"حاخلّف تاني وتالت والرزق على الله"... مصريون/ات يرغبون في إنجاب المزيد

الأحد 25 أكتوبر 202003:45 م

في زمن كورونا المثير للهلع، الزيادة السكانية والأعباء الاقتصادية، لا تزال زوجات في مصر يترددن على مراكز وعيادات علاج تأخر الإنجاب، رغم أن بعضهن غير محرومات من الأمومة، فقد سبق لهن الإنجاب، وهو ما يثير الدهشة والتساؤل في ظل ظروف اقتصادية متردية تعيشها البلاد، ووسط حملات حكومية تحذر من مخاطر فيروس كوفيد 19 خلال أشهر الحمل الأولى، إلا أنهن قررن المخاطرة وتكرار تجربة الإنجاب للمرة الثانية أو الثالثة.

"أريد أخاً لابني"

في غرفة الانتظار بأحد مراكز علاج تأخر الإنجاب، في وسط القاهرة، تجلس إيمان إبراهيم في مقعدها تنتظر دورها، تقول لرصيف22 إنها تزوجت في سن متأخرة وأنجبت طفلها الأول بعد عام من الزواج، وبعد بلوغه نحو العامين، استعدت للحمل من جديد، وامتنعت عن استعمال وسيلة منع الحمل التي كانت تستخدمها، لتستقبل أخاً أو أختاً لطفلها الوحيد. لكن الأمر لم يحدث سريعاً، ولم يحدث الحمل بشكل طبيعي حتى بلغت الأربعين من عمرها، الأمر الذي أصابها بالخوف والاكتئاب.

وتابعت إيمان، التي تعمل موظفة في أحد البنوك: "أريد أن أنجب أخاً لابني حتى لا يكون وحيداً في هذا العالم، وأخشى أن يسرقني العمر وتصبح فرصة الإنجاب مرة ثانية مستحيلة. كل هذه الأسباب دفعتني لتجاهل سيل الأخبار السلبية والمخيفة التي تبثها وزارة الصحة عبر وسائل الإعلام، والتي تنصح بتجنب الإنجاب في زمن كورونا".

"زوجي يريد الذكر"

ونحن على مشارف الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، لا زال هناك أزواج يعتبرون إنجاب البنات أمراً مشيناً، ويظل حلم إنجاب الذكر قائماً حتى لو اضطر الرجل لتطليق زوجته أو الزواج مرة أخرى، وهنا يبدو جلياً فشل خطاب المساواة بين الذكر والأنثى، وعدم جدوى الحديث عن تحقيق الفتيات نجاحا باهراً في كافة المجالات. تلك الثقافة الرجعية هي التي حولت حياة رحاب أحمد، ربة منزل، إلى جحيم وشجار دائم، بسبب رغبة زوجها في إنجاب الولد.

تقول رحاب التي تبيع منتجات وأدوات منزلية عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لمساعدة زوجها في توفير نفقات المعيشة: "لدي طفلتان، لكن علاقتي بزوجي متوترة للغاية، والمشكلات معه لا تنتهي بسبب رغبته في إنجاب الولد".

تقول رحاب إن زوجها فقد وظيفته بسبب ظروف كورونا، ووضعنا المادي صعب، لكنه لم يتراجع عن رغبته في إنجاب المزيد، ليحصل على الذكر، مردداً: "كل طفل يأتي برزقه"

واستطردت لرصيف22: "كنت أنوي الاكتفاء بطفلين، نظراً للحياة الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، ولكن ضيق زوجي المستمر لعدم إنجاب الولد، جعلني أبحث عن أي وسيلة لإرضائه والحفاظ على بيتي وأسرتي من الانهيار، خاصة وأنه حاول كثيراً إقناعي بالأمر، وبعد رضوخي مؤخراً، فوجئت بأن الحمل لم يحدث بشكل طبيعي، فذهبت للطبيب لمعرفة سبب التأخر".

تقول رحاب إن زوجها فقد وظيفته بسبب ظروف كورونا، لكنه لم يتراجع عن رغبته في إنجاب الذكر، مردداً المقولة المصرية: "كل طفل يأتي برزقه".

وحول المخاوف المنطقية، التي تواجه الراغبات في الحمل في الفترة الحالية بسبب كورونا، أجابت قائلة: "كلّه على الله".

أما زينب، التي تقترب زينب من الخمسين، وتسكن في الجيزة جنوب القاهرة، فلها 5 أبناء أنجبتهم من زوجها الأول، أكبرهم في السابعة عشر، ولكنها تزوجت مرة ثانية منذ ما يقرب العامين، وتريد أن يكون لزوجها الذي يصغرها بعدة سنوات، أبناء منها، خاصة وأنها زوجته الأولى.

وحول قدرتها على تدبير نفقات أبنائها، أبدت اعتراضها على التساؤل، قائلة بغضب: "إنه أمر لا ينبغي التطرق إليه، فالله هو الرزاق، وليس للعبد حيلة في رزقه".

"الله هو الرزاق، وليس للعبد حيلة في رزقه".

العادات والتقاليد الخاصة بإنجاب أكثر من ثلاثة أطفال، وربما عشرة، تعتبر أمراً عادياً في صعيد مصر وبعض المحافظات الحدودية، حيث للعرف سطوة كبيرة على حياة الناس، والمرأة المتزوجة من رجل ينتمي لتلك المناطق، سواء كانت تقيم في الصعيد أو القاهرة، لن تنجح في فرض ثقافتها والاكتفاء بطفلين أو ثلاثة، وهو الأمر الذي وقعت ضحيته ربة المنزل فاطمة شديد، تسكن في حي الدقي بالقاهرة، فلدى كل واحد من أخوة زوجها أكثر من ثلاثة أبناء.

تقول فاطمة لرصيف22: "رغم أن زوجي من الصعيد، لكني قررت تنظيم النسل والاكتفاء بطفلين، لكن حماتي وإخوة زوجي وأخواته يمارسون ضغوطاً كبيرة علي، ويسمعونني كلمات تؤذيني عن الإيمان بقدوم الرزق من الله والعزوة، ويوجهون لوماً عنيفاً لزوجي لعدم إنجابه أطفالاً آخرين".

وتضيف فاطمة: "مساندة زوجي لي في البداية، دعمه لموقفي ووصف تعليقات أسرته بأنها سخيفة، ساعدني على تجاوز هذا الأمر، لكنه في النهاية رضخ لتوسلاتهم، وطلب مني بشكل مباشر ضرورة إنجاب طفل ثالث. الغريب في الأمر أن الحمل لم يحدث، حتى بعد الامتناع عن وسائل المنع، وهنا اضطررت لإجراء كشف طبي في أحد المراكز المتخصصة لمعرفة سبب التأخير وعلاجه، رغم قلقي الدائم من عدم قدرتنا أنا وزوجي على تحمل مصروفات طفل ثالث، والالتزام بتعليمه بشكل جيد".

"الإنجاب المتكرر مقامرة"

الزيادة المتوقعة في أعداد المواليد في مصر في الأشهر المقبلة، حسب ما أكدته سحر عبد العال حامد، استشارية النساء والتوليد والعقم، تتراوح ما بين 20% و25%، كنتيجة مباشرة لانتشار كورونا الذي أجبر الجميع على عدم الخروج والجلوس في المنازل عدد ساعات أكبر، وبالتالي زيادة ممارسة العلاقة الحميمة بين الأزواج، وفي المقابل توقفت النساء عن تناول وسائل منع الحمل بسبب الخوف من النزول إلى الوحدات الصحية والمستشفيات، خوفاً من انتقال العدوى.

ولفتت عبد العالم إلى أن أعداد الراغبين في الإنجاب لم تتأثر من قريب أو بعيد بكورونا، وأن أعداد المترددين عليها من الراغبات في الحمل وعلاج العقم لم تتراجع عما قبل كورونا، وأن الراغبات في الحمل لم يلتفتن لتحذيرات المؤسسات الرسمية الصحية والإعلامية من الإنجاب خلال الفترة الحالية، واصفة رغبة النساء وأزواجهم بأنها "مقامرة، تغلبت على كل صيحات التحذير، وجعلتهم لا يقيمون وزناً لما يسمعونه أو يرونه، تحت وطأة العادات والتقاليد البالية، كإنجاب الذكر أو إنجاب أكثر من طفل".

استشارية النساء والتوليد قالت لرصيف22 إن وزارة الصحة المصرية حددت ثلاثة مخاطر تتعرض لها المرأة الحامل، وهي ضعف مناعتها ما يجعلها أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا، بالإضافة لعدم معرفة تأثير كوفيد 19 على الجنين، والخوف من أن تؤدي الحمى، التي تعتبر أحد أعراض الفيروس المستجد، لتشوهات خلقية لدى الجنين.

وشددت عبد العال على ضرورة توعية المواطنين بأهمية تحديد النسل، ليس فقط بسبب كورونا، ولكن بسبب الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع تكلفة متطلبات المعيشة، حتى يتسنى تربية الأبناء بشكل لائق.

"وتيرة الإنجاب غير منضبطة"

عمرو حسن، مقرر المجلس القومي للسكان السابق، وأستاذ مساعد لقسم النساء والتوليد والعقم بالقصر العيني، علّق على رغبة البعض في إنجاب المزيد من الأبناء، قائلاً: "إصرار بعض الآباء والأمهات على الإنجاب أكثر من مرة أو مرتين، نوع من الجهل وغياب الوعي بشكل مطلق، وبشكل خاص في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وتبعات انتشار فيروس كورونا المستجد".

ويرى حسن وتيرة الإنجاب في مصر متسارعة وغير منضبطة، وأن عدد المواليد يفوق إمكانيات الدولة ومواردها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الفقر، الجهل، الأمية، ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، عمالة الأطفال وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ويضيف حسن لرصيف22: "زيادة الإنجاب تسببت في ظاهرة مثل التقزّم، التي انتشرت مؤخراً في مصر بسبب الفقر وسوء التغذية التي يتعرض لها الأطفال، خاصة في مراحل مبكرة من أعمارهم".

"حماتي وإخوة زوجي وأخواته يمارسون ضغوطاً كبيرة عليّ، ويسمعونني كلمات تؤذيني عن الإيمان بقدوم الرزق من الله، والعزوة، ويوجّهون لوماً عنيفاً لزوجي لعدم إنجابه أطفالاً آخرين"

وتابع حسن: "الإنجاب المتكرر يؤثر سلباً على صحة المرأة ومظهرها بشكل عام، وقد يجعلها تبدو أكبر من عمرها، الأمر الذي يؤدي إلى ابتعاد زوجها عنها والبحث عن أخرى، خاصة أن العادات المصرية تؤكد أن الرجل يفضل الست العفيّة، القوية والنشيطة".

وأشار حسن إلى أن الإنجاب المتكرر يكون سبباً أيضاً في عدم إعطاء الأبناء حقوقهم بالشكل المناسب، سواء كانت تعليمية، تربوية أو غيرها من الحقوق التي تجعل منهم أشخاصاً أسوياء نافعين للمجتمع.

وشدد حسن على أهمية الإنفاق على برامج تنظيم الأسرة لمواجهة المفاهيم الخاطئة والثقافة المتخلفة، وخلق مجتمع واع وقادر على التقدم، مشدداً على أن كل جنيه تنفقه الدولة على تنظيم الأسرة يوفر لها 151.7 جنيهاً، بحسب دراسة حديثة أجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية.

"الزيادة السكانية تشكل ضغطاً على ميزانية الدولة ومواردها الطبيعية".

واستطرد حسن: "كان من المخطط أن يصل عدد السكان في مصر، خلال العام 2020 إلى 94 مليون نسمة، وفي الواقع بلغ التعداد 101 مليون نسمة في أكتوبر الحالي، أي بزيادة بلغت 7 ملايين نسمة عما كان مخططاً له، وكان من المخطط أن يصل التعداد السكاني في مصر 2030 إلى 110 مليون نسمة، ولكن التوقعات الحالية تشير إلى أن عدد السكان سيصل إلى 119 مليون نسمة بحلول 2030، بزيادة 9 مليون نسمة، الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً على ميزانية الدولة ومواردها الطبيعية".

وأضاف: "إذا ما قارنا مصر بدولة مثل إيطاليا، نجد أن معدل الزيادة السكانية في مصر 7 أضعاف إيطاليا، وأكثر من 5 أضعاف إنجلترا و7 أضعاف ألمانيا".

ووفقاً لمكتب المراجع السكانية، فإن مصر ستصبح من أكثر 7 دول تحقق زيادة سكانية خلال الفترة من 2018 إلى 2050، وسيقفز ترتيبها عالمياً من حيث عدد السكان من المركز الـ 14 إلى المركز 11.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard