"الحق بالجنس"... التراضي والرغبة وهرميّة الأجساد

الثلاثاء 9 نوفمبر 202101:01 م

عام 1972، لعبت ليندا لوف لانس بطولة فيلم "Deep throat" الذي تؤدي فيه دور امرأة تعاني من حالة طبية نادرة، تختصر بالتالي: بظرها موجود في حلقها الذي لم يصل إلى عمقه أي رجل، ما دفعها لزيارة طبيبها النفسي الذي يحاول "مساعدتها" للوصول إلى الرعشة.

وهذا ما يحصل، لتبدأ بعدها رحلة للبحث عن الشريك الأمثل القادر على إشباع رغباتها، المثير في فيلم "في عمق الحلق"، أنه ينتصر لرغبة المرأة باللذة، وحقها بالحصول بالوصول إليها، ناهيك عن كونه واحداً من أوائل الأفلام الإباحية التي تحوي حبكة وشخصيات تتطور وإنتاجاً محترماً، ليفتح الباب أمام ما يسمى بالـ"بورن الأنيق".

هذا المقال ليس عن الفيلم السابق، بل عن كتاب "الحق بالجنس" The Right to Sex: Feminism in the Twenty-First Century الذي صُنّف كـBest Seller من قبل صحيفة السانداي تايمز. الكتاب لآميا سرينيفاسان Amia Srinivasan، أستاذة النظرية السياسية والاجتماعيّة في جامعة أكسفورد، كلية All souls ، ولا يتناول النظرية النسويّة وموقفها من الجنس.

فهو محاولة لاكتشاف سياسات الممارسة الجنسيّة والتحرش والاغتصاب، ليس عبر رصد الأحداث المشينة والإجرامية فقط، بل عبر التركيز على أنواع "التراضي"، ومساءلة معنى موافقة الطرفين، وهل يمكن أن يُعتبر التحرّش والاغتصاب ممارسة جنسيّة، في حال موافقة الطرفين عليها؟

والأهم، يطرح سؤال ما هي الرغبة، وكيف نحررها من البنيان السياسي والثقافي الذي يحكمها؟ وهل تكفي الرغبة لإباحة ما لا يُباح؟

يستكشف الكتاب عبر الفصول الستة، سياقات ممارسة الجنس المُحرج، والمشين، والإشكاليّ، إذ تناقش الكاتبة الجنس البيروقراطيّ/ المؤسساتي، ذاك الذي يحصل بالتوافق داخل إطار العمل، أو ذاك الذي يحصل بين الطالب والأستاذ، ثم تناقش مطولاً العنف الناتج عن الاتهامات التي وجهت لها إثر صياغتها مصطلح "الحق بالجنس"، الذي تعلق عبره على حوادث إطلاق النار التي يقوم بها الرجال المحبطون جنسياً، وخصوصاً أن هذا المصطلح ردّت عليه بعض النسويات بقولهنّ: "الحق بالجنس يعني رخصة لاغتصاب الجميع".

ما هي الرغبة؟ وهل تكفي الرغبة لإباحة ما لا يُباح؟

في التراضي: ما الذي تعنيه "نعم" وما الذي تعنيه "لا"

تحاول الكاتبة أن تشرح لنا ماذا يعني "التراضي"، هل يكفي الإقرار اللفظي بين شخصين لإباحة الممارسة الجنسيّة؟ هنا نعود للمثال من الفيلم السابق: الطبيب النفسي وجد نفسه الشخص الأنسب والقادر على مساعدة المرأة ذات البظر في حلقها، لكن بالرغم من موافقتها و"رغبتها"، العلاقة هنا قائمة على أساس اختلافات في القوّة، نحن لسنا أمام شخصين متساويين، (هذا إن لم نشر في الحالات الواقعيّة إلى اللون والجنس واللغة والطبقة الاجتماعيّة) بل طبيب يعرف وامرأة تبحث، الأول يمتلك معارف تسعى المرأة إلى الوصول إليها، لا عبر فمها، بل عقلها.

ينسحب الأمر على الجنس في المكاتب بين الرؤساء والمرؤوسين، وبين الطلاب والأساتذة، بل وبين عاملات الجنس والزبائن، التراضي أو القبول على مضض.

في الكثير من الحالات السابقة يهدف إلى كسب أو يحمي من خسارة، خارج سياق أو إطار الرغبة المتبادلة، وهنا تستطرد الكاتبة في استعراض الأمثلة المتعددة التي تتحول فيها هذه الممارسة بالتراضي إلى أداة سياسية ومهنية قد تهدد مستقبل وسلامة أحد "المتعاقدين". 

بعض النسويات عن الجنس بين الطلاب والأساتذة بوصفه شكلاً من أشكال التعليم، ولكن كيف نقيم التراضي عندما تهدد مستقل أو سلامة أحد "المتعاقدين"؟

إذ تشير إلى اتهامات الاغتصاب الكاذبة الموجهة من النساء إلى الرجال، في ذات الوقت تشير أيضاً لدفاع بعض النسويات عن الجنس بين الطلاب والأساتذة بوصفه شكلاً من أشكال التعليم، والأهم، تركّز على عبارة "من يدّعي أن الرجال لا يعرفون ما يفعلون فهو يعيش إنكاراً تاماً"، في إشارة إلى عبارات التبرير التي تفيد بأن الرجال لا يستطيعون اكتشاف أو إدراك "العنف" فيما يقومون به، مشيرةً إلى أن التراضي ليس فقط لفظاً أو سياقاً، بل أيضاً وعياً بطبيعة العلاقة الجنسية، خصوصاً حين تتحول إلى تبادل سلعيّ أساسه "التعاقد" الذي يتجلى في الموافقة فقط كما في الحالات المؤسساتيّة.

في الرغبة: "الجنس ليس سندويشة"

تناقش الكاتبة في الفصل المعنون "الحديث مع طلابي عن البورنو"، طبيعة الأجساد التي تتحرك وترهز وتنكح على الشاشة، مستعرضةً الآراء التي تبيحه وتراه تحريراً للرغبة وتلك التي تراه مُهيناً واستغلالياً، والأهم، انتصاره الكليّ لعالم الرجال و مخيلتهم الاستمنائية، هنا يظهر أمامنا سيناريو الرغبة، أو أفق التوقعات الذي يرسمه البورنو للممارسة الجنسيّة وكيفية القيام بها، وهنا بالذات الإشكاليّة.

فالرغبة نعم بلا حدود، لكنها مُقنّنة في الوقع، وقائمة على أعراف تحدد أسلوب الممارسة وطرق الإشباع، لكن ما يتم تجاهله هو أن "قوة البورنوغرافيا تكمن بأنها تُمرّن من يشاهد، لا فقط تُعلّمه"، أي إلى جانب تحيّز الواقع وأعرافه، الشاشة نفسها تساهم في تشكيل سيناريو الرغبة التقليدي، الذي يُختزل بالصيغة الذكورية التالية: "اشلحي، مصّي، أحبّي المص، انتاكي، افتحي فمك"، هذه الصيغة التي تذكرها الكاتبة تكشف عن الثقل الأيديولوجي في البورنو.

لكنه بالنهاية لا يمكن محاربة أو إلغاء البورنو، حتى لو مُنع قانونياً، نحن في عالم رقمي بلا حدود، ناهيك أن البورنو خطاب وشكل من أشكال التعبير المحميّة، لكنه خطاب أدائي ذو أثر واقعي، لا بد من مساءلته وكسر الهالة المحيطة به، وهنا تظهر التساؤلات حول حقيقة الدعوات إلى "عزل" الرغبة عن التصنيفات الثقافية والسياسية التي يساهم البورن في وضعها.

لكن نحن أمام مساحة غامضة: ما هي الرغبة، وكيف نتتبعها وندللها دون أن نصل إلى حدود الجريمة وما لا يقبل اجتماعياً، والمتمثل بالتحرّش والاغتصاب والتحرّش بالأطفال؟ بالتالي، هل الحق بالجنس شأن واقعي؟ هل الجنس سندويشة يجب أن تكون مباحة للجميع؟ لا تجيب الكاتبة بوضوح عن هذا الأمر، لكنها تشير بصراحة إلى وقوفها ضد مبدأ إعادة توزيع الجنس والطبقية في ممارسته، أي ما هو مباح لفئة وغير مباح لفئة أخرى.

في الإدانة: هل من "مذنب" إن كان هناك تراض ورغبة مشبعة؟

تنهي الكاتبة أحد الفصول بحادثة من حياتها المهنيّة، تخبرنها أنها في إحدى الحفلات التي تحوي الأساتذة والطلاب الذين تخرجوا مؤخراً، غادر الأساتذة بعد أن "بدأ الطلاب بالجلوس على بعضهم"، في إشارة إلى أن الرسمية تلاشت ولعب الكحول دوره. نهاية هذه السهرة الواعية والحريصة تحوي أيضاً إشكاليات لا تشير لها الكاتبة، هي تجعل من كل فرد متمسكاً بدوره كأستاذ، طالب، طبيب، محام.

هذا الدور لا ينتهي بانتهاء التعاقد أو الدور المؤسساتي، بل يستمر "خارج أوقات الدوام"، نعلم أن هناك ذنباً حين "يكسر" أحدهم دوره حين ممارسة عمله المؤسساتي، أي الأستاذة والطالبة اللتان "تتواعدان" بينما أحدهما تصلح أوراق امتحانات الأخرى، شأن غير قانوني، أي هناك ذنب، لكن ماذا بعد أن تتخرج الطالبة؟

هل تبقى ممنوعة على أستاذتها إلى الأبد؟ كيف يتم تحديد اللحظة التي يتحرّر فيها الأستاذ من دوره كأستاذ، أو صاحب البنك من دوره كصاحب بنك يريد مواعدة موظفة لديه؟ الرغبة والتراضي لا تكفيان هنا، يبقى هناك عبء وإحراج لا يمكن تجاهله.

البحث عن البظر المفقود أو الانتصاب اللانهائي لن ينتهي، لتتحول الرغبة إلى تمرين لاكتشاف "المثير" في المباح والمتاح وإعادة قولبة الذات، كون الذات نفسها خاضعة لتصميم سياسي وثقافي مسبق

شبكات العلاقات والقوى الاجتماعية التي تشير لها الكاتبة على طول الكتاب، بناها رجال بيض رأسماليون، أي مهما تحركت المرأة ومهما حاول الرجل، هناك قنوات محددة، اقتصاد للسوائل من نوع ما، يحافظ على هرمية وطبقية الممارسة الجنسيّة.

هنا يمكن أن نفهم "الحق بالجنس" مرة أخرى، الأمر لا يتعلق بالقضايا الشائكة والاغتصاب والإحباط الذكوري من غياب الجنس، بل محاولة لتحرير الممارسة الجنسية من شبكة شديدة التعقيد، والتي تبدأ من سؤال ذاتي حول الرغبة ذاتها ومعناها وتحريرها على المستوى الجسدي الفردي، وتنتهي بالقوى الاجتماعية والسياسيّة التي تقسم وتصنّف والأهم، تضبط من يحق له أن "ينيك" من؟

نستخدم كلمة "ينيك" كون الكاتبة تركز عليها في الكتابة، وتشير إلى هرمية عرقية وطبقية، وكيفية تحرك فئاتها، هذه الهرميّة ترسم معالم الرغبة داخل جسد/مخيلة الفرد نفسه، في ذات الوقت، تبيح للبعض "تفريغها" و"تمنع" البعض من الحصول عليها.

الأمر أشبه بعبء وسعي دائم لتفادي الاتهام، أشبه برحلة دائمة واستكشاف مستمر، لكن بعكس الفيلم "في عمق الحلق"، الذي أشارت بطلته لاحقاً إلى تعرضها للاغتصاب عدة مرات أثناء التصوير.

البعض، وبكل بساطة، لن يصل، أو لن يتاح له، والبحث عن البظر المفقود أو الانتصاب اللانهائي لن ينتهي، لتتحول الرغبة هنا إلى تمرين لاكتشاف "المثير" في المباح والمتاح وإعادة قولبة الذات، كون الذات نفسها خاضعة لتصميم سياسي وثقافي مسبق، الأمر الذي لا الكاتبة ولا أي أحد، قادر على تحريره بصورته التي تضمن "تساوي" الجميع في "الحق بالجنس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard