بين التنميط والتجاهل... كيف خذلتنا السينما الروائية في مكافحة عمالة الأطفال؟

السبت 12 يونيو 202101:26 م

يوجد طفل من كل عشرة أطفال في العالم في سوق العمل.

الكثير من هؤلاء يعمل بدوام كامل، وأكثر من نصفهم يعمل في بيئات خطرة، أو يعاني من الاستعباد وغيره من أشكال العمل الجبري والأنشطة غير المشروعة، مثل تهريب المخدرات والدعارة والتورط في النزاعات المسلحة.

تحتلّ أفريقيا المرتبة الأولى في عدد الضحايا بـ 72 مليون طفل، وتأتي منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المرتبة الثانية بـ 62 مليون طفل. وطبقاً للتقديرات، يوجد في مناطق أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ معاً ما يصل إلى 9 من كل 10 أطفال مصنّفين ضمن ظاهرة عمالة الأطفال.

الإحصائيات والأرقام المرعبة السابقة مصدرها منظمة الأمم المتحدة، وهي مجرد نبذة سريعة. الأسوأ أن الحروب والهجرات التي عصفت في السنوات الأخيرة بكثير من دول هذه المناطق، والأزمات الاقتصادية الناتجة عن وباء كورونا، تعني أن عدد ضحايا عمالة الأطفال مرشّح للزيادة للأسف.

السينما الروائية مقصّرة في معالجة قضية عمالة الأطفال كماً وكيفاً، والمحتوى الخاص بها أغلبه وثائقي.

يُصنّف عمل الأطفال الذي يحظره القانون الدولي إلى 3 أنواع:

1- الرقّ والاتجار بالبشر، وكافة أشكال العمل الجبري بغرض استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة والدعارة والأعمال الإباحية والأنشطة غير المشروعة.

2- العمل الذي يؤديه طفل دون الحد الأدنى للسن المشترط لهذا العمل بالذات طبقاً للقوانين الدولية، والعمل الذي من شأنه إعاقة تعليم الطفل.

3- العمل الذي يهدّد الصحة الجسدية والنفسية للطفل بسبب طبيعته، أو بسبب الظروف التي يُنفذ فيها، أو ما يعرف بمصطلح "العمل الخطر".

في ضوء كل ما سبق، يسهل توقع وجود قائمة طويلة لأفلام مهمة ومؤثرة عن عمالة الأطفال، لكن العكس صحيح للأسف. السينما الروائية مقصّرة في هذه القضية كماً وكيفاً، والمحتوى الخاص بها أغلبه وثائقي، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن الأسباب.


السينما الأمريكية والأوروبية

1- تجاوزت أغلب المجتمعات الغربية مشكلة عمالة الأطفال منذ عقود، بفضل الأعراف الاجتماعية التي تناهضها والقوانين والمواثيق التي تمنعها. وبالتالي لم تعد الخطورة قائمة فعلياً، مقارنة بمشاكل وأخطار أخرى تهدد أطفال هذه المجتمعات، مثل العنف المنزلي والتحرّش.

2- ضغوط الصوابية السياسية في السنوات الأخيرة، خلقت قلقاً لدى فناني الغرب بخصوص مناقشة عمالة الأطفال وغيرها من السلبيات في المجتمعات الأخرى، بعد أن أصبح من الوارد تعرّضهم لاتهامات، مثل العنصرية والتنميط والإسلاموفوبيا والاستعلاء الثقافي والعرقي.

ينقلنا هذا للتساؤل: ما الذي يقدمه صناع السينما في الدول المنكوبة بمعدلات عمالة أطفال عالية إذن؟


السينما الهندية

نظرياً، تبدو الهند كأكبر محطة منطقية لصناعة أفلام قوية عن هذه القضية. من ناحية لأنها بلد فقير تجاوز عدد سكانه المليار، ويعاني من انتشار عمالة الأطفال بين الجنسين، ومن ناحية أخرى لأنها بلد غزير الإنتاج سينمائياً.

رغم هذا تسود السطحية أغلب الأفلام التي تناولت القضية، لدرجة يمكن معها اتهامها بأنها ابتذلتها وجعلتها مجرد فقرة ابتزاز عاطفي، وهي نقطة منسجمة جداً مع سينما تميل إلى التنميط، وتتحرّك دوماً بمنهج "امنح الجمهور كل شيء" في نفس الفيلم: رقص، غناء، حب، صداقة، قصص عن تضحيات الأبوين، كوميديا، ميلودراما، انتقام، ثأر وأكشن.

الطريف هنا أن العمل الأكثر نضوجاً وشهرة والذي لامس مأساة عمالة واستغلال الأطفال في الهند، واحتوى أيضاً على جينات أفلامها، لم يكن من صناعة بوليوود، بل كان الفيلم البريطاني "مليونير متشرد Slumdog Millionaire" الذي أخرجه داني بويل عام 2008، واكتسح الأوسكار بإجمالي 8 جوائز. وفيه نتابع شاباً هندياً أثناء استضافته في برنامج "من يربح المليون"، ونشاهد بطريقة الفلاش باك مراحل طفولته، التي تضمنت تشرداً وانخراطاً في جرائم سرقة.

لا يبدو الفيلم كعمل مخصص بشكل رئيسي عن مأساة عمالة الأطفال، لكنه يلامس القضية بشكل فعّال، وينسج خيوط هذه المأساة بنفس أسباب تجذّرها في الهند، وعلى رأسها الإنجاب وسط الطبقات الفقيرة، والصراعات الدينية والعرقية التي تنشر الخراب.

على ذكر "مليونير متشرد" يمكننا أن نتساءل: هل تسهل صناعة مشروع كهذا اليوم في أوروبا وأمريكا على يد مخرج أوروبي أبيض البشرة، أم أن الرفض هو الأقرب، بسبب تفاقم حساسيات الصوابية السياسية، واحتمالات التعرّض لتهم الاستعلاء الثقافي والعرقي؟

تسود السطحية أغلب الأفلام الهندية التي تناولت قضية عمالة الأطفال، لدرجة يمكن معها اتهامها بأنها ابتذلتها وجعلتها مجرد فقرة ابتزاز عاطفي، وهي نقطة منسجمة جداً مع سينما تميل إلى التنميط، وتتحرّك دوماً بمنهج "امنح الجمهور كل شيء"

السينما العربية - لبنان

أشهر الأعمال العربية التي تناولت القضية في السنوات الأخيرة، هو بالتأكيد "كفر ناحوم" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي، خاصة بعد أن حصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، وترشّح أيضاً للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي.

الأزمة الرئيسية فيه هي الازدحام. نتحدث عن عمل مكدس بقضايا مثل الفقر والبطالة والسلطوية وزواج القاصرات والاتجار بالبشر وتشرد الأطفال، دون وجود تسلسل درامي فعّال بينها. وكأن نادين لبكي أرادت تقديم عمل لا تفوته أي قضية تجذب الأضواء إعلامياً.

رغم هذا العيب، ورغم كل الانتقادات لحبكة "إقامة طفل دعوى ضد أهله الفقراء بسبب إنجابهم له وإهماله"، وعدم صياغتها بشكل مقنع فنياً في الفيلم، تظل هذه الحبكة أجمل وأنضج ما في "كفر ناحوم" فكرياً، لأنها رصاصة مباشرة على واحد من الأسباب الأساسية في معاناة ملايين الأطفال.

لوم الفيلم للفقراء على التكاثر غير المسؤول، هو إدانة مطلوبة في مجتمعاتنا، مقارنة بمنهج الطبطبة المتوارث في دوائرنا الثقافية والفنية، التي صنّفت الفقير كضحية وكلّ من حوله جُناة، لدرجة اعتبار البعض أن مطالبة الفقراء بتحديد النسل هو تمييز لصالح الأثرياء. بينما في الحقيقة هي مطالبة إنسانية ضرورية حتى لا يتوسع نطاق الفقر، وتنتقل المعاناة لضحايا آخرين. ولا ننكر هنا أهمية الإضاءة سينمائياً أيضاً على دور الحكومات في مساعدة هذه الفئات على الحد من النسل، إضافة لتهيئة ظروف ومعطيات تساعدهم في الخروج من دائرة الفقر.


السينما العربية - مصر

شهدت السينما المصرية منذ بداياتها ملامسات لهذه القضية، وهو شيء منطقي لصنّاع فنّ في مجتمع ضمن موروثاته الإنجاب بكثرة، بسبب كون الزراعة النشاط الرئيسي على مدار قرون، ومتصالح تاريخياً وثقافياً مع عمالة الأطفال. وهو التصالح الذي انتقل لاحقاً لأنشطة أخرى تخصّ المدن، مثل الخدمة في البيوت والعمل في الورش وأنشطة البناء.

الطريف هنا أن التجارب السينمائية الأقدم قد تكون هي الأنضج فكرياً. في فيلم "أولاد الشوارع" مثلاً، الذي ألّفه وأخرجه يوسف وهبي عام 1951، توجد نظرة شمولية للمأساة من حيث تعدد وترابط الأسباب، رغم احتفاظ الفيلم بعناصر بدائية بمعايير اليوم، مثل الصبغة المسرحية الخطابية على الحوار والأداء التمثيلي.

رغم هذا، لم تتطور النظرة السينمائية لمأساة عمالة الأطفال بشكل ملموس، وتوارثت السينما المصرية لعقود قالباً مكرراً، وحبكة ثابتة ملخصها بالتسلسل: أسرة مهملة، ينتج عن ذلك أطفال الشارع ثمّ انخراط في التسوّل أو الجريمة أو الدعارة.

ما سبق نموذج لا يمكن إنكار وجوده، لكن في المقابل تتجاهل السينما المصرية عادة النموذج الآخر الأكثر انتشاراً، والمحرك الرئيسي لبعض الأسر الفقيرة في مواصلة الإنجاب بكثرة وتجاهل التعليم، وهو الطفل الذي يحقق عائداً مادياً منتظماً لأسرته، بالعمل مبكراً في الورش وأنشطة البناء وخلافه.

توجد نظرة استعلائية من صناع هذه الأفلام، تعكس جهلاً معرفياً بخصوص جدوى عمل الأطفال مادياً، لأن أغلب أفلام السينما المصرية في آخر عقدين أو ثلاثة، لا تزال تقدم الطفل ضحية العمالة المبكرة، كطفل لا يملك حتى قوته اليومي، بينما يخبرنا الواقع الحالي أن هذا غير صحيح.

الجريمة الأكبر في تناول عمالة الأطفال باعتبارها مأساة عندما ينتج عنها أضرار، كالتعرّض لضرب أو تحرّش أو اغتصاب، بينما في الحقيقة هي مأساة حتى مع غياب ما سبق، لأنها تسرق من الطفل أبسط حقوقه، كتعلّم القراءة والكتابة، والاستمتاع بمساحة المرح واللهو والاكتشاف

أهالي هؤلاء الأطفال يعتبرون الإنجاب استثماراً مباشراً ومضموناً، لأن الطفل يتحول فعلاً لمصدر دخل يومي لأسرته، بمجرد انتقاله للمرحلة المسماه بـ "صنايعي"، في أوائل سن المراهقة. وبالتالي نحن نتحدث عن دورة سريعة ومختلفة عن نموذج التعليم الجامعي، الذي يحتاج معه ابن الطبقة المتوسطة لإنفاق متواصل على مدار 20 سنة على الأقل.

تجاهل هذا الواقع وإصرار السينما المصرية على الاحتفاظ بمنظور عتيق عن القضية يعكس سذاجة، ويدفعنا للتساؤل: إذا كنت كمؤلف أو مخرج غير قادر على استيعاب أبسط وأوضح معطيات السلوك الذي ينتج عنه ظاهرة عمالة الأطفال في مجتمعك، لماذا تتوهّم إذن أنه يمكنك تقديم عمل مهم عنها؟

الجريمة الأكبر كانت تناول عمالة الأطفال، باعتبارها مأساة عندما ينتج عنها أضرار، مثل التعرّض لضرب مبرّح أو تحرّش أو اغتصاب، بينما في الحقيقة هي مأساة حتى مع غياب ما سبق، لأنها تسرق من الطفل أبسط حقوقه، وهي تعلّم أساسيات مثل القراءة والكتابة، والاستمتاع بمساحة مرح ولهو واكتشاف في طفولته.

هذا التناول يجعل أيضاً الجاني الرئيسي دوماً، هو الشخص الذي يسلب الطفل حقوقه بتشغيله أو الاعتداء عليه، بينما يبقى الأهل الذين أنجبوا الطفل ضمن خانة الضحية فقط. وهنا تقول الرسالة النهائية بأن المشكلة ليست في تكاثر مستديم لفئات غير قادرة على توفير أساسيات الحياة لأولادها، أو محاولة خلق تحسن في مستوى الدخل قبل الإنجاب، وإنما في أخلاق الآخرين حولهم.

سؤال ختامي أرجّح أن البعض سأله أثناء القراءة، وهو: لماذا تجاهلت كناقد السينما الوثائقية واخترت الحديث عن الروائية فقط؟ والإجابة تكمن في اعتقادي بأن هذه الأخيرة هي الأقدر على الوصول للفئات التي تحتاج إلى توعية حول ظاهرة عمالة الأطفال، وهي وحدها التي قد تكون الأداة الفعّالة لإحداث حراك وتغير سلوكي ملموس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard