"كما لو أننا سجناء"... عن عمالة الأطفال السوريين اللاجئين في تركيا

الثلاثاء 25 مايو 202110:45 ص

الحرب الدائرة في سوريا، والتي أثقلت كاهل السوريين، أجبرت عدداً كبيراً من الأسر على الهروب إلى تركيا، أو إرسال أطفالهم للعمل فيها. هؤلاء الأطفال الذين يعملون بشكل غير قانوني، من دون تراخيص أو أذونات عمل، ولساعاتٍ طويلة، وبأجورٍ زهيدة، يعانون من الاضطهاد الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم.

في الـ26 من نيسان/ أبريل الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حظر كامل في جميع الولايات التركية، بدءاً من 29 نيسان، حتى 17 أيار/ مايو، وذلك بسبب تنامٍ كبير في مستوى الإصابات بفيروس كورونا خلال شهري آذار/ مارس ونيسان في البلاد. هذا الحظر انعكست نتائجه بشكل سلبي على العمالة السورية هناك، من أطفال وكبار، وخصوصاً الذين يعملون مياومين.

في ظل هذه الظروف، أصبحت غالبية الأطفال السوريين العاملين في تركيا بين خيارين أحلاهما مر: إما البقاء في المعامل بشكل كامل والعمل لساعاتٍ طويلة طوال مدة الحظر، وبأجور تكاد لا تكفيهم، أو فصلهم من العمل من دون القدرة على المطالبة بأي تعويض.

"كما لو أننا سجناء"

بعيون يملؤها الحزن والأسى، يتحدث سامر* من ريف حلب الشمالي، والذي يبلغ من العمر 15 عاماً، عن تجربته المريرة في العمل في مدينة بورصة التركية.

يعمل سامر منذ ستة أشهر في ورشة لخياطة الألبسة لسلسة متاجر "بيم" BIM الشهيرة. المسؤول المباشر عنه سوري الجنسية، وعقب إعلان الحظر، خيّره بين البقاء في الورشة ليلاً نهاراً، أو ترك العمل. يقول لرصيف22: "بعد إعلان الرئيس التركي عن الحظر الكامل في تركيا، وأثناء تبديلي ثياب العمل للخروج من الورشة، طلب منّي المسؤول عن عملي البقاء في الورشة طيلة أيام الحظر، لتغطية احتياجات السوق، أو ترك العمل".

حاجة سامر الماسّة إلى العمل لتأمين مصاريفه في تركيا، وكذلك مصاريف والده المعوّق وإخوته الثلاثة الأصغر منه سنّاً، أجبرته على القبول بهذا العرض. يكمل سامر: "فكرت في العرض المطروح، وتذكرت إخوتي الذين لا معيل لهم غيري، فأنا أكبرهم ووالدي مريض ومقعد على كرسي متحرك، لذا وافقت مرغماً".

ظروف البقاء في المعامل التي فرضها الحظر الكامل هي أشبه بالسجن. يقول سامر: "لا يُسمح لنا بالخروج من الورشة أبداً لأنه في حال خرجنا، يمكن أن يرانا البوليس (الشرطة)، ويعاقَب صاحب العمل لوجودنا في الورشة بشكل غير قانوني. لذا نحن مجبرون على البقاء في الورشة كما لو أننا سجناء".

وعن صعوبات العمل يقول سامر: "المسؤول عني، وعلى الرغم من أنه سوري، إلا أنه يحمّلني ما لا طاقة لي عليه. وعلى الرغم من أن جسمي ضعيف ونحيل، فهو يجعلني أحمل الشحنات الكبيرة والأوزان الثقيلة من اللباس الجاهز للشحن بلا شفقة، بالإضافة أيضاً إلى أنني أعمل أحياناً أكثر من أربع ساعاتٍ إضافية من دون مقابل، بحجة ضغط العمل. وفي حال تعبت وطلبت منه استراحةً يبدأ بالصراخ عليّ، ويهددني بالفصل من العمل".

معظم العمال السوريين، وخاصةً الأطفال، تتم المماطلة في تسديد رواتبهم المستحقة، وأحياناً لا تُعطى لهم، وذلك جرّاء جشع أصحاب المعامل والورشات وطمعهم، وعدم وجود إطار قانوني لعملهم وحمايتهم. يكمل سامر: "عندما أطلب منه راتبي الشهري، يماطل بإعطائه لي، وأحياناً يحسم أياماً عدة منه، وذلك بحجة أن العمل والتسويق تضررا خلال الحظر، ويقول لي: هذا راتبك، وفي حال لم يعجبك اترك العمل".

يقطن توفيق* الذي يبلغ من العمر 13 عاماً، ويتحدر من مدينة حماة، في سكن شبابي مع ثمانية أشخاص، في منطقة إسنيورت في مدينة إسطنبول، وكان يعمل في معمل للشوكولاته. مرّ عليه الحظر الشامل الأخير بأسوأ فصوله، إذ طُرد من العمل في 27 نيسان/ أبريل، بعد يوم واحد من سريان الحظر، بسبب عدم موافقته على البقاء خلاله في المعمل.

"لا يُسمح لنا بالخروج من الورشة أبداً لأنه في حال خرجنا، يمكن أن يرانا البوليس (الشرطة)، ويعاقَب صاحب العمل لوجودنا في الورشة بشكل غير قانوني. لذا نحن مجبرون على البقاء في الورشة كما لو أننا سجناء"

يقول توفيق لرصيف22: "كل يوم أنقل ما لا يقلّ عن ألف سطل شوكولاته سعة 900 غرام من مكان التعبئة، لأغلقه بإحكام، ثم أنقله إلى مكان التجهيز للشحن، وهذا العمل يتطلب منّي وقتاً وجهداً كبيرين، لكن مديري المباشر يعاملني كأنني عبد عنده، ويطلب منّي العمل بوتيرة أسرع مستخدماً مصطلحاته التركية ‘هايدي هايدي تشابوك تشابوك’، والتي تعني (يالله يالله أسرع أسرع) من دون أن يشعر بتعبي، وفي حال مرضي كان يحسم اليوم الذي أمرض فيه من راتبي، وذلك لأنني لا أملك تأميناً صحياً، أو إذن عمل، وعندما طلب منّي البقاء خلال الحظر الكامل، رفضت وجرّاء ذلك طردني من العمل، وكانت لي عنده بقية أجور مستحقة لأسبوع، وهي 300 ليرة تركية، أي ما يعادل تقريباً 36 دولاراً أمريكياً لم يعطني إياها".

وتشير المحامية والناشطة الحقوقية المقيمة في غازي عينتاب علياء العلواني إلى أنه "لا توجد تقديرات دقيقة لعدد الأطفال السوريين العاملين في تركيا لأن تقدير العدد يحتاج إلى استبيانات وأبحاث موسعة، ولكن عدة مصادر حقوقية معنية بشؤون اللاجئين السوريين تقدّر عددهم بعشرات الآلاف".

صعاب التهريب

تتركز العمالة بشكل أساسي في تركيا في ثلاث مدن رئيسية، وهي إسطنبول وبورصة وغازي عينتاب، وتُعدّ هذه المدن الرئة الاقتصادية لتركيا، وتضم مئات آلاف المعامل والورشات وتستقطب العمالة بشكل كبير إليها.

قسم كبير من الأطفال السوريين الذين يعملون في هذه المدن تحمّلوا صعاب التهريب عبر الحدود السورية التركية، ليصلوا إليها، ودفعوا مبالغ مادية تصل إلى 600 دولار أمريكي عن الشخص الواحد أو أكثر، ويسلكون طريقاً لا يخلو من الصعوبات بين حدود البلدين.

قدِم أحمد*، ويبلغ من العمر 18 عاماً من ريف إدلب الجنوبي إلى تركيا، عام 2019، وحيداً من دون عائلته. يروي لرصيف22 تفاصيل تهريبه إلى تركيا: "كنا 12 شخصاً، بينهم أربعة شبّان، والبقية أعمارهم تتراوح بين 13 و16 عاماً، أمضينا عشر ساعات مشياً في الجبال الفاصلة بين سوريا وتركيا، حتى وصلنا إلى قرية حدودية داخل تركيا، ثم نُقلنا بسياراتٍ كلٌّ إلى وجهته، وأنا استقليت سيارة وُجهتها النهائية إسطنبول، ودفعت للمهرّب 600 دولار أمريكي لقاء ذلك".

يكمل أحمد: "وصلت إلى مدينة بورصة التركية فجراً ونزلت هنالك، وانتقلت إلى سكن شبابي يقطن فيه 14 شخصاً من جميع الأعمار، وفي اليوم التالي ذهبت للعمل في معمل للمنظّفات براتب 1500 ليرة تركية، وكنت أعمل 12 ساعة يومياً في المعمل، وأعطّل يوم الأحد فقط، متعرضاً للأبخرة الكيميائية للمنظّفات، من دون أخذ الاحتياطات اللازمة للوقاية منها، ومعرفة خطورتها، لأُصاب لاحقاً بالتهاب رئوي حاد، وعندما ذهبت لأتعالج في مستشفى حكومي في المدينة، لم يتم قبولي بسبب عدم حصولي على بطاقة الحماية المؤقتة للاجئين السوريين (الكيملك)، لأضطر للذهاب والعلاج في مستشفى خاص، وأدفع كل ما جنيته في عملي في المنظّفات".

"المسؤول عني، وعلى الرغم من أنه سوري، إلا أنه يحمّلني ما لا طاقة لي عليه. وعلى الرغم من أن جسمي ضعيف ونحيل، فهو يجعلني أحمل الشحنات الكبيرة والأوزان الثقيلة من اللباس الجاهز للشحن بلا شفقة"

جرّاء الإصابة بالمرض الرئوي، اضطر أحمد إلى ترك العمل والانتقال إلى عمل آخر لا يقل صعوبة عنه، ولكن بتلوث أقلّ كما يقول: "تركت العمل عقب الالتهاب الرئوي الذي أصابني، وانتقلت إلى العمل في ورشة لصناعة الأحذية، براتب أقل وهو 1300 ليرة تركية، وبعمل شاقٍ ومتعب يصل إلى 13 ساعة يومياً، وبعد أن عملت فيها لمدة أربعة أشهر، ومن أجل تحصيل أقل الحقوق المجانية لي كلاجئ في تركيا، وهي بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك)، تواصلت مع أحد السماسرة في المدينة، وطلب منّي مبلغ 2500 ليرة تركية من أجل استخراجها لي، وهكذا أضعت كل ما جنيته من عملي الثاني طوال الأربعة أشهر للحصول على حق طبيعي من حقوقي كلاجئ في تركيا".

ويحتاج اللاجئ السوري إلى بطاقة كيملك أو جواز سفر عليه ختم دخول إلى تركيا كي لا توقفه دورية للشرطة أو حاجز للجندرما وكي لا يرحّل إلى سوريا لدخوله بصفة غير شرعية أو لوجوده على أراضيها بشكل غير قانوني.

ويأخذ السوريون الذين يصلون إلى تركيا بشكل غير قانوني دوراً في دائرة الهجرة التركية لاستخراج الكيميك والذي أصبح استخراجه بعد عام 2018 صعباً جداً، ويصدر في ولايات محددة مثل أورفا وأضنة.

وفي حالة العائلات، يمكن استخراج الكيملك بشكل مجاني ولكن بصعوبة وبعد انتظار في طوابير طويلة تحت المطر أو تحت الشمس الحارقة، في عملية تأخذ حوالي ثلاثة أشهر. أما في حالة الأفراد، فصار أخذ موعد للحصول على البطاقة يتطلب سمساراً له علاقة مع دائرة الهجرة، ويدفع اللاجئ له مبلغاً يتراوح بين 300 و700 دولار أمريكي.

وبحسب علياء العلواني، لا يفرّق القانون التركي بين الأتراك والأجانب المقيمين على أراضي تركيا. وفي ما يخص عمالة الأطفال، تشير إلى أن القانون التركي رقم 4857 يفرّق بين الشخص الذي بلغ عمره 14 عاماً ولم يكمل الـ15 عاماً، وبين الشخص الذي أكمل الـ15 عاما ولم يكمل الـ18 عاماً، من حيث ساعات العمل المسموح بها له، وينص بوضوح على أن شروط عمل الطفل يجب أن تراعي حالته النفسية والصحية والأمنية، وعلى أن ساعات عمله يجب ألا تتعارض مع إكماله دراسته.

كما تنص المادة 117 من القانون الجزائي على أن صاحب العمل الذي يستغلّ طفلاً يعاقَب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة مادية. كما تنص المادة 80 من نفس القانون على أنه في حال إجبار طفل على العمل ونقله أو احتجازه وانقطاعه عن المدرسة يصير الفعل إتجاراً بالبشر وتكون عقوبته السجن من ثماني سنوات إلى 12 سنة، مع غرامة مادية أيضاً.

يقطن وليد* ذو الـ17 عاماً مع عائلته في ولاية غازي عينتاب، حيث وصل مع عائلته من ريف دمشق تهريباً إلى تركيا عام 2020، واضطر للعمل في معمل للنسيج في المدينة، من أجل سداد ديونهم العائلية المترتبة عن تكاليف دخولهم تهريباً، بالإضافة إلى تحصيل مصروفهم الشهري في مدينة غازي عينتاب.

يقول وليد لرصيف22: "قدِمت مع عائلتي تهريباً إلى تركيا، واستقرّينا في ولاية غازي عينتاب، والدي يعمل على بسطة صغيرة لبيع الإكسسوارات، لا تكاد تغطّي إيجار المنزل، فاضطرتني المصاريف الكبيرة والديون المترتبة علينا إلى ترك المدرسة والعمل في أحد معامل النسيج، براتب زهيد قدره 1400 ليرة تركية، ومن الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة السادسة مساءً، وعندما تكون هناك طلبيّة ينبغي علينا إنهاؤها، نضطر للعمل لساعات أطول في المساء".

منظمات حقوقية بلا عمل

يضطر الأطفال السوريون اللاجئون للعمل في ظروف قاسية نتيجة الحاجة المادية الماسة، أكان أهلهم في سوريا أو في تركيا. وعند طردهم من العمل لا يشتكون لأن ليس لديهم الوعي الكافي بحقوقهم، بالإضافة إلى خوفهم من الترحيل إلى سوريا.

رغم ذلك، فإن منظمات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية والنقابية السورية الموجودة على الأراضي التركية، ومنها لجنة العلاقات السورية التركية، واللجنة السورية التركية المشتركة للمتضررين السوريين، واتّحاد منظمات المجتمع المدني، والرابطة السورية لحقوق الإنسان، ومنبر الجمعيات السورية، وغيرها الكثير، لا تملك حتى يومنا الحالي آلية ملزمة للتعاون مع الحكومة التركية لوقف انتهاكات حقوق الأطفال السوريين اللاجئين فيها، أو مساعدتهم في الحصول على حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم، ومشاركاتها خجولة في تقديم مقترحات جدّية لحل مشاكلهم.

الحظر المتكرر في تركيا، ولفترات طويلة، أثّر بشكل سلبي على القدرة الاقتصادية للعمال السوريين كباراً وصغاراً، ما اضطر عدداً كبيراً منهم إلى العودة إلى بلادهم، إذ سجّلت إدارة معبر باب الهوى الحدودي بين سوريا وتركيا عودة 700 شخص غالبيتهم من الشبّان، بين 27 و29 نيسان/ أبريل الماضي، بينهم 40 طفلاً دون الـ18 عاماً.

تضع عمالة الأطفال السوريين في تركيا الدولة التركية وحكومتها والمنظمات السورية المعنية بالأمر، أمام مسؤولياتها المباشرة للحد من هذه الظاهرة، ومعالجتها بالطرق السليمة، واتّخاذ الإجراءات اللازمة من أجل الحفاظ على حقوق الأطفال كاملة من دون انتقاص، كلاجئين فيها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard