"الناس تحب صوت ابني"… أطفال بائعون على شاطئ بحر غزة

الجمعة 16 يوليو 202104:03 م

تسمعه قادماً من بعيد يختلط صوته، وهو ينادي على البالونات بصوت أغنية "حلوة يا بلدي" التي يعشقها، ويحب الاستماع لها أثناء تجواله على شاطئ بحر غزة، في مشهد يجمع صعوبة الحاضر، وأمل المستقبل، وحب البلد، وامتعاض وضعها الاقتصادي والمعيشي.

"حكي فارغ"

معظم من قابلنا من الأطفال الذين يعملون رفضوا توصيلنا لأهاليهم لإجراء مقابلة معهم، واستئذانهم لإجراء حديث مطول مع أبنائهم، وكان يبدو على الصغار الخوف الشديد من أن نكون جهة حكومية أو مؤسسة تكافح عمالة الأطفال، لكن وليد (15 عاماً) فضل الاتصال بوالده لاستئذانه، وقال له: "يابا في صحفية بدها تعمل معي مقابلة علشان أنا طفل، وبشتغل، وبدها تيجي ع البيت، علشان تعمل مقابلة معك، شو رأيك؟".

أغلق وليد الخط مع والده دون أي تعليق، وقال:"أبوي بحكيلي لو بدكم تقدموا مساعدات وفلوس لنا احنا جاهزين، أما حكي فاضي ما بدو يحكي".

وكان الأمر كذلك مع سلمى (12 عاماً)، التي جاءت من بيت لاهيا شمال قطاع غزة لتبيع البسكويت على شاطئ بحر الشيخ عجلين، غرب مدينة غزة، وعندما اقتربنا للحديث معها، غطت وجهها بكل براءة، وقالت: "أمانة ما تصوريني أمانة".

رفضت الكلام، وقالت: "والله أبوي وأمي بيكسروني لأنه مرة تلفزيون صورني، وصارو الجيران وقرايبنا يحكوله كيف بتسرح بنتك ع الشغل، وضربني، وحكالي ممنوع تخلي حد من الصحافة يوقف معك".

"أبوي بحكيلي لو بدكم تقدموا فلوس لنا احنا جاهزين، أما حكي فاضي ما بدو"، "سمير ابني ينادي على البطاطا، والناس تحب صوته، ويشترون لأن لسانه حلو ودمه خفيف"

وقد أصدرت منظمة العمل الدولية تقريراً جديداً حول عمالة الأطفال، مشيرة إلى أن عدد الأطفال العاملين زاد بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأربع الماضية، ليصل إلى 160 مليوناً، وفقاً لإحصائيات عام 2020.

ويأتي ذلك في ضوء إعلان الأمم المتحدة عام 2021 السنة الدولية للقضاء على عمل الأطفال، إذ هناك طفل من كل عشرة أطفال في جميع أنحاء العالم في سوق العمل.

وفي حين انخفض عدد الأطفال العاملين نحو 94 مليون منذ عام 2000، إلا أن معدل ذلك الانخفاض تباطأ بنسبة الثلثين في السنوات الأخيرة.

"أنا الأخ الأكبر"

يقول محمد دويدار (14 عاماً): "أعمل منذ سنتين تقريباً، بعدما ترك والدي شغله لأنه صاحب المصنع، أفلس بسبب الحصار، وسرح كل العمال وهو طبعاً كبير في السن، ومن الصعب أن يجد فرصة بمكان آخر".

بعدما عصفت الظروف بعائلة محمد، لم يعد والده قادراً على إعالته هو وإخوته الأربعة، ووالدته لا تعمل، هنا قرر تولي زمام الأمور، لأنه أكبرهم.

بدأ محمد أولى محطات العمل لدى محل حلويات، كان يقوم بتوصيل بعض الطلبات، وتنظيف المحل، مقابل عشرة شواكل في اليوم أي ما يقارب ثلاثة دولارات، لكن الإغلاق المتكرر بسبب كورونا أدى الى استغناء صاحب العمل عن بعض العمال من بينهم هو.

يقول محمد: "بحثت عن عمل فلم أجد، حتى فكرت أن أشتري بضعة ألعاب وبالونات من محل جارنا، وأحاسبه بعد البيع طبعاً، ولكن لم نعد نبيع الكثير رغم أننا حالياً في أفضل موسم على البحر، ويحب الأهالي أن يشتروا لأولادهم ألعاباً، لكن ما أحصل عليه في اليوم بالكاد أستطيع أن أشتري به فلافل وخبزاً لأهلي والحمد لله".

بطاطا، بطاطا

وبينما كان الصغار يلعبون على شاطئ البحر، ويمرحون، ويسبحون كان سمير رزق (11 عاماً) ينظر إليهم متحسراً، وهو يقف الى جوار عربة البطاطا المشوية، التي يتجول بها مع والده أبو أسعد (55 عاماً) وينادي بصوته الندي: "يلاااا بطاطا شوووي".

"نفسي ألعب مع الأولاد، وأقضي يوم كامل على البحر بدون تعب، لكن هذا حلم والله، لأني أنزل مع أبي من الساعة 10 الصبح على البحر، وبنعود تقريباً على الساعة 11 بالليل، وطوال اليوم نطوف على البحر، أمشي على قدمي تارة، وأركب الكارة أوقات، ولكن تعب، والشمس تحرقنا".

ويضيف: "صح أبي ينزلني أسبح لكن ليس أكتر من عشرة دقائق، لأنه يحزن عليّ بسبب الحر، فقط أنزل أبلل جسمي، لكن بدون ما أنبسط لحالي، أشعر كأنها استراحة صغيرة، أحلم أن ألعب طول اليوم وما أعمل".

ويعتقد أبو أسعد أنه يساعد ابنه سمير على بناء شخصية قوية، وقادرة على مواجهة الحياة، ويقول: "عندي سبع بنات لو مت من سيعيلهن، أنا أيام المدرسة أتحمل تكاليف دراسته، لكن من يوم الكورونا ولا مدارس، قلت يظل معي أفضل من اللعب بالشارع".

ينظر أبو أسعد حوله، ويقول كأنه يتحدث إلى نفسه: "الدنيا غالية، والحياة صعبة، كيف نأكل ونشرب إذا لم نعمل، أنتم ترون كيف صحتي صارت، وأريد شخصاً يساعدني، سمير ابني ينادي على البطاطا، والناس تحب صوته، ويشترون لأن لسانه حلو ودمه خفيف".

"رأيت صاحبتي"

على بسطة صغيرة متنقلة، يقف خالد (16 عاماً)، وأخته خولة (11 عاماً) يبيعان دبابييس الشعر، والولاعات، وأشياء أخرى تعد مصدر دخل العائلة، المكونة من سبعة أفراد. يقول خالد: "أعمل منذ أربع سنوات، بعد وفاة أبي باعت أمي خاتمها، وعملت هذه البسطة الصغيرة، وأيضاً بسطة عليها حاجات للصغار، بسكويت وشوكولاتة نبيعهما على باب بيتنا، وأنا وخولة بنلف بهذه البسطة على البحر".

بدا خالد متجهماً، وهو يضيف: "أنا بكره الشغل، وبكره غزة لأنه لا أحد يسأل عنا، ولا يساعدنا، نأخذ مساعدة من الشؤون الاجتماعية كل تلات شهور مرة، وأنا صحيح بروح المدرسة، ولدي رغبة في التعلم، حتى أصبح محامي، ولكن أشعر بالخجل من هالعمل، هو صحيح مش عيب، ولكن لماذا أعمل وأحترق في الشمس، والمفترض ألعب، وأسبح، وانبسط مثل بقية الأولاد".

"أخشى أن تراني إحدى صديقاتي، أموت من الخجل، وأخبئ رأسي، لو رآنا من يعرفوننا سيتعاملون معنا باعتبارنا فقراء وشحاذين"

وكذلك كان الحال بالنسبة لأخته خولة، التي قاطعته أثناء حديثه وقالت: "أخشى أن يرانا أحد من أصدقائنا وصديقاتنا، أموت من الخجل، وأخبئ رأسي خلف خالد، لأن البنات لن يفهمن أننا مضطران للعمل، ويتعاملن معنا باعتبارنا فقراء وشحاذين".

تتذكر خولة موقفاً صعباً، قلما يغادر ذاكرتها، عندما جاءتها سيدة، واشترت منها أشياء، ونادت ابنتها لتشاهد "الفيونكات" التي اشترتها لها، لتصدم بأنها زميلة في مدرستها بنفس الصف، شعرت خولة بالخجل، وجرت بعيداً، ولحقها خالد بعد أن فهم مشاعرها.

اتفاقيات حقوق الطفل

"ظاهرة عمالة الأطفال لا تختص بفلسطين، هي ظاهرة عالمية، ومع ذلك خطورتها تأتي في المجتمع الفلسطيني، الذي يعاني من مخاطر الاحتلال وتداعيات الانقسام، وهذا الأمر له انعكاسات كارثية على الطفل، 52٪ من الأطفال ينعدم لديهم الأمن الغذائي، ومصابون بأمراض سوء التغذية"، يقول الحقوقي صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني.

"سبب هذه الظاهرة الفقر والبطالة واستمرار حالة الانقسام".

ويضيف: "هناك 3 ٪ من الأطفال ما دون 18 سنة يعملون لمساعدة ذويهم، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء، سبب هذه الظاهرة الفقر والبطالة واستمرار حالة الانقسام وغياب سياسات وطنية للاعتناء بالأطفال الفلسطينيين".

ويؤكد عبد العاطي أن ظاهرة عمالة الأطفال تخرق كل اتفاقيات حقوق الطفل، والقانون الفلسطيني الذي نص على احترام الحق في التعليم والترفيه، وغيرها من الحقوق التي تكفل للأطفال الحق في الحماية والمشاركة والرعاية. ويقول: "هذا الأمر يترك آثاراً وخيمة على الأطفال، ويجبرهم على التسرب الدراسي إضافة إلى انعكاس هذا العمل على نفسيتهم، خاصة أن بعضهم يعمل في مهن خطرة ساعات طويلة، وبعضهم يتحول إلى متسول ليبيع الأشياء البسيطة على شاطئ البحر، وعلى الإشارات المرورية، وبالتالي هذا يمكن أن يتسبب في منعهم من الاستقرار النفسي والاجتماعي، إضافة لعدم تمتعهم بحقوقهم".

"القانون يمنع عمل الأطفال ما دون 15 سنة، ويحمي الأطفال ما بعد هذا العمر، إذ يمنعهم من العمل بالمهن الخطرة، ويضع ضمانات لدى تشغيلهم"، يقول عبد العاطي لرصيف22.

ويشير الى أنه "مطلوب لتجاوز هذه الظاهرة التنسيق الوطني، وبناء سياسة وطنية تقوم على احترام الأطفال، والاستجابة لاحتياجاتهم، وتعاون القطاع الخاص والمجتمع المدني والحكومي من أجل ضمان العمل على توفير احتياجات الأطفال المتزايدة، والعمل للحد من هذه الظاهرة، والاهتمام بتمتع الأطفال بحقوقهم، إضافة إلى الضغط من أجل وقف انتهاكات الاحتلال لحقوق الطفل، ووقف الحصار بما يساهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي يمنع عمل الأطفال".

ويشدد عبد العاطي على أهمية العمل التوعوي لوزارة الشؤون الاجتماعية من أجل ثني الأهالي عن أن يدفعوا بأطفالهم الى سوق العمل، خاصة إذا ثبت أنهم يدفعونهم إلى مهن خطرة، فينبغي إذ ذاك تأمين احتياجات هذه الأسر، وبالتالي مطلوب تكامل، ووضع خطة وطنية لمواجهة تداعيات هذه الظاهرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard