بشكل ممنهج عبر سياسات تلبي طموحاتهم في الدور الذي يريدون أن يحصروا المرأة اليمنية فيه؛ لذا عملوا على أدلجة المجتمع وتدجينه، ليتقبل الانتهاكات التي تُرتكب بحقها بصمت، وليباركها أيضاً، بحجة الحفاظ على أخلاق المجتمع وهويته الدينية.

الباحثة في الشأن اليمني في منظمة هيومن رايتس ووتش أفراح ناصر، ذكرت في حديثها مع رصيف22 أن قضايا النساء في اليمن من أصعب المواضيع التي يمكن تغطيتها وتوثيقها، وأرجعت السبب إلى "وصمة العار المهولة التي تلاحق النساء، والعواقب الاجتماعية والثقافية الوخيمة للمرأة إن تجرأت وتحدثت عن الانتهاكات التي تتعرض لها".

وأضافت: "تسبب هذا الأمر في تهميش قضايا النساء، وتغييب الانتهاكات التي تُمارس في حقهن، وجعلنا كباحثين لا نعرف حقيقة ما يجري، ومدى فداحة المأساة"، وأشارت إلى أن النظرة الدونية إلى النساء متأصلة في المجتمع اليمني حتى ما قبل الحرب.


لا مكاناً آمناً للنساء في اليمن

الكثير من الفتيات اللواتي تبرأت عائلاتهن منهن، تم احتضانهن واستقطابهن من قبل الحوثيين الذين دربوهن، وجندوهن، للعمل معهم. هذا ما أكدته إحدى السجينات السابقات، وذكرت لرصيف22 أن فتاتين كانتا برفقتها في السجن المركزي في صنعاء، ممن تم اختطافهن وتلفيق تُهم أخلاقية بحقهن، وعندما صدر قرار الإفراج عنهن، أتى إخوتهن لاستقبالهن. "بمجرد أن غادروا بوابة السجن، سمعنا إطلاق نار. عرفنا من الحراس أن هؤلاء الفتيات قُتلن من قبل عائلاتهن على مرأى الجميع ومسمعهم".

"ماكينة القمع في اليمن لا تكل ولا تمل. نشعر في هيومن رايتس ووتش بالصدمة من أن أطراف الصراع كلهم، اتفقوا على قمع النساء وقهرهن، حتى في المناطق التابعة للحكومة الشرعية. لا نبالغ عندما نقول إنه لا يوجد الآن في اليمن مكان نستطيع أن نصفه بالآمن بالنسبة للنساء"

يؤكد المحامي علي الأنسي على أنه تم نسيان العديد من النساء والفتيات المعتقلات في السجون، بعد تخلي أهاليهن عنهن، وعدم وجود جهات محلية أو منظمات دولية تتبنى متابعة قضاياهن، وحذر من تعرضهن لخطر الاستغلال الجنسي، أو التجنيد.

وتضيف أفراح ناصر أن الكثيرات من النساء المدافعات عن حقوق الإنسان في اليمن، يشتكين من عدم وجود برامج حماية تساعدهن على كشف الانتهاكات، والدفاع عن حقوق النساء الأُخريات، لعدم وجود أساس قوي يستطيع من خلاله المجتمع المدني خلق فرص بالتعاون مع المنظمات الدولية لمثل هذه البرامج والمشاريع.

وفي حين لا تزال سونيا وسلمي ونادية، وغيرهن الكثيرات، يعانين من تبعات الانتهاكات التي مُورست بحقهن، ويفتقدن الحماية اللازمة، تقول ناصر: "ماكينة القمع في اليمن لا تكل ولا تمل، ومستوى القمع بلغ مراحل جد خطيرة. نشعر في هيومن رايتس ووتش بالصدمة من أن أطراف الصراع كلهم، اتفقوا على قمع النساء وقهرهن، حتى في المناطق التابعة للحكومة الشرعية. لا نبالغ عندما نقول إنه لا يوجد الآن في اليمن مكان نستطيع أن نصفه بالآمن بالنسبة إلى النساء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard