"ارتميت في أحضان الشغل بسبب الفقر"... طفولة منسية في شوارع الجزائر

السبت 22 يناير 202212:56 م

"هجرت المدرسة، وعمري لا يتجاوز تسع سنوات"؛ بهذه الكلمات اختصر الهادي، وهو رجل ستيني وأب لأربعة أبناء، كبيرهم في الثلاثين من العمر، مرحلة طفولته برفقة شقيقيه محمد ورشيد.

الهادي الذي كان يعمل مذ كان عمره سبع سنوات بائعاً للسمك في حيّه الملقب بـ"حي السردين لاكونكورد"، في بلدية بئر مراد رايس، في أقصى غرب العاصمة الجزائرية، زاول هذه المهنة برفقة شقيقيه لمساعدة والده ذي الإعاقة الحركية، ووالدته التي تعمل مربيةً في أحد الأحياء الراقية في بلدية حيدرة، استقر في هذه المهنة وكان يعمل فيها لمدة تتجاوز 15 ساعةً يومياً، ويجني بضعة دنانير يقسّمها مع شقيقيه، وما يتحصل عليه يسلّمه لوالدته في نهاية اليوم، ولا يحتفظ بشيء معه.

يروي العم الهادي لرصيف22: "كان حلم والدتي التي فارقت الحياة، وأنا في العشرينات من العمر، أن أحصل على الشهادة العُليا برفقة شقيقي، لكن لم أستطع تحمل العبء الملقى على كاهلها، وقررت التوقف عن الدراسة عندما كنت في التاسعة، ولم أخطر والدي بذلك، فكنت أخرج صباحاً حاملاً محفظتي على ظهري، لكن وجهتي لم تكن المدرسة، بل مسمكة العاصمة الجزائرية المسماة حالياً بـ’لابيشري’، لأظفر بصندوق من السمك حتى أجني منه بضعة دنانير".

قررت التوقف عن الدراسة عندما كنت في التاسعة، ولم أخطر والدي بذلك.

تسكّعتُ في الشوارع

يتذكر العم الهادي طفولته، والدموع تنهمر من عينيه من دون انقطاع: "بقيت على هذا الحال إلى أن علمت أمي بتركنا ثلاثتنا مقاعد الدراسة، حينها أصيبت بصدمة نفسية كبيرة لم تقوَ على تحملها"، ويضيف: "بقيت أتسكع في الشوارع، ومارست العديد من المهن، بعضها خطر، وفيه الكثير من الاستغلال من طرف أرباب العمل. حين توفيت والدتي إثر حادث مروري، هاجرت أنا ووالدي وشقيقيّ نحو فرنسا هرباً من الألم النفسي بعد دفنها.

"حتى في فرنسا، لم يسعفني الحظ في تحقيق حلم والدتي، فالحاجة إلى المال من أجل الاستمرار في العيش ظلّت تلاحقني بحكم الإعاقة الدائمة التي كان يعاني منها والدي، فاشتغلت في مطعم فرنسي، وغسلت الصحون، وكنت أنام في المطبخ وأعامَل معاملةً سيئةً".

ويتابع العم سرد ذكريات طفولته الأليمة، والدموع تنهمر من عينيه، لتقول ما صعب عليه قوله: "بقيت أنا ووالدي لفترة زمنية وجيزة في فرنسا، ثم عدنا أدراجنا من دون شقيقيّ اللذين قررا الاستقرار هناك".

"لم آخذ قسطاً كافياً من اللعب"

وليد شاب جزائري في العقد الثالث من عمره، يعمل اليوم موظفاً حكومياً، بعد أن هجر مقاعد الدراسة وعمره لا يتجاوز عشر سنوات. يقول لرصيف22، إن الفقر وتدنّي المستوى المعيشي دفعاه إلى الارتماء بين أحضان الشغل بحثاً عن لقمة العيش.

يحكي وليد أنه كان يستيقظ في السابعة صباحاً، يصلّي ويتناول فطوره، ويحملُ محفظته ويخرج برفقة والده وشقيقاته الثلاثة، ويوهم والديه بأنه ذاهب إلى المدرسة، غير أنه كان يتوجّه نحو حقول البطاطا، من أجل جمع مبلغ مالي معتبر بعد كل يوم عمل شاق، لمساعدة والده في الإنفاق على أسرته.

نحو أربع سنوات قضاها وليد متنقلاً بين الحقول الزراعية، وكبائع متجول في الشوارع. "العمل ليس عيباً، فالمهم بالنسبة إلي كسب قوت يومي بعرق جبيني، حتى لا يمد والدي يده إلى أحد"، يضيف.

"لا أتذكر شيئاً عن طفولتي، فكبرتُ من دون أن آخذ قسطاً وفيراً من المرح واللعب، والشيء الوحيد الذي أتذكره هو التوتر والقلق الذي كان يسيطر علي، فالهاجس الوحيد الذي كان يسكنني هو الحصول على المال، وأنا فخور بهذا لأنني ساعدت شقيقاتي على مواصلة مسارهن الدراسي، وحتى تجهيزهن".

تصرفات عدائية

لا يختلف وضع الهادي ووليد عن حال العديد من أطفال الجزائر اليوم، ومنهم رقية ذات الأعوام الثمانية، وشقيقتها الصغيرة التي لم تلتحق بالمدرسة بعد.

وجدت الفتاتان نفسيهما ضائعتين هائمتين في شوارع قهوة شرقي، وهي الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، تشتغلان تارةً، وتتسولان تارةً أخرى من أجل كسب بضعة دنانير، والأخطر والأدهى احترافهما سلوكياتٍ مذمومةً وآفاتٍ خطيرةً، مثل السرقة.

لا أتذكر شيئاً عن طفولتي، فكبرتُ من دون أن آخذ قسطاً وفيراً من المرح واللعب، والشيء الوحيد الذي أتذكره هو التوتر والقلق الذي كان يسيطر علي، فالهاجس الوحيد الذي كان يسكنني هو الحصول على المال

الحديث معهما لم يكن بالأمر الهيّن إطلاقاً، بسبب تصرفاتهما العدائية التي تتراوح من الإساءة اللفظية إلى الاعتداء الجسدي. تقول رقية لرصيف22، إنها نشأت وكبرت في بيئة محفوفة بالمخاطر، تقضي أيامها هائمةً مشردةً بين الشوارع برفقة شقيقتها ووالدتها التي ارتمت بين أحضان الإدمان، وهي تقبع اليوم خلف أسوار أحد السجون النسائية، بينما تخلّى والدهما عنهما، ويرفض حتى رؤيتهما.

"أشتغل بتعب وأكدّ ليلاً ونهاراً حتى أشتري بعض المأكولات لي ولشقيقتي وحتى لخالتي التي تعاني من اضطرابات نفسية خطيرة. أتقنت العديد من المهن والوظائف، أهمها بيع المناديل الورقية في الترامواي ومحطات الحافلات وحتى في الشوارع الرئيسية، وفي غالبية الأحيان أضطر إلى ترجّي الزبائن من أجل اقتناء مبيعاتي، غير أنهم يرفضون".

عندما تفشل في تحصيل كمية من النقود، تلجأ رقية إلى أصحاب المطاعم وحتى الباعة المتجولين لطلب ما يسد جوعها وجوع شقيقتها.

تهوين رسمي

بينما تُهوّن الجهات الرسمية في البلاد، على غرار وزارة العمل والتشغيل، من اتّساع رقعة هذه الظاهرة، تكشف الشوارع واقعاً مأساوياً، وتشير آخر الأرقام المُعلن عنها من طرف الأمين العام للوزارة علي لوحادية، إلى أن نسبة عمالة الأطفال في الجزائر لا تتخطى عتبة 0.5 في المئة.

أشتغل بتعب وأكدّ ليلاً ونهاراً حتى أشتري بعض المأكولات لي ولشقيقتي.

وحسب الأرقام التي أعلن عنها المسؤول ذاته، فإن نسبة التمدرس تُقدّر بـ98 في المئة من مجموع الأطفال الجزائريين، غير أن هذه الأرقام لم تلقَ قبولاً من طرف الهيئات والمنظمات غير الحكومية التي تسلّط الضوء على واقع الأطفال في البلاد.

ففي آخر تقرير لها حول هذه الظاهرة، رسمت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان واقعاً مرّاً عن هذه الفئة الضعيفة، فعلى الرغم من الترسانة القانونية التي وضعتها السلطات الجزائرية لمحاربتها، غير أن الجزائر تُحصي سنوياً نحو 200 ألف طفل عامل في الجزائر تحت السن القانونية، وحتى دون الـ16 سنةً.

ويتضاعف هذا الرقم ليصل إلى 600 ألف طفل في شهر رمضان، ونحو 400 ألف في أثناء العطل المدرسية الصيفية، إذ يعمل الأطفال في جني المحاصيل الزراعية وتسويقها، وتضيف المنظمة غير الحكومية أن منظر الأطفال خلف طاولات البيع في الأسواق، أو سلال الخبز على الطرقات السريعة، أصبح مألوفاً، ومن بعض المهن الجديدة التي باتت تستقطبهم جمع الخرداوات والنحاس والبلاستيك.

وتقول المُحامية الحُقوقية فتيحة رويبي، لرصيف22، إن عمالة الأطفال جزء من الواقع اليومي لنحو خمسة في المئة ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و15 سنةً في الجزائر، وترتفع هذه النسبة سنوياً.

وتؤكد الحقوقية أن مسألة عمالة الأطفال في الجزائر، تكاد تكون شبه منعدمة في المؤسسات، لأنها تخضع لمراقبة شديدة وتتعرض لعقوبات قاسية في حالة تشغيلها أطفالاً دون السن القانونية. "فالظاهرة المستفحلة حالياً هي الأطفال الذين يشتغلون في الشوارع، على الرغم من وجود الحماية القانونية لهذه الفئة بمقتضى القوانين الداخلية والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدولة"، تضيف شارحةً.

وفي قانون العمل المعمول به حالياً، أربع مواد لتنظيم عمالة الأطفال بشروط صارمة،‮‬ فمثلاً المادة 48 تنص ‬على ما يلي: "‬يُمنع توظيف العمال القصّر والمتدربين من الجنسين،‮ ‬الذين‮ ‬يقل عمرهم عن‮ ‬18‮ ‬سنةً،‮ ‬في‮ ‬الأشغال التي‮ ‬من شأنها الإضرار بالصحة الجسدية والعقلية والأخلاقية‮". ولا يُسمح بعمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و61 سنةُ، إلا في أوقات العطل، كما تشير المادة 05، شرط ألا تتعدى مدة العمل نصف العطلة الدراسية‮. كما‮ ‬يُمنع الطفل الذي‮ ‬يقل عمره عن ست سنوات من ‬العمل لأكثر من‮ ‬يومين في‮ ‬الأسبوع،‮ ‬شرط أن‮ ‬يكون خارج العطلة الأسبوعية‮.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

تُرجعُ المحامية أسباب تفشي هذه الظاهرة في الجزائر، إلى استمرار تدني المستوى المعيشي، فكثيرون يعملون من أجل سد حاجياتهم المعيشية الأساسية من الأكل والشرب وتكاليف الصحة

كما تشترط المادة 51 من القانون، تسليم‮ ‬60‮ ‬في المئة من الأجر إلى والدي‮ ‬القاصر، أو الوصي‮ ‬عليه،‮ ‬أما الـ40‮ في المئة المتبقية فتصب في‮ ‬دفتر ادّخار يُقيّد ويُحبس على مستوى مؤسسة مالية،‮ ‬باسم العامل،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتصرف فيه إلا عندما‮ ‬يصبح‮ ‬بالغاً.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وتُرجعُ المحامية أسباب تفشي هذه الظاهرة، إلى استمرار تدني المستوى المعيشي، فكثيرون يعملون من أجل سد حاجياتهم المعيشية الأساسية من الأكل والشرب وتكاليف الصحة، وهي الأسباب نفسها التي ذكرتها الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في آخر تقرير لها، إذ قالت إن ظاهرة عمالة الأطفال مرتبطة بالظروف المعيشية للطفل في محيطه، سواء أكانت ماديةً أو اجتماعيةً كاليتم، والرسوب المدرسي، والفقر، وانخفاض مستوى المعيشة، وأوضحت المنظمة غير الحكومية أن جميع هذه الأسباب والظروف الاجتماعية القاهرة تؤدي إلى استغلال الطفل في سن مبكرة، أي بمعنى أنه كلما ساءت ظروفه، سهل استغلاله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard