"أبي شاخ قبل الأوان"… نهاية الطفولة في اليمن

الخميس 18 نوفمبر 202112:45 م

منذ دخوله عامه الرابع عشر، يعمل سعيد الدبعي في محل للهواتف النقالة والإلكترونيات واستراحة الإنترنت، يملكه خاله، في العاصمة صنعاء.

أكثر من سبعة عشر عاماً من العمل المتواصل، كسب فيها سعيد خبرة في مجال إصلاح الحواسيب والهواتف، بالإضافة إلى الخبرة العملية في السوق.

يقول: "توفي والدي وأنا صغير السن، وكنت أكبر أخوتي، ولم تكن ظروفنا المعيشية جيدة، فاتفقت مع والدتي أن أعمل وأدرس، وتركت القرية في محافظة تعز جنوب اليمن، وبدأت بالعمل عند جدي في المحل، ثم انتقلتُ للدراسة في صنعاء".

لم يتمكن سعيد من مواصلة الدراسة في صنعاء، لأنه لم يستطع التأقلم مع مدرسة جديدة، ورسب في الصف السابع، ففضل ترك المدرسة، والتفرغ للعمل فقط، وكسب لقمة العيش.

راهناً، هو في الثامنة والعشرين من عمره، ومتمكن من إعالة أسرته المكونة من ستة أفراد ومساعدة إخوته على إكمال تعليمهم. يقول: "ساعدت إخوتي وأمي، والآن اثنان منهم يعملان في محل هواتف. أخطط لكي أفتح محلاً خاصاً بي، وبدأت بالبحث عن الموقع المناسب".

لا يملك أطفال يمنيون ذكريات جميلة عن تلك المرحلة من عمرهم، فعليهم أن يتحمّلوا أو يشاركوا في إعالة أهاليهم وإخوتهم، وأن يتحملوا تكاليف زواجهم باكراً، وحدهم

ما يعيق سعيد هو الوضع الذي بمر به اليمن منذ سبع سنوات نتيجة الحرب بين جماعة أنصار الله الحوثيين والقوات الموالية للحكومة والتحالف العربي.

يتابع سعيد: "الأسعار ارتفعت بشكل جنوني، وبعض المواد يجب أن نستوردها من خارج اليمن، لذلك تعرقل فتح المحل".

ويتمنى أن تتوقف الحرب، التي عرقلت عمله، وعمل غيره من الشباب اليمني، كما يحلم بأن يتمكن من تأسيس شركة استيراد الهواتف والإلكترونيات.

سعيد الدبعي نموذج للآلاف من الشباب الذين اتجهوا إلى العمل منذ الطفولة، وتركوا التعليم، لظروف كثيرة أجبرتهم على ذلك، أهمها فقدان رب الاسرة بالوفاة الطبيعية أو بالحرب، ناهيك بالفقر والمجاعة والأمراض المختلفة، التي تعصف بالبلاد وانعدام المرتبات وتوقف الكثير من الأعمال.

غادرت القرية

من العمل في حقول الحبوب وأشجار البن والقات ورعي الأغنام إلى العمل في محل لصناعة الحلوى، انتقل مبارك محمد، ذو العشرين عاماً، قبل خمس سنوات.

شعر مبارك بأنه رجل ناضج يُعتمد عليه في العمل، بعدما سمح له والده بالخروج من قريته إلى المدينة، والسفر من محافظة إب وسط اليمن إلى محافظة حضرموت شرق البلاد.

تعلم مبارك حتى الصف السابع في مدرسة قريته، لكنه فعل مثلما فعل الكثير من أقرانه من أبناء الريف الذين يتركون التعليم في الصفوف الأولى، لعدم توفر المدارس الثانوية أو الجامعات القريبة من قراهم ومناطقهم النائية. عمل ثلاث سنوات في معمل لصناعة الحلوى، ويعمل الآن مع خاله في محل تجاري لتوزيع الغاز المنزلي في محافظة المهرة المحاذية لسلطنة عمان مقابل راتب شهري زهيد هو مئة دولار أمريكي.

"أبي ما عاد يقدر يشتغل".

"أبي ما عاد يقدر يشتغل، كان يبيع الحلويات فوق عربة يدٍ يدفعها في الشارع بمحافظة حضرموت جنوب شرقي اليمن، لكنه الآن لم يعد قادراً على ذلك لكبر سنه، وتكالبت الهموم والأمراض عليه"، يقول مبارك.

ويضيف: "مع تدهور الأوضاع الاقتصادية لم يعد هناك أي فائدة من الأجر الذي أتقاضاه، لأنني عندما أحوّل مئة ألف ريال لأسرتي في محافظة إب أدفع أكثر من نصف المبلغ فرق سعر العملة بين حكومتي صنعاء وعدن".

يجمع مبارك الآن المال كي يدفع ثمن تأشيرة لدخول المملكة العربية السعودية حتى يحظى بوظيفة تدر عليه المال وتحقق أحلامه وطموحاته. وهو لا يطمح إلى تحقيق الكثير من وراء غربته، إذ يكتفي بالزواج ومصدر دخل ثابت.

"مع عدم حصول غالبية الخريجين من الجامعات اليمنية على الوظائف في تخصصاتهم، وارتفاع نسبة البطالة إلى نحو ثمانين في المئة، اضطر الكثير من الأطفال إلى ترك المدرسة والاتجاه نحو العمل، حتى لا تضيع أعمارهم في المدرسة، ويتخرجون الى الشارع"، يقول الناشط المجتمعي في مجال الإغاثة والتدريب، عبد الرقيب القادري.

ويرى القادري في حديث لرصيف22 أن "الظروف الصعبة، ناهيك بحصول الموظفين الحكوميين أو العاملين في المؤسسات الخاصة، على مرتبات بسيطة، جعلت عدداً كبيراً من الأطفال يتركون التعليم ويذهبون للعمل مقابل راتب بسيط حتى يكتسبوا مهنة تكون لهم مصدر دخل يعينهم في شؤون الحياة القاسية".

ويدعو القادري الآباء "الى تشجيع أولادهم على التعليم وعدم ترك المدرسة، فالمستقبل لن يحتاج إلى الجهد العضلي بدون العلم والابتكار، فهناك الكثير من المعدات والآلات التي تغطي أماكن الأيادي العاملة في العديد من الأشغال المختلفة".

"أشعر بالحزن ولكنني أعمل"

لا يختلف الحال كثيراً بالنسبة إلى الشاب خالد علي، ذي الخمسة والعشرين عاماً، الذي التقيته وهو مسافر من مدينة العدين في محافظة إب إلى العاصمة صنعاء، حتى يلتحق بعمله في مطعم للمأكولات الشعبية.

عاش خالد طفولة قاسية، إذ افترق والداه وهو صغير، فعاش تارة مع أمه وتارة مع أبيه، في ريف حزم العدين بمدينة إب، لذا لم يتمكن من الالتحاق بالمدرسة إلا في سن متأخرة .

يقول: "بعد افتراق أبي وأمي، كنت أحب أن أعيش عند أمي، وكان المنزل في مكان بعيد عن المدرسة، لذلك لم أدخل المدرسة إلا حين أصبح عمري عشر سنوات، وكنت أكبر الأطفال في الفصل، وطالما أشعر بالإهانة لأني أدرس مع أطفال يصغرونني بخمس سنوات".

يشيخ آباء يمنيون قبل أوانهم، وتظهر عليهم أمارات العجز من الهم المبكر الذي اختبروه طويلاً في ظل تفشي الأمراض والفقر واستمرار الحروب، ليتولى المسؤولية أطفال ذكور صغار

واصل خالد الدراسة حتى الصف السابع، تعلم خلالها القراءة والكتابة. ومع بدء الحرب في البلاد ترك المدرسة للعمل مع والده في حقول القات والذرة. يقول: "لست وحدي من ترك المدرسة. شقيقاي الأكبر مني تركا المدرسة أيضاً، أحدهما سافر إلى السعودية والآخر يعمل في كافتيريا بصنعاء".

ويضيف بشيء من الندم: "أشعر بالحزن كثيراً لكوني تركت المدرسة، لكنني الآن أعمل براتب جيد".

يعمل خالد علي براتب شهري يصل إلى ستين ألف ريال (نحو 100 دولار) ويحاول ألا يصرف منه شيئاً، لأن مالك المطعم يوفر للعمال السكن والغذاء. يجمع خالد رواتبه ويرسلها لوالده ليستكمل بناء المنزل ودفع مهر عروسه المستقبلية.

يبدأ خالد الدوام في عمله منذ الساعة السابعة صباحاً حتى العاشرة مساءً، من تجهيز المكونات لطبخ وجبات الطعام حتى تقديمها للزبائن، وتنظيف المحل.

وهو يحلم بالزواج. فقد تمكن خلال عمله منذ أربع سنوات من شراء الذهب لعروسه وبناء غرفتين على سطح منزل العائلة.

وجراء استمرار الصراع الدائر منذ سنوات، التحق آلاف الاطفال في اليمن بجبهات القتال، فيما بات الملايين منهم غير قادرين على الالتحاق بالمدارس. فالحرب دمرت المئات منها وجعلت نحو ثلاثة ملايين طفل غير قادرين على الالتحاق بالتعليم، حسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وقدّرت الأمم المتحدة أن قرابة مليونَي طفل يمني في سن التعليم هم خارج المقاعد الدراسية وسط نقص حاد في التمويل الذي توفره المنظمة الدولية لقطاع التعليم، بينما هناك قرابة ثمانية ملايين طفل بحاجة إلى المساعدة في مجال التعليم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard