"لم أشعر بأنني ضعيفة إلا عندما تعرضت للتحرش"... سوريات معيلات في لبنان يروين تجاربهنّ

السبت 13 نوفمبر 202102:03 م

تجلس يسرى أمام الفرن الذي تعمل فيه، تشعل سيجارتها، وتنظر إلى مساحة عزلتها التي ستُحرَم منها بعد أسبوع، بفعل تدهور الاقتصاد اللبناني، فالفرن سيغلَق، وستعود هي إلى منزلها للجلوس ساعاتٍ طويلة وحدها. تقول بعد الانتهاء من سيجارتها: "أخشى الراحة. لا أريد الجلوس والتفكير، سأبحث عن عمل مهما كان نوعه".

تعيش يسرى في عالمين منفصلين، تحاول تحقيق التوازن بينهما، عن طريق ملء وقتها بالعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً. عند كلّ فرصة، تتحدث عن الاغتصاب الذي تعرضت له قبل عامين، على طريق بلدة مجدل عنجر البقاعية، ولكن ليس للناس كلهم، فهي حذرة من وصول الخبر إلى عائلتها. "الأمر المثير للسخرية، أن الحادثة جرت عندما كنت عائدةً إلى المنزل بعد حضوري ندوةً حول التحرش والاغتصاب ضمن مخيم في برّ الياس، وكنت أجادل بأن المرأة بإمكانها تفادي الاغتصاب، وكأن القدر انتقم مني".

استقلّت يسرى سيارة أجرة لتصل إلى منزلها، ليغتصبها صاحب السيارة، وفي حوزته سلاح ناري، ويتركها على جانب الطريق. تواصلت السيدة مع فريق "عيون سورية" الذي يعمل في المجال الإغاثي ودعم العائلات اللاجئة، فأخذوها إلى المشفى، لتمر بمراحل من العلاج الجسدي والنفسي الطويلة، وإلى اليوم لا تستطيع النوم إلا باستخدام المهدّئات. وفي فترة لاحقة، تعرضت لتحرش من صاحب معمل كانت تعمل عنده.

تتابع يسرى حديثها لرصيف22، وهي تنظّف المخبز الفارغ: "تم التعامل معي وكأنني مصابة بمرض عقلي. لم أكن أعلم شيئاً عن الاغتصاب وآثاره، ولكن الأثر الأكبر هو وضعي النفسي اليوم. لا فكرة لديّ عن شكل حياتي بعد إقفال مكان عملي، وهو أكثر مكان يشكل لي الأمان في هذه البلاد".

الحرب واللجوء خلقا مجموعةً من النساء السوريات، خاصةً المعيلات والأرامل وزوجات المعتقلين منهن، اللواتي يتعرضن للعنف، والانتهاكات المتواصلة.

أيام العطلة بمثابة عذاب نفسي ليسرى، فهي غير قادرة على الوجود مع زوجها، أو أي رجل في مكان واحد. تعمل لفترات طويلة، وتختار نوعيةً مجهدة من الأعمال، كي تنام فوراً. لا شيء يؤنسها ويجعلها تختار البقاء سوى ابنها.

إحساس بعدم الأمان

تمثّل يسرى شريحةً من اللاجئات السوريات في لبنان، المعرّضات للانتهاكات الجنسية بمختلف أشكالها، فالحرب واللجوء خلقا مجموعةً من النساء، خاصةً المعيلات والأرامل وزوجات المعتقلين منهن، اللواتي يتعرضن للعنف، والانتهاكات المتواصلة، القانونية والجسدية والاقتصادية. وحسب إحصائيات أممية، تمثّل النساء والفتيات أكثر من نصف اللاجئين السوريين في لبنان، بينما 40% من العوائل اللاجئة تعيلها سيّدة.

بعد قدوم أمل إلى لبنان، وهي زوجة معتقل وأم لخمسة أبناء، قطنت في مناطق عدة قبل الاستقرار في مخيم للأرامل قرب مدينة زحلة، لكن وضعه تدهور بعد سحب الكفيل الكويتي مساعداته المالية، فاضطرت العديد من السيدات إلى المغادرة، ومنهن من عادت إلى سوريا على الرغم من خطورة الوضع هناك. أما أمل، فاختارت استئجار منزل.

تتحدث أمل لرصيف22، عن التحرش الجنسي الذي يشكّل أكبر مخاوفها في لبنان، وخصوصاً أن ابنتيها أصبحتا في سن المراهقة، وتعرّضتا لمواقف خطيرة في سن مبكرة، فالكبرى أصرّت على العمل برفقة أخيها في سوبر ماركت، وعلى الرغم من كبر سن صاحب المحل، ومعرفته الجيدة بالعائلة، لم يمتنع عن استدراج الطفلة إلى مستودع المحل، ومحاولة التحرش بها. وعند سؤالها إن كانت قد استشارت جهةً معينةً لمساعدة ابنتها؟ أجابت بالنفي، فهي لا تعلم مع من تتواصل، ولا تريد أن تسبب مشكلات لابنتها.

أما سلمى، وهي زوجة معتقل قُتل تحت التعذيب في سوريا، فقطنت عند وصولها في إلى لبنان، قبل خمس سنوات، في مخيمات عرسال، ثم استأجرت منزلاً قرب منزل أختها في القرية، وواجهت صعوباتٍ قانونيةً بسبب عدم امتلاكها وثائق تثبت وفاة الزوج، وتالياً هي لا تعامَل معاملة الأرامل بالنسبة إلى الجمعيات والمؤسسات، وتجد صعوباتٍ في استصدار أي وثيقة لأبنائها، بحكم غياب الزوج.

مرّت سلمى بتجربة قاسية، وأُجبرت على تغيير منزلها، بعد محاولات صاحب المنزل التحرش بها، سواء عن طريق الهاتف، أو الابتزاز بالطرد من المنزل. تقول لرصيف22: "ربما تكون الصعوبات التي أواجهها من ناحية تأمين معيشة أبنائي، أو تعاملي مع المحيط القاسي، صعبة جداً، ولكن لم أشعر بأنني ضعيفة، وأي شخص قادر على أذيتي، إلا عندما تم التحرّش بي".

استغلال زوجات المعتقلين

ينشط في لبنان أشخاص أغلبهم تابعون لجماعات أو أحزاب، ولهم علاقات مع جهات أمنية في سوريا. يقوم هؤلاء، أو أشخاص يعملون باسمهم، باستغلال ما تبقّى من أحلام زوجات المعتقلين اللواتي لا يعلمن خبراً عن أزواجهن، وآمالهن، وينشرون الشائعات حول قدرتهم على الوصول إلى معلومات عن الزوج، مقابل مبالغ مالية هائلة، وفي كثير من الأوقات يتم التحرش بالسيدة، أو اغتصابها، عندما تذهب إلى هذا الوسيط.

"ربما تكون الصعوبات التي أواجهها من ناحية تأمين معيشة أبنائي، أو تعاملي مع المحيط القاسي، صعبة جداً، ولكن لم أشعر بأنني ضعيفة، وأي شخص قادر على أذيتي، إلا عندما تم التحرّش بي"

تحاول أمل إلى اليوم أن تحافظ على صورتها كامرأة قوية وواثقة، أمام أبنائها، لئلا يشعروا بالضعف، مما يجعلها تتكتم على العديد من المواقف التي حصلت معها، إذ تعرضت لابتزاز جنسي عندما ذهبت برفقة وسيط ليصلها بشخص قيادي في حزب الله، سيجلب على حد قوله معلومات عن زوجها، مقابل مبلغ مالي، وحاول الوسيط أن يتحرش بها داخل السيارة، فرمت نفسها من الباب، وقال لها: "من يريد الحصول على معلومات، عليه أن يقدّم أكثر. هل تظنين أن المعلومة بلا مقابل؟".

لا تستطيع أمل تقديم شكوى، إذ تعدّ الدخول إلى مخفر الشرطة خطراً عليها، بسبب عدم حيازتها أوراقاً رسمية، كما أن الشخص الذي كانت تتعامل معه لا تستطيع الشرطة الوصول إليه، أو محاسبته. لذا فالذهاب إليهم سيكون بلا جدوى.

محاولات لخلق حيّز من الأمان

في عام 2014، تأسست مخيمات مخصصة للأرامل، كمحاولة لخلق مساحة من الأمان لهنّ ولعائلاتهن، ولكن اليوم بدأت تتدهور أوضاع هذه المخيمات، وتغلَق، نتيجة الأزمة الاقتصادية.

تقول أمل عن مخيم الأرامل: "كنا ننظّم أمورنا وحدنا، من دون تدخّل أي رجل غريب، ونساند بعضنا، حتى أن ‘شاويشة’ المخيم كانت من أوائل النساء اللواتي اختُرن لإدارته، ما خلق بيئةً مريحةً لنا".

التقى رصيف22، أم حسين، وهي سيدة تعيش في مخيم للأرامل في قرية العمرية، تأسس عام 2014 بتمويل من جمعية "إحياء التراث" الكويتية، ويضم ما يقارب خمسين أرملةً، وأبنائهن، ويتبدل سكانه دورياً في حال تزوّجت إحدى السيدات، أو عندما يصبح أبناؤها في سن الرشد.

"كنت محظوظةً بإقامتي ضمن المخيم، فعلى الرغم من ضيق الأحوال، إلا أن حالنا أفضل في مجتمعنا الصغير. النسوة كلهن هنا يخشين الرحيل، فالأمان الذي نشعر به لا نستطيع الحصول عليه في الخارج، بالإضافة إلى الراحة النفسية، بعيداً عن ضغوط المجتمع الذي يسيء إلى الأرملة".

اليوم، هذه المخيمات في خطر متزايد، نتيجة فساد بعض الجمعيات، وحالات السرقة التي تتعرض لها العائلات المقيمة هناك. كذلك، هناك حالات أغلق فيها الجيش اللبناني مخيمات الأرامل، مثل ذاك الذي كان في الدلهمية، وكان يضم ثماني عائلات فقط، بحجة خلقهم مشكلات في المنطقة، فأُجبرت العائلات على اللجوء إلى مخيمات أخرى، لكنها أكبر، وتعاني من اكتظاظٍ، ومن صعوبة الحصول على الموارد الأساسية.

ضغط اجتماعي

يمارس المحيط الاجتماعي للنساء، انتهاكات إضافية بحقهن، إذ توجَّه أصابع الاتهام إليهن إذا ما تعرّضن لأي تحرش أو اغتصاب. تقول يسرى: "كنت أريد الإفصاح عن الاغتصاب الذي تعرضت له لزوجي، وأفراد أسرته، وكانوا يتحدثون عن شجاعة فتاة رمت نفسها من السيارة، وماتت كي لا يتم التحرش بها. لكن كيف سأتكلم وهم يفضّلون موت المرأة على أن يدنَّس شرفها؟".

وكلما كانت السيدة من فئة اجتماعية أكثر ضعفاً، ازداد ثقل المحيط الاجتماعي عليها، ففي حالات الأرامل والمعيلات، نراهن دوماً في حالة من التجنّب والحذر تجاه محيطهن الاجتماعي، فهو يسيطر على جوانب حياتهن كلها. تقول أمل: "مهما فعلنا، فنحن لا نسلم من الانتقادات. ألا يكفي أنني أعيل أسرتي وحدي؟ خرجت من المخيم بسبب هذه الانتقادات والنظرات إلي، وإلى أبنائي، لأنني امرأة عاملة، واليوم أعيش في منزل مستأجر، إلا أنني حذرة في التعامل مع محيطي، وأشعر بأن الجميع ينتظرون أي فعل منّي، ليطلقوا أحكاماً واتهامات".

وتخبرنا سيدات أخريات بأن نظرة النساء إليهن هي دوماً الأقسى، فهن يرتبن منهن، ويخشين على أبنائهن أو أزواجهن من سعي الأرامل للزواج، من دون تقدير لصعوبة حياتهن.

تتساءل العديد من السيدات، في أثناء مناقشة موضوع التحرش الجنسي: "أين أذهب؟ ومن أخبر بما حدث معي؟".

خدمات للناجيات والمعرّضات للخطر

تتساءل العديد من السيدات، في أثناء مناقشة موضوع التحرش الجنسي: "أين أذهب؟ ومن أخبر بما حدث معي؟". العديد منهن أجمعن على أنه من الأنسب التكتم على الموضوع، بسبب نقصان الأمان الاجتماعي. كما أن العديد من النساء لم يسمعن عن الجمعيات المعنية بحقوق المرأة، ونسبة قليلة منهن لديهن معرفة ببعض البرامج، وخصوصاً المتعلقة بالدعم النفسي والاجتماعي والحماية.

يُعدّ تعرّض السيدات لأي انتهاك جسدي، أو نفسي، جانباً أساسياً لعمل عدد من الجمعيات والمؤسسات في لبنان، ومنها مؤسسة "أبعاد" التي تعمل على دعم المساواة بين الجنسين، ودعم مشاركة المرأة وتمكينها، من خلال تطوير السياسات والتعديلات القانونية، وترى أن أي انتهاك يمس النساء على الأراضي اللبنانية، يصب في لبّ أهدافها كمؤسسة، وتخصص برامج عدة لمساندة الناجيات من التحرش، أو الاغتصاب، ودعمهن، بغض النظر عن جنسيتهن.

يتمثل الدعم الذي تقدّمه "أبعاد" للسيدات، من خلال برنامجين أساسيين يندرجان ضمن نطاق الحماية، تحدثت عنهما لمى جرادي، المشرفة التقنية على برامج الدعم النفسي الاجتماعي: "البرنامج الأكبر هو برنامج المساحة الآمنة الذي يتيح عبر مراكز منتشرة في مختلف المناطق، مساحةً من الحرية للسيدات، مما يمكّنهن من مشاركة قصصهن، والحديث عن ظروفهن، وما تعرّضن له من انتهاكات".

تشرح لنا لمى عن وضع الحالات الخاصة، وكيف تتعامل معها "أبعاد"، إذ تقدّم خدمات فردية للناجيات، أو المعرّضات للخطر، فتتكفل بإحالة السيدة إلى أخصائية نفسية اجتماعية، وتقديم الاستشارة، وفي بعض الحالات يمكن أن تستفيد السيدات من الاستشارة القانونية.

أما البرنامج الثاني، فهو مشروع الدار الذي يؤمّن مكاناً آمناً مؤقتاً للسيدات اللواتي يتعرضن لخطرٍ يهدد سلامتهن، مع أطفالهن.

"كنت أريد الإفصاح عن الاغتصاب الذي تعرضت له لزوجي، وأفراد أسرته، وكانوا يتحدثون عن شجاعة فتاة رمت نفسها من السيارة، وماتت كي لا يتم التحرش بها. لكن كيف سأتكلم وهم يفضّلون موت المرأة على أن يدنَّس شرفها؟"

وتضيف لمى أن "أبعاد" تدير برنامجاً خاصاً لحالات الاغتصاب، فيكون التعامل معها مكثّفاً ومستعجلاً، حسب الحالة، عن طريق تقديم إرشادات، منها اللجوء إلى المؤسسات بمدة أقصاها خمسة أيام بعد وقوع الحادث، وغيرها من التعليمات التي تساهم في حماية صحة الضحية من جهة، وقد تساعد في ملاحقة المجرم من جهة أخرى، بالإضافة إلى تذكير النساء بضرورة عدم الاستحمام، والبقاء في الملابس نفسها، كي يستطيع الطبيب الشرعي الحصول على أي دليل عن المجرم.

بدورها، تملك مؤسسة "النساء الآن"، مراكز للمساحة الآمنة، وتقيم دورات مستمرة لتمكين المرأة ودعمها، ولديها نظام حماية خاص بالحالات التي تعرضت لانتهاكات، إلا أنه وفي خضم فوضى اللجوء، وقسوته، لا تستطيع غالبية النساء الوصول إلى هذه النشاطات، ولا تملك فئة كبيرة منهن الجرأة للخروج عن سطوة محيطها، والتوجّه إلى جهةٍ تحمي حقوقهن.

وتملك كل من "أبعاد" و"النساء الآن" خطوطاً ساخنة مفعّلة على مدار الساعة، للاستجابة للحالات الطارئة.

خوف وآمال ضئيلة

"أصبحت لديّ قناعة تامة بأنني السبب، لعله مظهري، على الرغم من كوني تقليديةً في طريقة اختيار الملابس، ولكني اليوم لا أستطيع إلا لوم نفسي".

"عندما جرّبت العلاج، أو الدعم النفسي، كان الكل يقول لي إنني أستطيع نسيان ما حصل معي، ولكن كيف أنسى؟".

ربما كان من أصعب المواقف التي واجهتني خلال مقابلة يسرى، إلقاؤها اللوم على نفسها، على الرغم من مرور عامين على الانتهاك الذي تعرضت له. فبعد مرورها بجلسات دعم نفسي، وعلاج، إلا أنها إلى اليوم لا تزال تنظر إلى ما حصل بشكل سلبي، وهي مدركة تماماً أن نظرتها هذه، سببها الضغط الذي تعيشه، واضطرارها إلى التكتم على الجريمة التي وقعت ضحيتها.

"عندما جرّبت العلاج، أو الدعم النفسي، كان الكل يقول لي إنني أستطيع نسيان ما حصل معي، ولكن كيف أنسى؟".

لا يتوقف الانتهاك الذي تتعرض له السيدات عند الاغتصاب، فهو مجرد فعل، ولكن يشمل أيضاً ما ينطوي عليه من انتهاكات متوالية تؤثّر على صحتهن الجسدية والنفسية، ومنها الخوف من الأمن وعناصر الشرطة، أو رعب الترحيل الذي يمنع العديد منهن من الاقتراب من أي مركز أمني، وهاجسه، بالإضافة إلى الخوف من المحيط الاجتماعي.

تتشارك النساء المعيلات أرق الانتظار. ليس بإمكانهن التعامل مع حياتهن كلاجئات على أنها واقع ثابت، فهن يعيشن على عدّ لبنان محطة توقّف تستنفذ كل ما يملكنه من طاقة، وأغلبهن يأملن بالسفر عن طريق إعادة التوطين إلى مكان آخر، قد يستعدن فيه ما فقدنه خلال هذه الرحلة. تقول يسرى: "أعيش اليوم في انتظار أن أسافر إلى دولة أوروبية، فقط لكي أخبر زوجي بما حصل معي، في مكان أعلم أنه لا يستطيع أن يؤذيني فيه، أنا وابني، وإن لم يتقبّل وضعي، فله حرية الرحيل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard